Skip to content
August 7, 2011 / kyrillosnagy

ثورية المسيح , بقلم د. ماهر صموئيل

ثوروية المسيح

الدكتور ماهر صموئيل

لكي نقول عن شخص ما إنه ثائر عظيم، يتحتم علينا أن نفحصه من ثلاثة زوايا. وقد تناول الكاتب في الحلقة الماضية أثره في التاريخ ونوعية ثورويته. أما في هذه الحلقة الأخيرة فيبحث الكاتب نوعية شخصيته، هل هي شخصية ثوروية؟ بمعنى، هل هو قائد وقدوة، وهل هو صاحب شخصية قيادية ترفض الخنوع والاستسلام للأوضاع الخاطئة، وقادرة على إحداث التغيير، أم هو شخصية عادية خدمتها الظروف، أو شخصية انتهازية صعدت على أكتاف غيرها؟ فتعال معي لنتابع تطبيق هذه المعايير على المسيح.
هل كانت شخصية المسيح شخصية ثوروية؟!
هل يقال عن الحمل الذي ارتبط اسمه في الأذهان بالرقة والحنان، أنه ثورويًا؟!
هل يمكن أن يكون ثورويًا صاحب التعاليم السامية، والتي يساء فهمها، كقوله: “من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا”؟
هل يمكن أن يكون ثورويًا من قال عنه أبو الثورة الفرنسية جان جاك روسو: “عندما يصف أفلاطون الإنسان المثالي الكامل الذي يستحق أسمى جوائز الفضيلة، فإنه يصف بالضبط شخصية يسوع المسيح”؟
أقول بملء الفم: نعم، وألف نعم! كان سيدي المسيح ذا شخصية ثوروية، أحبها وأفخر بها، بل وأراه أعظم ثائر عرفه التاريخ. وإليك غيض من فيض ما يؤكد ثورويته.
  • لم تسجل الأناجيل إلا قصة واحدة عن مرحلة طفولته، كتبها لوقا الطبيب عنه، تصفه وهو في الثانية عشر من عمره (لوقا 41:2-52). هذه القصة الوحيدة تكشف عن شخصية مستقلة لدرجة لا يتصوّرها عقل؛ استقلال يمكّنه من الاستغناء عن أهله وهو طفل لمدة ثلاثة أيام – دون أدنى قلق أو انزعاج – قضاها في بلد بعيد ووسط أناس غرباء هم جمع من الشيوخ والمعلمين يناقشهم ويحاورهم دون أدنى وجل حتى أبهرهم! كانت هذه الاستقلالية المبهرة هي منبع شخصيته الثوروية التي غيّرت التاريخ. والعجيب أن هذا الاستقلال الكبير، امتزج بخضوع راقٍ وبديع، سواء للسلطة السماوية الإلهية بقوله لأمه: “أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟” أو للسلطة الأرضية الأسروية عندما قال عنه لوقا: “نزل معهما… وكان خاضعًا لهما!” هذا الخليط البديع من الاستقلالية والخضوع لم يظهرا إلا في شخصه الفريد. وكان هو منبع ثورته الفريدة التي تُغيِّر دون أن تُخرِّب، هذا لأنها تثور وتخضع في آن واحد!
  • عندما خرج لخدمته الجهارية بين الناس، بدأها بعمل ثوري كبير – عندما أعلن توحّده مع جموع التائبين وقبوله لمعمودية يوحنا (متى 3)؛ تلك المعمودية التي لم تقبلها السلطة الدينية آنذاك بكافة طوائفها من رؤساء كهنة وفريسيين وناموسيين – ليعلن مبكرًا جدًا، بل ومن اليوم الأول في خدمته، الصدام الجهاري مع السلطة الدينية بكافة مؤسساتها. لقد كان صدامًا صامدًا استمر كل أيامه، وكلّفه سبع محاولات لاغتياله، نجحوا في آخرها. (متى 13:2؛ يوحنا 30:7؛ 59:8؛ 31:10 و39؛ 10:11 و53؛ 17:19-18).
  • كشفت أول زيارة له للهيكل بعد خروجه للخدمة الجهارية (يوحنا 12:2-17) عن شخصية ثوروية لا تحتاج إلى اجتهاد لاكتشافها. فبمجرد وصوله للهيكل ورؤيته لما يجري فيه من كذب، وزيف، وخداع، وتجارة بالدين؛ صنع سوطًا من حبال وابتدأ يطرد الباعة والتجار المدعومين بقوة من رؤساء الكهنة، وقلّب موائد الصيارفة. فطهر الهيكل دون أن يؤذي أحدًا. وكرر نفس الفعل في آخر زيارة له بعد أكثر من ثلاث سنوات (لوقا 45:19). أي لم تضعف ثوروية شخصيته ولم تلنْ بمرور السنين على الرغم من المصادمات.
  • أما مسألة اختياره الدائم والمتعمد ليوم السبت ليصنع فيه معجزات رحمة وشفاء – التي بسببها تقلّب عليه جموع المرائين الأغبياء، وتزايد حنق المتشدقين بالدين – كانت ولم تزل تثير حيرتي، وتزيد من إعجابي وانبهاري بشخصيته الثوروية. لقد كان مصرًا على أن يصدمهم بخبطات موجعة على رؤوسهم – لعلها تعود وتعمل فتفكر – بعد أن نامت كثيرًا على وسادة التقاليد الأبوية المتسخة، وبعد أن تعطّنت شخصياتهم في جو البحث عن الذات الرطب والعفن.
  • وهل تحتاج شخصيته الثوروية إلى إشارة أو توضيح وأنت تسمعه يرد على من قال له: اخرج واذهب من ههنا لأن هيرودس يريد أن يقتلك، فيجيب بالقول: “امْضُوا وَقُولُوا لِهذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ، وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَدًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمَّلُ” (لوقا 31:13- 33).
  • وكما ظهرت ثورويته في رده على هيرودس في الجليل، ظهرت أيضًا في رده على تلاميذه من جهة اليهودية. لقد كان خارجًا لتوّه من محاولة اغتيال في اليهودية (يوحنا 10)، ومع هذا قرر الذهاب إلى اليهودية ثانية ليقيم لعازر من الموت، وهو يعلم مسبقًا موقف اليهود الحالي منه، وما ستتمخض عنه إقامة لعازر من ضجة ستجعل اليهود يقررون نهائيًا قتله، دونما أي توان أو إبطاء، بل وقتل لعازر معه! قال له عندئذ تلاميذه: يا معلم، الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك وتذهب أيضًا إلى هناك؟ فأجابهم بهذا القول البديع: “أليست ساعات النهار اثنتي عشرة. إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم. ولكن إن كان أحد يمشي في الليل يعثر لأن النور ليس فيه” (يوحنا 11: 8-10).
  • أما قمة ثورويته فقد كانت في يوم صلبه. وما أكثر مشاهدها؛ سواء في اعترافه الحسن أمام المجمع الديني الرهيب المكوّن من جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة، الاعتراف الذي جعل رئيس الكهنة يشق ثيابه، معلنًا دون أن يدري نهاية كهنوته طبقًا للشريعة. أو اعترافه أمام بيلاطس البنطي، والذي ألقمه حجرًا، وأسكته أبدًا، عندما قال له: “أَمَا تُكَلِّمُنِي؟ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ لِي سُلْطَانًا أَنْ أَصْلِبَكَ وَسُلْطَانًا أَنْ أُطْلِقَكَ؟ أَجَابَ يَسُوعُ: لَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيَّ سُلْطَانٌ الْبَتَّةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيتَ مِنْ فَوْقُ. لِذلِكَ الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ” (يوحنا 10:19-11).
هذه الأمثلة مجرد نذر قليل يكشف بوضوح عن شخصية ثوروية، هي أبعد ما تكون عن الخنوع. لقد كان بحق ثائرًا صنديدًا لم يتراجع قط عن قضيته والتي كلفته في النهاية حياته.
وقبل أن أترك هذه الحزمة من الأدلة على ثوروية شخصيته، أقول إنه من الناحية الأخلاقية، إذا قبلنا بما يُجمع عليه مؤرخي العالم ومفكريه الأفذاذ، مثل وليم ليكي وفيليب شاف وروسو وغيرهم، على أن المسيح هو المثال الأكمل للفضيلة، فإنه من المحتم أن يكون المسيح ثورويًا. لأن الثوروية، من وجهة نظري، وكما نتعلم من التاريخ، هي فضيلة تفسد لغيابها النفوس والمجتمعات. بل وكانت هي دائمًا وراء كل محاولة إصلاح. طالما كانت بالطبع لغرض نبيل وليست لمجرد التمرد والعصيان. وبالتالي ليس من المقبول غيابها عن من قيل عنه “هو الفضيلة متجسدة”.
في النهاية أتوقف عند عينة من أقواله التي يساء فهمها لعمقها وبلاغتها… أقوال أراها في منتهى الثوروية، بينما البعض يفهمها على أنها تعلم الخنوع والاستسلام.
“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا” (متى 5: 38-42).
في إيجاز سريع أقول: لم يقصد المسيح أبدًا المعنى الحرفي لسببين:
أولاً: لقد استخدم اللغة المجازية كثيرًا في هذه العظة مثل قلع العين إن اعثرت صاحبها، وبالطبع لم يكن يقصد القلع الحرفي على الإطلاق.
والثاني: إنه لم يطبّق هذا النص حرفيًا عندما تعرض له. ما كان الرب يريد أن يقوله هو: وأنتم ماضون في طريقكم لفعل الخير وتمجيد الله – كملح للأرض وكنور للعالم – سيقاومكم الأشرار ويخاصمونكم. فاحذروا عندئذ من خدعة العدو أن يجركم لمقاومة الشر، أو للانشغال بقضايا شخصية تافهة، فتنصرفوا عن قضيتكم الكبرى ورسالتكم العظيمة. كونوا على استعداد للمثابرة والصمود مهما كانت التكلفة. فإن لطموكم على خدكم الأيمن استمروا في طريقكم معلنين استعدادكم لمزيد من اللطمات. وإن أرادوا تعطيلكم بأخذ ثوبكم فاتركوا لهم الرداء أيضًا ولا تتوقّفوا عن ركضكم! أليست هذه منتهى الثوروية؟!
“سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”.
إذا سالمنا من يسالمنا فأي فضل لنا؟ إننا سنكون مجرد “مفعول به” أظهر “رد فعل” لا “فاعل” يفعل شيئًا! وإذا عادينا من يعادينا فقد استسلمنا للضعف الطبيعي المخزي والذي أفسد العالم وجعله بحرًا من البغضة والعار. لكن القوة الحقيقية هي في هذا الإصرار الثوروي المقدس على التغيير، تغيير البيئة التي نعيش فيها. فإن عاداني الضعيف وأبغضني سأحبه وأصلي من أجله فأكسر دائرة البغضة الجهنمية وأطفئ نيران الكراهية الكئيبة.
أليست هذه منتهى الثوروية؟
August 5, 2011 / kyrillosnagy

عظات القديس مكاريوس الكبير , العظة من الحادية و الأربعين إلى الخمسين

العظة الحادية والأربعون
أعماق النفس
أعماق النفس عميقة جداً، وهى تتأثر بمقدار درجة النعمة أو درجة الشر.
          1 ـ إن إناء النفس الثمين هو عميق جداً، كما هو مكتوب ” هو يفحص العمق والقلب” (ابن سيراخ18:42). لأنه حينما حاد الإنسان عن الوصية وصار تحت دينونة الغضب فإن الخطية أخذته تحت سلطانها، وحيث إن الخطية هي نفسها هاوية عميقة من المرارة فقد دخلت إلى داخل أعماق الإنسان واستولت على مراعى النفس حتى إلى أقصى أعماقها.
اختلاط الخطية بالنفس :
          وهكذا يمكننا أن نشبه النفس والخطية حينما اختلطت بها كما لو أن هناك شجرة كبيرة جداً ذات فروع كثيرة وتضرب بجذورها في أقصى أعماق الأرض. هكذا الخطية فقد دخلت إلى الداخل وملكت على مراعى النفس العميقة، حتى أنها صارت مألوفة وملازمة للإنسان وتنمو مع كل شخص منذ طفولته وتعاشره وتعلّمه أموراً شريرة.
عمل النعمة الإلهية والاجتهاد :
          2 ـ لذلك فحينما يظلل عمل النعمة الإلهية على النفس بحسب مقدار إيمان كل واحد، وينال الإنسان معونة من فوق فإن النعمة تظلّله جزئياً فقط. لذلك فلا يتصور أحد أن نفسه قد استنارت كلها مرة واحدة استنارة كلّية. فلا يزال يوجد قدر من الخطية في الداخل، ويحتاج الإنسان إلى تعب وكد كثيرين على حسب النعمة المعطاة له. ولهذا السبب تبتدئ النعمة أن تفتقد الإنسان جزئياً مع أنها تملك القوة أن تُطهر الإنسان وتكمله في ساعة من الزمان. ولكنها تفتقد الإنسان جزئياً لكي تمتحن قصد الإنسان لترى هل يحفظ حبه نحو الله كاملاً، بحيث لا يتفاوض مع الشرير في أي وقت بل يسلّم نفسه كليةً للنعمة وبهذه الطريقة عندما تنجح النفس مرة بعد مرة، وهى لا تُحزن النعمة في أي أمر، فإن الإنسان ينال معونة متزايدة، والنعمة نفسها تجد مرعى لها في النفس وتضرب بجذورها إلى أعماق أعماقها وفي كل أفكارها، إذ توجد النفس مقبولة وموافقة للنعمة بعد تجارب كثيرة، إلى أن تتشّبع النفس تماماً بالنعمة السماوية التي تبدأ منذ ذلك الوقت فصاعداً أن تملك في الإناء نفسه[1].
التواضع:
              3ـ ولكن أي شخص لا يثبت في تواضع كثير، فإنه يُسلّم للشيطان ويتعرى من النعمة الإلهية التي سبق أن أُعطيت له فيُجرّب بشدائد كثيرة. وحينئذ يعرف نفسه على حقيقتها وأنه عريان وشقى. ولذلك فإن الذي يكون غنياً في نعمة الله ينبغي أن يكون متضعاً جداً وله قلب منسحق، وأن يعتبر نفسه فقيراً ولا يملك شيئاً. وأن ما هو له لا يخصه وإنما قد ناله من آخر ويمكن أن يؤخذ منه حينما يشاء الذي أعطاه. فالذي يتواضع هكذا أمام الله والناس يستطيع أن يحفظ النعمة المعطاة له كما يقول الرب ” من يضع نفسه يرتفع” (لو11:14) ورغم أنه مختار من الله، فليعتبر نفسه كأنه مرذول. ورغم أنه أمين حقاً فليعتبر نفسه غير مستحق. إن مثل هذه النفوس تكون مرضّية لله، وتحيا وتنال الحياة بالمسيح، الذي له المجد والقوة إلى الأبد آمين.
________________________________________
 (1) إناء النفس أي أعماقها راجع فقرة 1 .
العظة الثانية والأربعون
روح النعمة وروح الشر
ليست الأشياء الخارجية هي التي تنمى الإنسان أو تؤذيه، بل الداخلية أي روح النعمة أو من الجهة الأخرى روح خبث.
الروح القدس حصن النفس :
          1ـ إذا افترضنا أن هناك مدينة عظيمة ولكنها هُجرت وهُدمت أسوارها وأخذها الأعداء، فإن عظمتها لا تنفعها شيئاً. بل لابد من عناية وحرص كثيرين يتناسبان مع عظمة المدينة، لذا ينبغي أن يكون لها أبواب قوية حتى لا يستطيع العدو أن ينفذ إليها. وبنفس الطريقة فإن النفوس المُزينة بالمعرفة والفهم وحِدّة الفهم هي مثل المدن العظيمة. ولكن ينبغي أن نسأل هل هذه النفوس مُحصّنة بقوة الروح القدس حتى لا يستطيع الأعداء أن يدخلوا إليها ويخرّبوها. فإن حكماء العالم مثل أرسطو وأفلاطون وسقراط الذين كانوا ماهرين في المعرفة كانوا مثل مدن عظيمة ولكنهم كانوا في حالة خراب بسبب الأعداء لأن روح الله لم يكن فيهم.
          2 ـ ولكن كثيرين من بسطاء الناس الذين صاروا شركاء في النعمة، هم مثل مدن صغيرة ولكنها مُحصنة بقوة الصليب، وهؤلاء لا يسقطون من النعمة إلاّ لسببين: إما لأنهم لا يحتملون الشدائد التي تأتى عليهم، أو لأنهم يتذوقون لذّات الخطية ويستمرون فيها بلا توبة؟ فإن أولئك الذين يسيرون في طريق الملكوت لا يستطيعون أن يمضوا فيه بدون تجارب.
فلاحة النفس بالاحتمال والصبر:
وكما أنه في حالة الحمل وولادة الأطفال فإن المرأة الفقيرة والملكة كلتاهما تتوجعان بأوجاع مخاض واحدة، وأيضاً أرض الإنسان الغنى مثل أرض الفقير إن لم تنل التفليح اللازم لها فإنها لا تأتى بالثمر المناسب.
          هكذا أيضاً في فلاحة النفس فلا الإنسان الحكيم ولا الإنسان الغنى يملك في النعمة إلاّ بالصبر والاحتمال والشدائد والأتعاب، فإن حياة المسيحيين ينبغي أن تتحمل كل هذه، وكما أن العسل إذ هو حلو لا يظهر منه سم أو مرارة، هكذا فإن مثل هؤلاء المسيحيين هم مملؤون حلاوة وخيراً لكل الذين يقتربون منهم سواء كانوا صالحين أو أشراراً كما يقول الرب ” كونوا صالحين مثل أبيكم السماوي” (لو36:6، مت48:5).
خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد :
          إن الذي يؤذى الإنسان ويلوثه هو من الداخل لأنه ” من القلب تخرج الأفكار الشريرة” (مت19:15) هكذا يقول الرب، فإن الأشياء التي تنجس الإنسان هي من الداخل.
          3 ـ فإنه من الداخل يزحف روح الشر في داخل النفس، وهو يحاور العقل، وهو يغرى، هذا هو حجاب الظلمة، أي الإنسان العتيق (2كو 17:5). الذي ينبغي أن يخلعه أولئك الذين يهربون إلى الله، وينبغي أن يلبسوا الإنسان السماوي الجديد، الذي هو المسيح (أف22:4، كو8:3). إذن فلا يضر الإنسان أو يؤذيه شيء من الخارج وإنما يؤذيه فقط روح الظلمة الذي يسكن في القلب، حياً ونشطاً. لذلك ينبغي على كل واحد في هذه المعركة أن يحارب في أفكاره ضد الشر لكي يضئ المسيح في قلبه، الذي له المجد إلى الأبد، آمين
العظة الثالثة والأربعون
القلب
عظة بخصوص نمو المسيحي وتقدمه، وأن كل قوة هذا النمو تعتمد على القلب ، كما هو موصوف هنا بطرق متنوعة.
المصابيح :
          1 ـ كما أن الأنوار والمصابيح الكثيرة تشتعل من نار واحدة، وهذه الأنوار والمصابيح المشتعلة هي من طبيعة واحدة، كذلك المسيحيون يشتعلون ويضيئون من طبيعة واحدة، هي النار الإلهية، أي ابن الله، ولهم مصابيحهم مشتعلة في قلوبهم، وتضئ قدامه، بينما هم يعيشون على الأرض كما أضاء هو. فإنه مكتوب: ” من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن البهجة” (مز7:45). ولهذا السبب سُمى مسيحاً، حتى إذا مُسحنا نحن أيضاً بنفس الدهن الذي مُسح به هو، فإننا نصير مُسحاء من نفس الطبيعة الواحدة والجسد الواحد. ومكتوب أيضاً ” فإن المقدِّس والمقدَّسين جميعهم من واحد” (عب11:2).
          2 ـ لذلك فالمسيحيون من وجهة معينة هم مثل المصابيح التي تحوى الزيت في داخلها، أي ثمار البرّ. ولكنهم إن لم يشتعلوا بالنور الإلهى في داخل نفوسهم فإنهم ليسوا شيئاً، ولقد كان الرب هو المصباح المشتعل، بسبب روح الله الحالّ في أعماقه والذي يشعل قلبه.
          ولنأخذ مثالاً آخر: مثل الكيس البالى المملوء بالجواهر، هكذا أيضاً المسيحيون فإنهم ينبغي أن يكونوا متضعين ومحتقرين من الخارج، ولكنهم من الداخل في الإنسان الباطن، يملكون ” الجوهرة الكثيرة الثمن” (مت46:13). بينما هناك آخرون يشبهون ” قبوراً مبيضة تظهر من الخارج منقوشة ومزينة ولكن من الداخل مملوءة عظام أموات” (مت7:23) وعفونة كثيرة وأرواح نجسة. إنهم أموات أمام الله وهم لابسون كل عار وخزي ونجاسة مع ظلام العدو.
القاصر والابن :
          3 ـ يقول الرسول إن الطفل مادام قاصراً فإنه تحت أوصياء ووكلاء (غل2:4)، من أرواح الشر التي لا تريد الطفل أن ينمو لئلا يصير إنساناً بالغاً ويبدأ أن ينظر إلى الأمور المختصة ببيت أبيه ويمتلك السيادة كابن للبيت. فالمسيحي ينبغي أن يذكر الله في قلبه في كل الأوقات كما هو مكتوب ” تحب الرب إلهك من كل قلبك” (تث5:6، مت37:22). فينبغي له أن يحب الرب ليس حين يذهب إلى مكان العبادة فقط، بل في السير والكلام والأكل يحتفظ بذكر الرب ويحبه بكل قلبه. إنه مكتوب ” حيث يكون قلبك هناك يكون كنزك أيضاً” (مت21:6، لو34:12).
          لأن ما يرتبط به قلب الإنسان وما تتجه إليه رغبته فهذا هو إلهه. فإن كان القلب يشتهى الله كل حين فيكون الله هو رب هذا القلب. أما إذا تخلى الإنسان عن أملاكه وتجرّد من كل شيء وصار بلا مأوى وكان يمارس الأصوام، ولكنه لا يزال متعلقاً بحب نفسه أو بحب الأشياء العالمية أو بحب بيته أو والديه فحيثما يكون قلبه مقيداً ويكون عقله أسيراً يكون هناك إلهه، ويكون قد خرج من العالم من الباب الأمامي ولكنه دخل ثانية إلى العالم وألقى نفسه فيه من الباب الجانبي .
الشياطين تتلاشى بقوة النار الإلهية :
          وكما أن القضبان التي تُلقى في النار لا تستطيع أن تقاوم قوة النار بل تحترق سريعاً، هكذا فإن الشياطين التي تسعى أن تحارب ضد إنسان نال قوة بالروح، فإنها تحترق وتتلاشى بقوة النار الإلهية إن كان الإنسان ملتصقاً بالرب كل حين واضعاً ثقته ورجاءه فيه. وحتى إن كان الشياطين أشداء كالجبال القوية، فإنهم يحترقون بالصلاة، كما يذوب الشمع في النار.
          ولكن في نفس الوقت هناك نضال كبير وحرب عظيمة للنفس ضد الشياطين وهناك تنانين وأفواه أسود ونار مشتعلة في النفس.
          فإن المنغمس في الشر تماماً الذي يسكر بروح الإثم، لا يشبع من الشر سواء كان قتلاً أو زنى، أما المسيحيون المُعمّدون بالروح القدس فليس لهم شركة مع الشر بالمرة.
          ولكن أولئك الذين يختبرون النعمة ولكنهم مع ذلك يتهاونون مع الخطية فإن الخوف يسيطر عليهم فيعيشون حياتهم في اضطراب وقلق.
          4 ـ لأنه كما أن التجار أثناء سفرهم في البحر حتى إذا وجدوا الريح موافقة والبحر هادئاً، ولكنهم لأنهم لم يصلوا بعد إلى الميناء فإنهم لا يزالون معرضين للخوف لئلا تهب فجأة ريح معاكسة، فتهيج البحر وترتفع الأمواج وتصبح السفينة في خطر، هكذا المسيحيون أيضاً حتى وإذا كان لهم في نفوسهم ريحاً موافقة من الروح القدس، إلاّ أنه يحترسون لئلا تثور عليهم روح القوة المضادة وتسبب الاضطرابات وتثير العواصف على نفوسهم.
الحاجة إلى السهر واليقظة :
          لذلك، فهناك حاجة إلى سهر كثير ويقظة لكي ما نصل إلى ميناء الراحة في العالم الكامل، وإلى الحياة الدائمة والسعادة الأبدية إلى مدينة القديسين، أورشليم السماوية، إلى “كنيسة الأبكار” (عب23:12). فإذا لم يعبر الإنسان في هذه الدرجات فإنه يكون تحت تأثير الخوف من أن تسبب له القوى الشريرة سقوطاً في أي وقت من الأوقات.
حفظ الزرع الإلهى في القلب :
          5 ـ وكما أن المرأة التي تحمل يكون الجنين في داخل بطنها في ظلام ومختفياً عن العيون، ولكن حينما يخرج الجنين في الميعاد المناسب من البطن فإنه يرى خليقة جديدة لم يكن قد رأها قبلاً، يرى السماء والأرض والشمس، ويبدأ الأصدقاء والأقرباء يأخذونه بين ذراعيهم بوجوه فرحة، ولكن إذا حدث شيءللجنين قبل ولادته حينئذ يتدخل الجراحون ويضطرون إلى استعمال الآلات الحادة حتى أن الطفل يعبر من موت إلى موت ومن ظلام إلى ظلام.
          طبقوا هذا أيضاً على الحياة في الروح، فإن كل الذين نالوا الزرع الإلهى فإنهم ينالونه في الخفاء بطريقة غير منظورة، وبسبب الخطية الساكنة فيهم أيضاً فإنهم يخفون الزرع الإلهى في أماكن خفية في داخلهم. فإذا حفظوا نفوسهم وحفظوا الزرع الإلهى فإنهم في الوقت المناسب يُولدون ثانية بشكل منظور وبعد ذلك عند انحلال الجسد تستقبلهم الملائكة وكل الأرواح السماوية بوجوه فرحة. ولكن إن كان الإنسان بعد أن ينال أسلحة المسيح ليقاتل بشجاعة، يتكاسل ويهمل، فإنه يقع في أيدى الأعداء وعند انحلال الجسد يعبر من الظلمة التي تحيط به الان إلى ظلمة أردأ، وإلى الهلاك .
البستان والقلب :
          6 ـ مثال آخر: بستان يحوى أشجاراً كثيرة مثمرة ونباتات أخرى ذات رائحة عطرة وهو مُنسق تنسيقاً حسناً وجميلاً، وله سور صغير ليحفظه، فإذا افترضنا أن نهراً متدفقاً بقربه، فإنه حتى لو كان الماء الذي يصدم السور قليلاً فإنه يُفسد الأساس شيئاً فشيئاً ويحفر له مجرى حتى ينهدم السور من أساسه فتدخل المياه وتفسد النباتات وتقتلعها وتشوه جمال البستان وتجعله بلا ثمر.
          هكذا الحال أيضاً مع قلب الإنسان. فالقلب فيه أفكار صالحة، ولكن أنهار الشر تجرى دائماً بالقرب من القلب وهى تسعى أن تشده إلى أسفل وتجتذبه إلى ناحيتها، فإذا مال العقل قليلاً إلى الطيش وإلى الأفكار النجسة، فإن أرواح الخطية تجد مكاناً فيه وتدخل وتفسد كل الجمال الذي كان للداخل وتمحو الأفكار الصالحة وتترك النفس خربة.
العين والقلب :
          7 ـ وكما أن العين عضو صغير بالمقارنة بكل أعضاء الجسم، وإنسان العين صغير جداً إلاّ أنه عظيم للغاية، فإنه بنظرة واحدة يرى السماء والنجوم والشمس والقمر والمدن والمخلوقات الأخرى. وهذه المخلوقات نفسها التي تُرى بنظرة واحدة، إنما تتشكل وتتصور في إنسان العين الصغير. هكذا أيضاً العقل بالنسبة إلى القلب، فالقلب صغير ومع ذلك يوجد فيه تنانين وأسود ووحوش سامة وكل ينابيع الشر إلى جانب المهالك والطرقات الوعرة الخشنة، وفي نفس الوقت يوجد فيه الله نفسه، والملائكة والرسل، ويوجد فيه الحياة والملكوت والنور، كذلك المدن السماوية وكنوز النعمة كل هذه توجد فيه.
          وكما أن السحابة إذا امتدت على العالم كله تجعل الإنسان لا يرى صاحبه، كذلك ظلمة هذا الدهر الممتدة على كل الخليقة وعلى كل الطبيعة البشرية منذ وقت العصيان، فإن البشر منذ ذلك الحين إذ ظلّلتهم الظلمة، صاروا في الليل، وهم يصرفون حياتهم حيث الخوف والرعب. وكما يخيّم الدخان الكثيف على غرفة البيت، هكذا هي الخطية مع أفكارها النجسة، فإنها تملك على أفكار القلب وتزحف فيها، ومعها شياطين بلا عدد.
سماع الكلمة ونوال نعمة الروح:
          8 ـ وكما يحدث في الأمور المنظورة حولنا أنه في وقت الحرب، لا يذهب الحكماء والعظماء إلى الحرب، بل يذهب الرعاع والمساكين والأميون[1]، فإذا حدث أنهم انتصروا على الأعداء وطردوهم بعيداً عن الحدود فإنهم ينالوا مكافأت وترقيات وأكاليل من الملك. وأما أولئك العظماء فإنهم يتخلفون وراءهم.
          هكذا هو الحال أيضأ في المجال الروحانى فإن البسطاء يسمعون الكلمة ويعملون بها عن حب للحق وشوق في قلوبهم، فينالون من الله نعمة الروح. وأما الحكماء الذين يسعون وراء بلاغة الكلام بلا حب للحق فإنهم يهربون من الحرب ولا يتقدمون، وبذلك يصيرون وراء أولئك الذين حاربوا وانتصروا.
          9 ـ وكما أن الرياح عندما تهب بشدة، فإنها تهز كل المخلوقات التي تحت السماء وتصنع صوتاً عظيماً جداً، كذلك قوة العدو فإنها تهاجم الأفكار وتشوشها، وتهز أعماق القلب وتلقى في الفكر شكوكاً شريرة.
السعي في طلب النعمة :
          وكما أنه يوجد مكاّسون[2] يجولون في الطرق الضيقة ويمسكون بالعابرين ويغتصبون منهم أموالهم، هكذا فإن الشياطين يتجسسون على النفوس ويحاولون أن يمسكوا بها. وعند خروج النفوس من الأجساد، فإنها إن لم تكن مُطهرة تماماً فإنهم لا يدعونها تصعد إلى منازل السماء لتلاقى الرب بل تسقطها شياطين الهواء إلى أسفل.
          وأما إن كانت وهى في الجسد تسعى وتطلب من الرب نوال النعمة التي من الأعالي فإن هذه النفوس بلا شك تشترك مع أولئك الذين سبق أن دخلوا بسيرتهم الفاضلة، وتمضى معهم إلى الرب كما وعد هو قائلاً: ” حيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمي” (يو26:12). ويملكون إلى أبد الدهور مع الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى دهر الدهور آمين.
_______________________________________
[1] هكذا كان يحدث قديماً.
[2] محصلوا المكوس : أي الضرائب .
العظة الرابعة والأربعون
تغيير وتجديد الإنسان بالمسيح
التغيير والتجديد الذي يعمله المسيح في الإنسان المسيحي، وأن المسيح هو الذي يشفي أوجاع النفس وأمراضها.
ضرورة التغيير :
          1 ـ إن من يأتي إلى الله، ويرغب أن يكون بالحق شريكاً للمسيح ينبغي أن يأتي واضعاً في نفسه هذا الغرض: ألا وهو أن يتغير ويتحوّل من حالته القديمة وسلوكه السابق، ويصير إنساناً صالحاً جديداً ولا يتمسك بشيء من الإنسان العتيق. لأن الرسول يقول ” إن كان أحدٌ في المسيح فهو خليقة جديدة” (2كو17:5) وهذا هو نفس الغرض الذي من أجله جاء ربنا يسوع، أن يغيّر الطبيعة البشرية ويحوّلها ويجدّدها ويخلق النفس خلقة جديدة، النفس التي كانت قد انتكست بالشهوات بواسطة التعدي. وقد جاء المسيح لكي يوّحد الطبيعة البشرية بروحه الخاص، أي روح الله، وهو قد أتى لكي يصنع عقلاً جديداً، ونفساً جديدة، وعيوناً جديدة، وآذاناً جديدة، ولساناً جديداً روحياً، وبالاختصار أناساً جدداً كلية ـ هذا هو ما جاء لكي يعمله في أولئك الذين يؤمنون به. إنه يصيرهم أواني جديدة، إذ يمسحهم بنور معرفته الإلهي، لكي يصب فيهم الخمر الجديد، الذي هي روحه، لأنه يقول إن ” الخمر الجديدة ينبغي أن تُوضع في زقاق جديدة” (مت17:9).
قوة المسيح على تغيير الإنسان وشفائه :
2ـ وكما أن العدو لما أخضع الإنسان لسيادته غيّره لحسابه الخاص إذ ألبسه الشهوات الشريرة وغطاه بها، ومسحه بروح الخطية، وصب فيه خمر الإثم والتعليم الشرير، هكذا فإن الرب أيضاً إذ قد افتدى الإنسان وأنقذه من العدو، فقد جعله جديداً، ومسحه بروحه، وسكب فيه خمر الحياة، والتعليم الجديد: تعليم الروح، لأن الذي غيّر طبيعة الخمس خبزات وصيرها إلى خبزات تكفي لجمع كثير ، والذي أعطى نطقاً لطبيعة الحمار غير العاقل، والذي غيّر الزانية إلى العفة والطهارة، وجعل طبيعة النار المحرقة برداً على أولئك الذين كانوا في الأتون، والذي غيّر طبيعة الأسد الكاسرة لأجل دانيال، فإنه يستطيع أيضاً أن يغيّر النفس التي كانت مقفرة وشرسة، من الخطية إلى صلاحه الخاص ومحبته الشفوقة وسلامه، وذلك ” بالروح القدس الصالح (روح الموعد)” (أف13:1).
              3 ـ وكما أن راعى الخراف يستطيع أن يشفي الخروف الأجرب ويحميه من الذئاب، كذلك المسيح الراعي الحقيقي فإنه لما أتى أستطاع هو وحده أن يغيّر ويشفي الخروف الضال الأجرب، أي الإنسان من جرب الخطية وبرصها، لأن الكهنة واللاويين ومعلمي الناموس السابقين كانوا غير قادرين أن يشفوا النفس بواسطة تقديم القرابين والذبائح ورش دماء الحيوانات، بل لم يستطيعوا بواسطتها أن يشفوا حتى نفوسهم. فإنهم كانوا محاطين بالضعف. وكما هو مكتوب ” لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا” (عب4:10).
الطبيب الحقيقي والراعي الصالح :
              ولكن الرب يقول مُظهراً ضعف وعقم أطباء ذلك العهد فقال لهم   ” على كل حال تقولون لي هذا المثل أيها الطبيب أشفِ نفسك” (لو23:4) ، فكأنه يقول لهم ـ أنا لست مثل هؤلاء الأطباء الذين لا يستطيعون أن يُشفوا نفوسهم. بل ” أنا هو الطبيب الحقيقي والراعي الصالح، الذي يبذل نفسه عن الخراف” (يو11:10)، وأنا أقدر أن أشفي ” كل مرض وكل ضعف في النفس” (مت23:4). أنا هو الحمل الذي بلا عيب، الذي قُدم مرة، وأنا أستطيع أن أشفي أولئك الذين يأتون إلى، إن شفاء النفس الحقيقي إنما هو من الرب وحده كما قال يوحنا المعمدان ” هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو29:1)، أي خطية الشخص الذي يؤمن به ويضع رجاءه فيه ويحبه من كل قلبه.
          4 ـ فالراعي الصالح إذن، يشفي الخروف الأجرب. وأما الخروف فلا يستطيع أن يشفي خروفاً مثله. والإنسان ـ أي الخروف العاقل ـ إن لم يحصل على الشفاء، فلا يكون له دخول إلى كنيسة الرب السماوية. وهذا ما قد قيل حتى في الناموس كظل ومثال (لعهد النعمة) بخصوص الأبرص، والرجل الذي فيه عيب. وبهذا المعنى يتكلم الروح رمزياً أن كل أبرص وكل رجل فيه عيب لا يدخل في جماعة الرب (لا17:21ـ23 عد2:5). ولكنه أمر الأبرص أن يذهب إلى الكاهن، ويطلب إليه بإلحاح كثير أن يأخذه إلى الخيمة، وأن يضع يديه على البرص، موضحاً البقعة المُصابة بالمرض، وأن يشفيه.
الشفاء من الخطية ودخول الكنيسة السماوية :
          وهكذا بنفس الطريقة فإن المسيح ” رئيس الكهنة الحقيقي للخيرات العتيدة” (عب11:9) تواضع وانحنى على النفوس المصابة ببرص الخطية وهو يدخل إلى خيمة جسدها ويشفيها ويبرءها من أمراضها. وهكذا بهذه الطريقة يتمكن الشخص من الدخول إلى كنيسة القديسين السماوية أي إسرائيل الحقيقي.
          فإن كل نفس مصابة ببرص خطية الشهوات، ولم تأتِ إلى رئيس الكهنة الحقيقي، ولم تشفِ الآن في خيمة القديسين ومجمعهم، فإنها لا تستطيع أن تدخل إلى الكنيسة السماوية. لأن تلك الكنيسة إذ هي طاهرة وبلا عيب فإنها تطلب النفوس الطاهرة والتي بلا عيب. كما يقول الكتاب ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله” (مت9:5).
          5 ـ فينبغي على الشخص الذي يؤمن بالمسيح حقيقة، أن يتغيّر من حالته الفاسدة الحاضرة إلى حالة جديدة، حالة الصلاح، ويتحوّل من طبيعته الوضيعة الحاضرة إلى طبيعة أخرى، أي طبيعة القداسة الإلهية، ويتجدد بقوة الروح القدس. وهكذا يكون لائقاً للملكوت السماوي.
          ويمكننا الحصول على هذه الأشياء إن كنا نؤمن به ونحبه بالحق ونحيا سالكين بحسب جميع وصاياه.
          فإن كان الخشب ـ وهو من طبيعة خفيفة عندما أُلقى في الماء في زمن إليشع قد أخرج الحديد الثقيل، فكم بالحري جداً عندما يرسل الرب نوره اللطيف الصالح، وروحه السماوي، فإنه بهذا يُخرج النفس التي غرقت في مياه الشر ويجعلها خفيفة ويعطيها جناحين لتطير إلى أعالي السماء، ويحوّلها ويغيّرها عن طبيعتها الخاصة.
          6 ـ وفي العالم المنظور لا يستطيع أحد أن يعبر البحر بنفسه دون أن تكون له سفينة خفيفة مصنوعة من الخشب، وهى التي تستطيع أن تسير على المياه ـ فإن أي إنسان يحاول أن يمشى على البحر بقدميه فإنه يغرق ويهلك.
          وبنفس الطريقة لا تستطيع أي نفس أن تعبر بذاتها بحر الخطية المُر والهاوية الخطرة، هاوية قوات الظلمة وأهواء الشر، إن لم تحصل على روح المسيح الخفيف السماوي الذي يعلو ويسير فوق كل شر ويعبر عليه، فبواسطة هذا الروح يستطيع الإنسان أن يصل بطريق مباشر ومستقيم إلى ميناء الراحة السماوية، إلى مدينة الملكوت.
          وكما أن أولئك الذين يكونون في السفينة لا يأخذون مياهاً للشرب من البحر، ولا يحصلون منه على ملابس، وطعام لهم، بل يُحضرون كل هذه الأشياء معهم إلى السفينة، هكذا فإن نفوس المسيحيين لا تستمد طعامها من هذا العالم بل من فوق، من السماء. إذ تنال قوتاً سماوياً ولباساً روحياً وهكذا إذ ينالون الحياة من فوق وهم في سفينة الروح الصالح، معطى الحياة، فإنهم يرتفعون فوق قوات الشر المعادية أي الرياسات والسلاطين. وكما أن جميع السفن تُبنى من مادة واحدة، هي مادة الخشب التي بواسطتها يستطيع الناس أن يعبروا البحر، هكذا فمن النور الإلهى السماوي الواحد يحصل المسيحيون على القوة التي بها يرتفعون فوق كل الشرور.
المسيح قائد النفس ومعينها :
7 ـ ولكن كما أن السفينة تحتاج إلى ربان، وإلى ريح حسنة معتدلة أيضاً لكي تمخر البحر بنجاح، هكذا فإن الرب نفسه يسد كل هذه الاحتياجات للنفس الأمينة. ويحملها فوق العواصف العميقة وأمواج الشر المفترسة وقوات رياح الخطية العاتية.
          وهو يفعل هذا باقتدار ومهارة وحكمة إذ يعرف كيف يُهدئ العواصف. لأنه بدون المسيح القائد السماوي لا يستطيع احد أن يعبر البحر الشرير، بحر قوات الظلمة وأمواج التجارب المرة. كما هو مكتوب ” يصعدون إلى السموات ويهبطون إلى الأعماق” (مز26:107). ولكن المسيح له معرفة كاملة كقائد سواء من جهة الحروب أو التجارب. وهو يعبر بالنفس فوق الأمواج الشديدة، كما هو مكتوب ” لأنه فيما قد تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين” (عب18:2).
صلاح الرب وقدرته على التغيير :
8 ـ لذلك ينبغي أن تتغير نفوسنا وتتحوّل من حالتها الحاضرة إلى حالة أخرى ـ إلى حالة قداسة إلهية وتصير خليقة جديدة بدلاً من العتيقة أي تصير صالحة شفوقة وأمينة بدلاً من كونها في المرارة وعدم الإيمان. وهكذا إذ تصير مناسبة ولائقة فإنها تعود وتسكن في الملكوت السماوي. لأن بولس المغبوط يكتب هكذا عن تغييره الذي به أدركه المسيح قائلاً: ” ولكنى أسعى لكي أدرك الذي لأجله أدركني أيضاً المسيح يسوع” (في12:3).
          فكيف أدركه الله إذن؟ إن ذلك يحدث مثلاً حينما يمسك طاغية بمجموعة من الأسرى ويسوقهم قدامه ثم بعد ذلك يدركهم الملك الحقيقي ويخلّصهم منه، وهكذا حينما كان بولس تحت سيادة وتأثير روح الخطية الظالم، فإنه كان يضطهد الكنيسة ويتلفها. ولكن لأنه كان يفعل هذا عن غيرة لله ولكن بجهل، فإنه كان يظن أنه يجاهد لأجل الحق، ولهذا فإن الله لم يهمله بل أدركه، إذ أضاء حوله الملك السماوي الحقيقي بصورة تفوق الوصف وأنعم عليه بأن يسمع صوته، ولطمه كعبد[1] وأطلقه حراً. فأنظر إلى صلاح السيد وقدرته على التغيير، وكيف يستطيع أن يغير النفوس التي كانت مُغلّفة ومقيدة بالخطية والتي تحولت إلى حالة متوحشة وفي لحظة من الزمان يحوّلها إلى صلاحه وسلامه.
تغيير وتجديد نفوسنا هو الغرض من مجيء المسيح في الجسد :
          9 ـ إن كل شيء مستطاع لدى الله! كما حدث في حالة اللص على الصليب. ففي لحظة تغيّر بالإيمان وتحوّل وأُعطىّ أن يدخل إلى الفردوس. وأن الغرض والهدف من مجيء الرب إلينا في الجسد، هو أن يغيّر نفوسنا ويخلقها خلقة جديدة، ويجعلنا ” شركاء الطبيعة الإلهية” كما هو مكتوب (2بط4:1) وأن يعطى لأرواحنا روحاً سماوية، أي الروح الإلهي، قائداً إيانا إلى كل فضيلة لنستطيع أن نحيا الحياة الأبدية.
نوال تقديس الروح :
          لذلك فلنؤمن بكل قلوبنا بمواعيده الفائقة الوصف لأن ” الذي وعد هو أمين” (عب23:10). لذلك، ينبغي أن نحب الرب ونجتهد أن نحيا في كل فضلية ونطلب بلا انقطاع ونصلى باستمرار لكي ننال موعد روحه تماماً وبصورة كاملة، لكيما تدخل نفوسنا إلى الحياة وتوجد فيها ونحن لا نزال في الجسد.
          لأنه إن لم ينل الإنسان وهو في هذا العالم، تقديس الروح بكثرة الإيمان والصلاة، ويصير “مشتركاً” في الطبيعة الإلهية، ويتشرّب النعمة، التي بها يستطيع أن يتمم كل وصية بنقاوة وبلا لوم فإنه لا يكون مُعداً ولائقاً لملكوت السموات. لأن كل صلاح يحصل عليه الإنسان هنا في هذا العالم هو نفسه سيكون له حياة يحيا بها، في ذلك اليوم بنعمة الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.
________________________________________
 [1]لعل في هذا إشارة إلى العادة التي كانت عند اليهود إذ كانوا يضربون العبد على وجهه كعلامة على إعطائه الحرية
العظة الخامسة والأربعون
حضور المسيح وحده يخلص الإنسان ويشفيه
لا يستطيع العلم ولا يستطيع غنى هذا العالم أن يشفي نفس الإنسان بل حضور المسيح فقط هو الذي يشفيه، وفي هذه العظة شرح لقرابة الإنسان العظيمة لله.
          1ـ إن الذي اختار حياة العزلة، ينبغي أن يعتبر أن جميع الأشياء الخاصة بهذا العالم، أجنبية وغريبة عنه، فالذي يتبع صليب المسيح حقاً فإنه بعد أن ينكر كل الأشياء حتى نفسه أيضاً (لو26:14) ينبغي أن يسمّر عقله في حب المسيح، فيفضّل الرب على الوالدين والأخوة والزوجة والأولاد والأقرباء والأصدقاء والممتلكات لأن هذا ما علّم به الرب حينما قال: ” كل من لا يترك أباه أو أمه أو أخوته أو زوجته أو أولاده أو حقوله ويتبعني فلا يستحقني” (انظر مت37:10، لو26:14، مت29:19). فليس بأحد غيره أو بشيء غيره الخلاص والسلام للناس كما سمعنا.
التغيير الذي أصاب النفس بالسقوط :
فكم من ملوك ظهروا من نسل آدم وملكوا على الأرض كلها وظنوا في أنفسهم شيئاً عظيماً بسبب سلطانهم الملوكي، ومع ذلك لم يستطيع أي واحد منهم رغم كل ما له من سلطان أن يكشف الشر الذي تغلغل في النفس بسبب معصية الإنسان حتى جعلها مظلمة تماماً.
          إنهم لم يعرفوا خطورة التغيير الذي أصاب النفس، وكيف أن العقل كان في الأصل نقياً، وكان في كرامة عظيمة إذ كان يتأمل إلهه دائماً، وأما الآن فبسبب السقوط فقد اكتست النفس بالعار وعميت عينا القلب حتى لم تعودا تنظرا ذلك المجد الذي كان ينظره أبونا آدم قبل معصيته.
العلم والحكمة لا تخلّص الإنسان :
          2 ـ وكان في العالم أيضاً حكماء كثيرون بعضهم برزوا في الفلسفة وآخرون في السفسطة والمغالطة وآخرون في الفصاحة والبلاغة, وآخرون أحرزوا ثقافة عالية، والبعض الآخر نبغوا في الشعر وغيرهم كتبوا في التاريخ والقصص، كما أن هناك أيضاً كثيرون من أصحاب الحِرف الذين مارسوا فنون صنائعهم المختلفة فالبعض يحفرون على الأخشاب كل أنواع الطيور والأسماك وأشكال البشر. وفي هذا المجال اجتهدوا أن يُظهروا مهارتهم. والبعض الآخر رسموا صوراً أو نحتوا تماثيلاً من النحاس وغيره، وآخرون أقاموا أبنية عظيمة وجميلة. وآخرون حفروا الأرض واستخرجوا منها الفضة والذهب وغيرها من الأحجار الكريمة الفانية. وآخرون كان لهم جمال جسدي ويفتخرون بجمال وجوههم وقد خدعهم الشيطان بالأكثر وأسقطهم في الخطية. وكل هؤلاء الذين تكلّمنا عنهم إذ قد أَسَرتهم الحيّة الساكنة في داخلهم، وإذ لم يعرفوا الخطية الساكنة فيهم، صاروا عبيداً لقوة الشر ولم ينفعهم عملهم أو فنهم أو مهارتهم شيئاً.
          3ـ لذلك، فالعالم المملوء بكل الأنواع، إنما يشبه رجلاً غنياً يملك بيوتاً عظيمة فاخرة، ويملك ذهباً وفضة وممتلكات كثيرة وعنده خدام كثيرون، ولكنه مضروب بآلام وأمراض صعبة. هذا رغم غناه ورغم التفاف جميع أفراد أسرته حوله، فإنهم لا يستطيعون أن يريحوه من آلامه وأوجاعه.
حضور المسيح وحده يطهّر النفس والجسد :
          إذن، فلا يوجد شيء في هذه الحياة، لا الاخوة، ولا الغنى، ولا القوة، ولا أي شيء مما ذكرناه سابقاً يستطيع أن يشفي الإنسان من الخطية التي غرق فيها، حتى صار غير قادر أن يرى الأشياء بوضوح بل إن حضور المسيح وحده هو الذي يستطيع أن يطهر النفس والجسد. لذلك فلنطرح جانباً كل هموم هذه الحياة ونصرخ إلى الرب ليلاً ونهاراً مكرّسين نفوسنا له. إن هذا العالم المنظور وما فيه من ملذات إنما تُرضى الجسد فقط، ولكنها تزيد أتعاب النفس وأمراضها وتكثر آلامها.
          4 ـ كان هناك إنسان حكيم أراد أن يسعى بكل جهده ليختبر كل أمور هذا العالم لعله يجد فيها منفعة أو فائدة. فذهب إلى الملوك وأصحاب السلطان والحكام ولم يجد خلاصاً ولا شفاءً لنفسه بعد أن أمضى معهم زمناً طويلاً، في النهاية لم ينتفع شيئاً ـ فمضى إلى حكماء العالم وفلاسفته، وذهب إلى الخطباء ولكنه تركهم أيضاً إذ لم يجد لديهم ما ينتفع به. ثم واصل سعيه فوصل إلى الرسامين والذين يستخرجون الذهب والفضة من بطن الأرض وإلى أصحاب الحرف الفنية لكنه لم يجد أيضاً عند كل هؤلاء ما يشفي نفسه الجريحة .
          وأخيراً ترك هؤلاء جميعاً وبدأ يطلب الله نفسه، الله الذي يشفي آلام النفس وأمراضها. وبينما هو يفكر في نفسه ويتأمل في تلك الأمور عبرت في مخيلته أشياء كثيرة.
          5 ـ ولنأخذ مثلاً آخر: إذا كانت هناك امرأة غنية تملك أموالاً كثيرة وبيتاً فاخراً ولكنها مع ذلك لا تجد من يحميها، فهناك كثيرون يهاجمونها راغبين أن يلحقوا بها الأذى والخراب، فلأنها لا تستطيع أن تقبل هذا الأذى والهجوم فهي لذلك تبحث عن زوج قوى يكون كفواً لهذا الغرض ومتدرباً من جميع الوجوه. وحينما تجد مثل هذا الرجل بعد سعى كثير، فإنها تفرح به فرحاً عظيماً وتجد فيه حصناً يحميها.
قرابة النفس لله :
          هكذا النفس البشرية فإنها بعد السقوط قد جُرحت كثيراً ولفترة طويلة من القوة المعادية وصارت في خراب عظيم وأصبحت ” أرملة ووحيدة”  (1تى5:5)، متروكة من العريس السماوي بسبب تعديها الوصية وصارت ألعوبة في يد كل القوات الشريرة (إذ أنهم جردوها وأخرجوها عن عقلها وضلّلوها عن المعرفة الروحية الحقيقية، حتى لا ترى أو تدرك ما فعلوه بها بل جعلوها تظن أنها قد خُلقت على هذا الحال منذ البداية). وبعد ذلك حينما سمعت كلمة الله وأدركت غربتها عن الله وكيف أنها صارت مرذولة بسبب سقوطها بدأت تئن وتتوسل أمام الله محب البشر فوجدت الحياة والخلاص. لماذا؟ لأنها رجعت ثانية إلى مصدرها الأصلي. فلا توجد قرابة أو رابطة مثل قرابة النفس لله أو قرابة الله للنفس.
          لقد صنع الله أنواعاً مختلفة من الطيور ـ بعضها يبنى عشه ويحصل على قوته من الأرض. وطيور أخرى تأخذ قوتها من تحت الماء. وقد صنع أيضاً عالمين، واحد علوى لأرواح الملائكة الخادمة (عب14:1)، وحدّد لهم فيه نظام حياتهم، وآخر سفلى للبشر على هذه الأرض تحت هذا الهواء الذي نتنفسه.
الله سُرّ بالإنسان وحده :
          لقد خلق الله أيضاً السماء والأرض، والشمس والقمر، والمياه والأشجار المثمرة وكل أنواع الكائنات الحية وأجناسها. ولكنه لا يجد راحته في أي من هذه المخلوقات. إنه يحكم كل الخليقة، ولكنه لم يثبّت عرشه فيها ولا دخل في شركة معها. بل إن الله قد سُرّ بالإنسان وحده ودخل في شركة معه وفيه وحده استراح.
النفس لا تجد راحتها إلاّ في الرب :
          انظر إذن كم هي قرابة الله للإنسان وقرابة الإنسان لله!. لذلك فإن النفس الحكيمة بعد مرورها على جميع المخلوقات لا تجد راحة لنفسها، إلاّ في الرب وحده والرب أيضاً لا يُسرّ بأحد سوى الإنسان وحده.
          6ـ فإذا رفعت عينيك نحو الشمس، فإنك تجد دائرتها في السماء ولكنها ترسل نورها واشعتها إلى الأرض، وتوجه كل قوة النور وبهائه إليها. هكذا الرب أيضاً فإنه يجلس عن يمين الآب ” فوق كل رياسة وسلطان” (أف21:1) ولكنه يمد بصره وينظر إلى قلوب الناس على الأرض، لكي يرفع إليه الذين يترجون نعمته وعونه. ولهذا فهو يقول: ” حيث أكون أنا هناك أيضاً يكون خادمي” (يو20:12)، وأيضاً بولس يقول: ” أقامنا معه وأجلسنا معه عن يمينه في السمويات” (أف6:2).
          إن الحيوانات غير العاقلة هي أحكم منا إذ أن كل منها ملازم لطبيعته الخاصة، فالحيوانات المتوحشة تلازم الطبع الوحشي، والخراف تلازم طبيعتها، وأما أنت فإنك لا ترتفع إلى أصلك السماوي الذي هو الرب نفسه، بل تسلم نفسك لأفكار الشر وترضى بها في داخلك، وبذلك تجعل نفسك حليفاً للخطية وتحارب إلى جانبها ضد نفسك. وهكذا تصير فريسة للعدو مثل الطير الصغير الذي يمسكه النسر ويأكله، أو مثل الخروف حينما يمسكه الذئب أو مثل الطفل الجاهل الذي يمد يده للحيّة فتلدغه وتقتله. كل هذه الأمثلة إنما توضح ما يحدث في الحياة الروحانية.
الشركة الكاملة مع العريس السماوي هي الهدف :
          7 ـ إن العذراء المخطوبة لرجل تقبل منه هدايا كثيرة قبل الزواج: جواهر وملابس وأوانى ثمينة، ولكنها لا تقتنع ولا ترضى بكل هذه الهدايا إلى أن يأتى يوم العرس الذي فيه تصير واحداً معه، كذلك أيضاً، النفس المخطوبة كعروس للعريس السماوي فإنها تنال منه كعربون من الروح مواهب شفاء أو معرفة أو إعلانات. ولكنها لا تقنع بهذه العطايا بل تترّجى الوصول إلى الشركة الكاملة معه والاتحاد به، أي إلى المحبة التي لا تتغير ولا تسقط أبداً بل تحرر طالبيها من الشهوات والقلق والتشويش.
          والطفل الصغير الذي يزينونه بجواهر وملابس ثمينة فإنه حينما يجوع لا يفكر في شيء مما يلبسه، بل يتجاهل كل هذه الزينة ويهتم فقط بالوصول إلى ثدي مرضعته ليحصل منها على اللبن. وعلى هذا المثال يمكنك أن تقيس مواهب الله الروحانية، الذي له المجد إلى الأبد آمين
العظة السادسة والأربعون
أولاد الله وأولاد العالم
الفرق بين كلمة الله وكلمة العالم ، وبين أولاد الله وأولاد هذا العالم.
كل مولود يشبه من ولده :
          1 ـ كلمة الله هي الله، وكلمة العالم هي العالم. ويوجد فرق عظيم وبون شاسع بين كلمة الله وكلمة العالم، وبين أولاد الله وأولاد العالم. فإن كل مولود يشبه والديه. لذلك فإن كان المولود من الروح يختار أن يعطى نفسه لكلمة العالم وللأمور الأرضية ولمجد هذا العالم الحاضر، فإنه يموت ويهلك، إذ أنه لا يجد ما يشبعه شبعاً حقيقياً في الحياة. لأن ما يشبعه إنما هو من الروح الذي منه وُلد. كما يقول الرب إن من تحاصره هموم هذه الحياة وتربطه الرباطات الأرضية، ” يختنق ويصير بلا ثمر لكلمة الله” (مر19:4).
          وبنفس الطريقة فإن الإنسان العالمي الذي تمتلكه الرغبات الجسدية، إذا حدث أنه سمع كلمة الله فإنه يختنق ويصير كمن لا عقل له. وذلك لأنه اعتاد على خداعات الخطية. فحينما يحدث أن يسمع مثل هذا الإنسان عن الله فإنه يحس بثقل شديد وينفر من كلام الله كأنه حديث سخيف متعب. وكأنه قد أُصيب بمرض نتيجة هذا الكلام الإلهي.
          2 ـ ويقول الرسول بولس ” الإنسان الطبيعي لا يقبل الأشياء التي للروح لأنها عنده جهالة” (1كو14:2) ويقول النبى ” وكان قول الرب لهم كالقئ”[1] ، وهكذا ترى أنه من المستحيل أن يحيا أي إنسان إلاّ بحسب الكلمة التي وُلد منها.
          ويمكن أن نشرح هذا بطريقة أخرى. فإذا قرر الإنسان الجسداني أن يتغير فإنه أولاً يموت عن الأمور الجسدية ويصير بلا ثمر في الأشياء التي كان يعيش فيها قبلاً في الشر. ولكن كما يحدث في حالة الإنسان الذي يُصاب بمرض أو بحمى، رغم أن جسده يكون مطروحاً على الفراش، عاجزاً عن ممارسة أي عمل من أعمال الأرض، إلاّ أن عقله لا يكون في راحة بل يذهب هنا وهناك مهتماً ومفكراً في إشغاله، أو في التفكير في استدعاء الطبيب أو في إرسال أصدقائه لإحضاره. وهكذا بنفس الطريقة، فإن النفس التي مرضت بالأهواء بسبب تعديها للوصية، وأصبحت في حالة عجز، فإنها تستطيع أن تأتى إلى الرب وتؤمن به فتنال نعمته وتحصل على معونته. وإذ تجحد سيرتها الأولى الشريرة، حتى وإن كانت لا تزال ضعفاتها القديمة باقية فيها، ولازالت غير قادرة على أن تتمّم أعمال الحياة الروحية، إلاّ أنها تكون منشغلة باهتمام بالحياة في الرب، وتصلى إلى الرب وتطلب الطبيب الحقيقي.
محبة الله وحنانه نحو الإنسان :
          3 ـ إن الأمر ليس كما يقول بعض الذين ضلوا بتأثير تعاليم فاسدة مدعين أن الإنسان قد مات موتاً كاملاً ومطلقاً، وأنه لا يستطيع أن يتمّم أي شيء من الصلاح، ولكننا نقول لهم، إن الطفل الرضيع رغم أنه عاجز عن أن يتمّم أي شيء، ولا يستطيع أن يمشى على قدميه ليذهب إلى أمه، إلاّ أنه يصنع أصواتاً ويبكى ويحبو طالباً أمه. والأم تحنّ إليه وتفرح أن الطفل يبحث عنها بأنين وبكاء، ورغم أن الطفل لا يستطيع أن يأتي إليها، ولكن بسبب بحث الطفل المتلهف عنها، فإنها تأتى هي نفسها إليه مغلوبة بالحنان والحب لطفلها. وتأخذه بين ذراعيها وتحتضنه وتغذيه بحب عظيم وحنان كبير. وبنفس الطريقة فإن الله محب البشر في حنانه نحو الإنسان، يفعل هكذا مع النفس التي تأتى إليه وتطلبه باشتياق. ولأنه يكون مدفوعاً بالمحبة، من ذاته، وبالصلاح الطبيعي الخاص به، إذ هو الكلى الصلاح، فإنه يلتصق بتلك النفس ويصير معها “روحاً واحداً” كما يقول الرسول (1كو17:6).
النفس والرب يصيران روحاً واحداً :
          وحينما تلتصق النفس بالرب، ويعطف عليها الرب ويحبها ويأتى إليها ويلتصق بها، وتكون نية الإنسان وقصده أن يستمر بلا انقطاع أميناً لنعمة الرب، فإن الرب والنفس يصيران “روحاً واحداً” و‘حساساً واحداً وعقلاً واحداً، وبينما يكون جسدها مطروحاً على الأرض فإن العقل يكون بكليته في أورشليم السماوية مرتفعاً إلى السماء الثالثة، ويلتصق بالرب ويخدمه هناك.
          4ـ وبينما يكون الله جالساً في عرش العظمة في الأعالى في المدينة السماوية، فهو يكون بكليته في شركة مع النفس وهى في الجسد الخاص بها. لقد وضع صورة النفس فوق في أورشليم، المدينة السماوية ـ مدينة القديسين، وفي نفس الوقت وضع صورته الخاصة أي صورة نوره الإلهى الفائق الوصف ـ في جسدها. وهو يخدمها في مدينة جسدها، بينما هي تخدمه في المدينة السماوية. لقد صارت وارثة له في السماء وصار هو وارثها على الأرض. فالرب يصير ميراثاً للنفس وتصير النفس ميراثاً للرب.
          فإن كان قلب الخطاة الذين في الظلمة أو عقلهم يستطيع أن يمضى بعيداً عن الجسد ويستطيع أن يتجول في أمكنة بعيدة، وفي لحظة يسافر إلى أقطار بعيدة، وأحياناً بينما يكون الجسد مُلقى على الأرض، يكون العقل (سارحاً) في بلاد أخرى مع صديق يحبه، ويرى نفسه كأنه يعيش هناك معه، فأقول إن كانت نفس الخاطئ هكذا خفيفة ونشيطة حتى أن عقلها لا يحجزه بُعد المسافات، فكم بالأولى جداً تكون النفس التي نزع الرب عنها حجاب الظلمة بقوة الروح القدس وقد استنارت عيونها العقلية بالنور السماوي، وقد أُعتقت تماماً من شهوات الخزي، وصارت طاهرة بالنعمة، فإنها تخدم الرب كلّية في السماء بالروح، وتخدمه كلية في الجسد، وتتسع في أفكارها حسبما يريد لها الرب وحيثما يريد لها أن تخدمه.
          5 ـ فهذا ما يقوله الرسول ” لكي تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعلو والعمق، وتعرفوا محبة المسيح التي تفوق المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف19،18:3). فتأمل في الأسرار الفائقة الوصف، التي لتلك النفس التي ينزع الرب عنها الظلمة المحيطة بها، ويكشف عن عينيها ويظهر لها ذاته أيضاً، وكيف يمد ويوسّع أفكار عقلها إلى الأعراض والأطوال والأعماق والارتفاعات التي في الخليقة المنظورة وغير المنظورة.
الرب صنع النفس لكي يصيّرها عروساً له :
          فالنفس هي حقاً صنيع إلهى عظيم مملوء عجباً. وحين صنعها الرب، صنعها من طبيعة ليس فيها شر، بل صنعها على صورة فضائل الروح (القدس). ووضع فيها قوانين الفضائل والبصيرة، والمعرفة والفطنة، والإيمان، والمحبة والفضائل الأخرى بحسب صورة الروح.
6 ـ وإلى الآن فإن الرب يمكن أن يأتي إليها ويكشف لها ذاته بالمعرفة والفطنة والمحبة والإيمان. وقد وضع فيها فهماً وملكات فكرية، ومشيئة وعقلاً مدبراً. وقد جعلها أيضاً لطيفة جداً وصيّرها خفيفة متحركة وغير خاضعة للتعب. ووهبها القدرة على المجيء والذهاب في لحظة، وأن تخدمه في أفكارها حيثما يشاء الروح. وبالإجمال فإنه خلقها لكي يصيّرها عروساً له وتدخل في شركة معه، لكيما يلتصق بها ويصير ” روحاً واحداً” معها كما يقول الرسول ” وأما من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو17:6) الذي له المجد إلى الأبد أمين.
________________________________________
[1] الإشارة إلى إش13:28 بحسب إحدى المخطوطات القديمة العروفة بنسخة ثيوديتون .
العظة السابعة والأربعون
الرمز والحقيقة
تفسير رمزي للأشياء التي كانت تُصنع تحت الناموس.
المجد على وجه موسى :
          1ـ إن المجد الذي ظهر على وجه موسى كان رمزاً للمجد الحقيقي وكما أن اليهود لم يستطيعوا ” أن ينظروا إلى وجه موسى” (انظر 2كو7:3)، هكذا فإن المسيحيين يحصلون على مجد النور في داخل نفوسهم، أما الظلمة ـ إذ لا تحتمل لمعان النور ـ تضمحل وتهرب.
الختان وتطهّيرات الجسد :
          وأولئك القدماء كانوا يُعرفون أنهم شعب الله بواسطة علامة الختان الظاهر. وأما هنا الآن فإن شعب الله ينالون علامة الختان في قلوبهم من الداخل. لأن السكين السماوية تقطع الجزء الزائد من العقل، أي غلفة الخطية النجسة. وفي القديم كانت لهم معمودية لتطهير الجسد. أما عندنا نحن فتوجد معمودية الروح القدس والنار. فهذا هو ما كرز به يوحنا ” هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت11:3).
مسكن خارجي وآخر داخلي :
          2 ـ وفي القديم كان هناك مسكن خارجي وآخر داخلي. “وكان الكهنة يدخلون إلى المسكن الأول كل حين صانعين الخدمة. وأما إلى الثانى فرئيس الكهنة فقط مرة واحدة في السنة، بالدم، معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يكن قد أُظهر بعد” (عب6:9ـ8). وأما هنا من الجهة الأخرى، فإن الذين يُحسبون أهلاً لذلك هم الذين يدخلون إلى ” المسكن غير المصنوع بيد، حيث دخل المسيح كسابق لأجلنا” (عب20:6).
العصفوران :
          إنه مكتوب في الناموس أن الكاهن يأخذ عصفورين ويذبح أحدهما ويرش العصفور الحى بدم المذبوح، ويطلق الحى ليطير حراً (انظر4:14ـ7). ولكن هذا الذي كان يُصنع قديماً إنما هو رمز “وظل” للحق، لأن المسيح قد ذُبح، وبدمه المرشوش علينا جعل لنا أجنحة، فإنه أعطانا أجنحة روحه القدوس، لكيما نطير في الجو الإلهى بلا عائق.
الناموس المكتوب على ألواح حجر :
          3 ـ وفي العهد القديم أُعطى لهم الناموس مكتوباً على ألواح من حجر، وأما لنا نحن فالقوانين الروحانية ” مكتوبة على ألواح قلب لحمية” (2كو3:3)، لأنه مكتوب: ” أجعل نواميسى في قلوبهم، وأكتبها في أذهانهم” (عب16:10). وتلك الأشياء كلها كانت إلى وقت معين وقد تلاشت، وأما الآن (في العهد الجديد) فكل شيءيتم بالحق في الإنسان الباطن. فالعهد موجود في الداخل والمعركة أيضاً في الداخل، وبالإجمال ” فإن كل الأشياء التي حدثت لهم، إنما كانت مثالاً، وكُتبت لإنذارنا” (1كو11:10).
عبودية مصر :
          لقد أنبأ الله إبراهيم بما سيحدث قائلاً: ” أعلم يقيناً أن نسلك سيكون غريباً في أرض ليست لهم ويُستعبدون لهم فيذلونهم أربع مئة سنة” (تك13:15)، وقد تحققت هذه النبوءة تماماً. لأن الشعب تغرّب واستُعبد للمصريين الذين “مرروا حياتهم في الطين واللبن” (خر 14:1). وقد جعل فرعون عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم ويسوقوهم قسراً. وحينما تنهد بنو إسرائيل إلى الله من العبودية (خر23:2) فإن الله نظر إليهم وافتقدهم بواسطة موسى (خر25:2). وبعد أن ضرب المصريين ضربات كثيرة، أخرج بنى إسرائيل من مصر في شهر الزهور عند بزوغ فصل البهجة أي فصل الربيع وبعد انتهاء ظلمة الشتاء.
دم الحمل على الأبواب :
          4 ـ وقد أمر الرب موسى ان يأخذ حملاً بلا عيب، ويذبحه ويرش دمه على القائمتين والعتبة العُليا ” لئلا يمسهم الذي أهلك أبكار المصريين” (عب28:11)، وعندما رأى الملاك الذي أُرسل، علامة الدم من بعيد عَبَرَ (عن تلك البيوت)، ولكنه دخل إلى البيوت التي ليست عليها علامة الدم وأهلك الأبكار.
نزع الخمير وأكل خروف الفصح :
          وأمرهم لله أيضاً أن ينزعوا الخمير من كل بيت، ويأكلوا خروف الفصح المذبوح، مع فطير، على أعشاب مُرّة، ويأكلوه وأحقاؤهم مشدودة وأحذيتهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم. وهكذا أمرهم أن يأكلوا فصح الرب بكل عجلة في المساء، وأن لا يكسروا عظماً منه.
          5 ـ ” وأخرجهم بفضة وذهب” (مز37:105)، إذ أمرهم أن يستعير كل منهم من جاره المصرى أوانى ذهب وفضة، وخرجوا من مصر بينما كان المصريون يدفنون أبكارهم، وخرجوا فرحين بتحررهم من العبودية القاسية، أما الحزن والبكاء فكان من نصيب المصريين بسبب هلاك أبكارهم. ولذلك قال موسى: ” هذه الليلة هي للرب” (خر42:12) التي وعد أن يفتدينا فيها.
          فكل هذه الأشياء إنما هي سر النفس التي افتُديت بمجئ المسيح، لأن كلمة “إسرائيل” تُفسر بمعنى: العقل الذي يعاين الله ـ لذلك فالعقل يتحرر من عبودية الظلمة، أي من المصريين روحياً.
          6 ـ فإنه منذ أن مات الإنسان بالمعصية ذلك الموت الخطير، ونال لعنة فوق لعنة: ” شوكاً وحسكاً تنبت لك الأرض” (تك18:3) وأيضاً : “متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها” (تك12:4) ـ فمنذ ذلك الوقت نبتّ الشوك والحسك وظهر في أرض القلب. وجرده أعداؤه من مجده بالخديعة وألبسوه العار والخزي.. نزعوا عنه نوره وألبسوه لباس الظلمة، وقتلوا نفسه وشتتوا أفكاره وقسموها، وأحدروا عقله من الأعالي حتى صار الإنسان ـ إسرائيل ـ عبداً لفرعون الحقيقي، فجعل عليه مسخرّين ليعمل أعماله الشريرة وليكمل بناء الطين واللبن. وهذه الأرواح الشريرة أبعدته عن حالة حكمته السماوية، وهبطت به إلى الأعمال المادية الأرضية في الطين أي أعمال الشر وإلى الكلمات والرغبات والتصورات الباطلة الشريرة. لأن الإنسان لما سقط من علوه، وجد نفسه في مملكة معادية تكره الإنسان، وفي هذه المملكة يغصبه حكامها على أن يبنى لهم مدناً شريرة للخطية.
الصراخ إلى الله ودم الخروف :
          7 ـ ولكن إذا صرخ الإنسان وتنهد إلى الله، فإنه يرسل إليه موسى الروحاني الذي يخلّصه من عبودية المصريين. ولكن ينبغي على النفس أن تصرخ أولاً وبعد ذلك تبتدئ أن تحصل على الفداء والتحرر، وهى أيضاً تتحرر في شهر الزهور الجديدة، في الربيع حينما تستطيع أرض النفس أن تنبت أغصان البر الجميلة المزهرة، وحين تكون عواصف شتاء جهالة الظلمة قد انتهت وقد تلاشى العمى الخطير الناشئ عن الخطايا والأعمال الشرير. وحينئذ يأمر الرب أيضاً بنزع كل خميرة “عتيقة” (1كو7:5)، من كل بيت أي بطرد كل أعمال وأفكار ” الإنسان العتيق الفاسد” (أف22:4) وكل أفكاره الشريرة ورغباته الدنيئة.
          8 ـ ثم أن الخروف كان ينبغي ذبحه وتضحيته وأن تُرش الأبواب بدمه: لأن المسيح الحمل الصالح الذي بلا عيب قد ذُبح من أجلنا، وبدمه رُشت أبواب القلب، حتى أن دم المسيح المسفوك على الصليب يصير حياة وفداء للنفس وأما للشياطين فإنه يصير حزناً وموتاً. لأن دم الحمل الذي بلا عيب هو حقيقة حزن لهم، أما للنفس فهو فرح وبهجة.
الأعشاب المُرّة والأحقاء المشدودة :
          وبعد رش الدم يأمر الرب بأكل الحمل مساءً مع فطير وأعشاب مُرّة وبأحقاء مشدودة والأحذية في الأرجل والعصا في الأيدى ـ لأنه إن لم تستعد النفس من كل ناحية أن تمارس الأعمال الصالحة بأقصى ما تستطيع من قوة، فإنه لا يُعطى لها أن تأكل من الحمل. ورغم أن الحمل لذيذ وحلو والفطير حسن المذاق إلاّ أن الأعشاب مُرّة وخشنة فإنه بتعبٍ كثير ومرارة تأكل النفس من الفطير الصالح، لأن الخطية التي تسكن فيها تسبب لها ضيقاً ومرارة.
أكل الفصح مساءً :
          9 ـ ويقول الكتاب أيضاً إن الرب أمرهم أن يأكلوا خروف الفصح في المساء وهى الفترة المتوسطة بين النور والظلمة. هكذا النفس أيضاً حينما تقترب من الفداء والتحرر فإنها توجد بين النور والظلمة، وفي هذه الأثناء تقف قوة الله بجوارها وتسندها، ولا تسمح للظلمة أن تدخل إلى النفس وتبتلعها.
          وكما أن موسى قال: هذه هي ليلة موعد الله، هكذا المسيح أيضاً حين دُفع إليه الكتاب في المجمع ـ كما هو مكتوب في الإنجيل ـ دعا تلك السنة “سنة الرب المقبولة” ويوم الفداء، فهناك في (العهد القديم) كانت الليلة، ليلة عقاب، وأما هنا فاليوم هو نهار فداء. وهكذا هو الأمر بالحقيقة لأن كل تلك الأشياء كانت رمزاً وظلاً للحق، وكانت ترسم ـ بطريقة سرية ـ صورة الخلاص الحقيقي للنفس التي كانت مغلقاً عليها في الظلام. مقيدة في ” الجب الأسفل” (مز6:88) ومحبوسة وراء ” مصاريع نحاس” (مز16:107). ولم يكن لها القدرة على أن تنطلق حرّة بدون فداء المسيح.
المسيح يُخرِج النفس من العبودية :
          10 ـ فإنه يُخرج النفس من مصر ـ من العبودية التي فيها ـ ويقتل أبكار مصر عند الخروج. فإن جزءً من قوة فرعون الحقيقي قد سقط واستولى الحزن على المصريين ـ لأنهم كانوا يئنون حزناً على انفلات الأسرى من بين أيديهم. وقد أمر الرب الشعب أن يستعيروا أوانى ذهب وفضة من المصريين، وأن يأخذوها معهم عند خروجهم. لأن النفس عند خروجها من الظلمة فإنها تسترد أوانى الفضة والذهب، وأعنى بها أفكارها الصالحة “مُطهرة سبع مرات في النار” (مز6:12). وهذه هي الأفكار التي تُقدم بها العبادة لله وفيها يجد مسرته. لأن الشياطين الذين كانوا قبلاً جيراناً للنفس، قد شتّتوا أفكارها واستولوا عليها وخربوها. فطوبى للنفس التي تُفتدى من الظلمة، وويل للنفس التي لا تصرخ وتئن إلى الله الذي يستطيع وحده أن يخلصها من أولئك الولاة القساة الظالمين.
بدء التحرك بعد أكل الفصح :
          11 ـ لقد بدأ بنو إسرائيل يتحركون بعد أن صنعوا الفصح. وهكذا فإن النفس تتحرك إلى الأمام حينما تنال حياة الروح القدس، فتأكل من الحمل، وتكون قد مُسحت بدمه، وأكلت الفصح الحقيقي، الكلمة الحي.
عمود النار وعمود السحاب :
          وكما أن عمود النار وعمود السحاب كانا يسيران أمام بني إسرائيل ليحفظانهم، هكذا فإن الروح القدس يشدّد المؤمنين الآن ويقوّيهم، ويشعلهم، ويرشد النفس بطريقة ملموسة.
          وحينما علم فرعون والمصريون أن شعب الله قد هرب فإنهم تجاسروا أن يقتفوا أثرهم حتى بعد قتل أبكار المصريين. فإن فرعون جهز مركباته بسرعة وسعى مع كل شعبه وراء شعب الله لكي يهلكه. ولما كاد أن يلحقهم، انتقل عمود السحاب من أمام بني إسرائيل ووقف خلفهم، بينهم وبين فرعون. فأعاق فرعون، وكان عمود السحاب ظلاماً بالنسبة للمصريين ولكنه كان نوراً ومرشداً وحامياً لبني إسرائيل. ولكي لا أطيل الحديث عليكم بسرد القصة كلها دعونا نطبق كل التفاصيل على الأمور الروحية.
          12 ـ فإنه حينما تبدأ النفس أولاً بالهروب من الشيطان، فإن قوة الله تقترب منها لتعينها وتقودها إلى الحق. ولكن حينما يعرف فرعون الروحاني ـ أي ملك ظلمة الخطية ـ أن النفس قد تمردت عليه وبدأت تهرب من مملكته فإنه يلاحق الأفكار التي كانت ملكه قبلاً ـ فإن الأفكار كانت هي ممتلكاته، ويحاول بخبثه ويأمل أن ترجع إليه النفس مرة أخرى. ولكن حينما يدرك أن النفس قد هربت من طغيانه هروباً بلا رجعة ـ وهذا بالنسبة إليه ضربة أقوى من قتل الأبكار وسرقة المقتنيات ـ فإنه يجرى وراءها لأنه يخاف لئلا بعد هروب النفس منه تماماً، لا يبقى له من يتمم إرادته ويعمل أعماله. لذلك فهو يسعى وراءها بالشدائد والتجارب والحروب غير المنظورة. وبهذه الشدائد والحروب تُمتحن النفس وتُجرّب، وبواسطتها تُظهر محبتها نحو من أخرجها من مصر (العبودية). لأنها تُسلّم (للتجارب) لكي تُوضع موضع الاختبار وتُمتحن بطرق متنوعة.
تدخل الله للإنقاذ :
          13 ـ وترى النفس قوة العدو وهو يسعى أن يقتلها ولكنه لا يستطيع، لأن الرب يقف بينها وبين أرواح الشر. وترى أمامها بحراً من المرارة والشدائد واليأس. وهى من ناحية لا تستطيع أن تعود إلى الوراء لأنها ترى العدو مستعداً لقتلها، ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تتقدم إلى الأمام لأن خوف الموت، والشدائد المؤلمة المحيطة بها، يجعلها ترى الموت أمام عينيها. لذلك فإن النفس تيأس من ذاتها، ” إذ يكون لها حكم الموت في نفسها” (2كو9:1) بسبب كثرة أرواح الشر المحيطة بها. وحينما يرى الله النفس وهى محصورة بخوف الموت، والعدو مستعد أن يبتلعها، فإنه حينئذٍ يأتي لمعونتها ويترفق بها، وهو يتأنى عليها لكي يختبرها، ويرى هل تثبت في الإيمان، وهل عندها حب صادق له. لأن الله هكذا قد رسم ” الطريق المؤدى إلى الحياة” (مت14:7) أن يكون كرباً ضيقاً وفيه امتحانات وتجارب مُرة لكي تصل النفس بواسطة هذا الطريق فيما بعد إلى الأرض الحقيقية ـ أرض أولاد الله. لذلك فحينما يكف الإنسان عن الاعتداد بنفسه ويجحد ذاته بسبب الشدة العظيمة والموت الذي يراه أمام عينيه، ففي تلك اللحظة يمزق الله ـ بيد شديدة وذراع رفيعة ـ قوة الظلمة بواسطة إنارة الروح القدس، وتعبر النفس خلال الأماكن المخيفة، تعبر بحر الظلمة، وتخلُّص من النار المحرقة.
عبور البحر والفرح والتسبيح :
          14 ـ هذه هي أسرار النفس التي تحدث حقاً في الإنسان الذي يسعى باجتهاد أن يأتي إلى موعد الحياة ويُفتدى من مملكة الموت، وينال العربون من الله، وتكون له شركة في الروح القدس. وهكذا فإن النفس إذ تتخلّص من أعدائها، بعبورها البحر المُر، بقوة الله، وإذ ترى أعداءها الذين كانت مستعبدة لهم، وقد هلكوا أمام عينيها، فإنها تفرح فرحاً لا يُنطق به ومملوء مجداً (1بط8:1) وتتعزى بالله وتستريح في الرب. وحينئذ فإن الروح الذي نالته يسبح فيها تسبيحاً جديداً لله بالدُف الذي هو الجسد، وبأوتار القيثارة الروحية التي هي النفس، وبأفكار النفس السامية وبمفتاح النعمة الإلهية الذي يضرب على الأوتار، فترتفع التسابيح للمسيح الحي ومعطى الحياة. لأنه كما أن نفخة الفم هي التي تنطق وتتكلم حينما تسرى فيها آلات النفخ، هكذا فإن الروح القدس هو الذي يسرى في القديسين الذين يحملون الروح، وهو يسبح فيهم تسابيح ومزامير فيصلون لله بقلب نقى. فالمجد لذلك الذي أنقذ النفس من عبودية فرعون وجعلها عرشاً له، جعلها بيتاً وهيكلاً وعروساً نقية له، وأحضرها إلى ملكوت الحياة الأبدية، وهى لا تزال في هذا العالم.
          15 ـ وبحسب الناموس كانت الحيوانات غير العاقلة تُقدم كذبائح. ولكن التقدمات لا يمكن أن تكون مقبولة ما لم تُذبح. وهكذا الآن إن لم تُذبح الخطية فإن تقدمتنا لا هي مقبولة أمام الله، ولا هي تقدمة حقيقية.
المياه المُرّة تصير حلوة :
          وعندما جاء الشعب في القديم إلى مارة (خر22:15) كانت هناك عين ماء تنبع ماءً مراً، لا يصلح للشرب. فلما تحير موسى وصرخ إلى الرب، أمره الرب بأن يلقى شجرة أراه إياها، في الماء المر، فحينما أُلقيت الشجرة هكذا في الماء، صار الماء عذباً، إذ تحول عن مرارته وصار مناسباً وصالحاً ليشرب منه شعب الله. وبنفس الطريقة، فإن النفس صارت مُرّة من شرب سم الحية، وصارت مشابهة لطبيعة الحية المُرّة وأصبحت خاطئة. لذلك فإن الله يلقى شجرة الحياة في داخل ينبوع القلب المُرّ فيتحول القلب من مرارته، ويصير حلواً باتحاده بروح المسيح. وهكذا يصير نافعاً جداً ويذهب في خدمة سيده لأنه يصير لابساً للروح. فالمجد لذلك الذي يحوّل مرارتنا إلى حلاوة الروح وصلاحه. والويل لمن لا تلقى فيه شجرة الحياة، فإنه لا يستطيع أن يتغيّر إلى الصلاح أبداً.
عصا موسى والصليب :
          16 ـ إن عصا موسى كان لها وجهان :فإنها كانت بالنسبة للأعداء حيّة تلدغ وتُهلك، وأما بالنسبة لبني إسرائيل فقد كانت عكازاً يستندون عليها. هكذا أيضاً، فالخشبة الحقيقية، خشبة صليب المسيح، فإن صليب المسيح إنما هو موت لأرواح الشر، وأما لنفوسنا فهو سند وملجأ أمين فيه نطمئن ونستريح.
          إن الرموز والظلال في العهد القديم كانت تشير إلى الحقائق الحاضرة لأن خدمة العبادة القديمة كانت ظلاً وصورة للعبادة الحاضرة. فالختان، والخيمة، والتابوت، والمن، وقسط المن، والكهنوت والبخور، والغَسْلات، وباختصار كل ما كان يُصنع في إسرائيل وفي ناموس موسى وفي الأنبياء، إنما كان إشارة إلى هذه النفس المخلوقة على صورة الله، والتي سقطت تحت نير العبودية وسلطان ظلمة المرارة.
عروس كاملة لعريس كامل :
          17 ـ فإن الله أراد أن يقيم شركة مع النفس البشرية. ويخطبها لنفسه كعروس للملك، ويغسلها ويطهّرها من كل دنس. ويجعلها بهية مضيئة بدلاً من سوادها وعارها، ويحيّيها من الموت، ويشفيها من انكسارها ويعطيها السلام ويصالحها لنفسه من بعد العداوة.
          ورغم أن النفس مخلوقة، إلاّ أن الله يخطبها عروساً لابن الملك ويضمها إليه بقدرته الخاصة، ويغيّرها شيئاً فشيئاً وينميها ويزيدها بفيض نعمته. فهو يوسع النفس ويقودها إلى نمو وازدياد بلا حدود ولا قياس، إلى أن تصير عروساً بلا عيب وبلا لوم تليق به.
          فإنه يلد النفس فيه أوًلا، ثم بنفسه ينميها بفعل نعمته، إلى أن تصل إلى قامة محبته الكاملة، فلأنه هو عريس كامل، لذلك فهو يأخذها كعروس كاملة له إلى شركة العرس المقدسة، الشركة السرّية الطاهرة، وحينئذٍ فإنها تملك معه إلى أبد الدهور أمين.
العظة الثامنة والأربعون
الإيمان الكامل بالله
          1 ـ لما أراد الرب، في الإنجيل، أن يقود تلاميذه إلى الإيمان الكامل قال لهم: ” الأمين في القليل أمين في الكثير، والظالم في القليل ظالم أيضاً في الكثير” (لو10:16) فما هو القليل وما هو الكثير؟
          القليل هو خيرات هذا العالم، التي وعد أن يعطيها لأولئك الذين يؤمنون به: مثل الطعام واللباس وكل الأشياء الأخرى اللازمة للجسد والصحة وما أشبه ذلك. وهو يدعونا أن لا نهتم أو نقلق بخصوص هذه الأشياء، بل نثق فيه بيقين تام أنه كفء لحاجات أولئك الذين يلتجئون إليه في كل شيء.
          أما الكثير فهو هبات العالم الأبدي الذي لا يفنى ولا يضمحل، التي وعد أن يعطيها لأؤلئك الذين يؤمنون به ويهتمون بطلبها بلا انقطاع ويسألونه لأجلها لأنه هو الذي أوصى بذلك قائلاً: ” أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تُزاد لكم” (مت33:6)، لكي بواسطة هذه الأشياء القليلة الزمنية يمكن أن يُختبر كل إنسان إن كان يؤمن بالله، لأنه وعد أن يعطى هذه الأشياء بدون أن نهتم ونقلق من جهتها، بل نهتم فقط من جهة الأمور الأبدية الآتية.
          2 ـ لذلك فإن كان له إيماناً قوياً من جهة الأشياء الزمنية فإن هذا يكشف عن إيمانه بخصوص الأمور التي لا تفنى، وكيف أنه يسعى حقاً طالباً الخيرات الأبدية، لذلك ينبغي على كل واحد من أولئك الذين يطيعون كلمة الحق، أن يختبر نفسه ويمتحنها ، أو يدع الرجال الروحانيين يعينونه على ذلك لكي يعرف إلى أي درجة قد آمن بالله وأعطى نفسه له، وهل إيمانه هذا حقيقي بحسب كلمة الله، أم أنه يعتمد على رأيه الخاص في تبرير وإيمان كاذبين، متخيلاً أن له إيمان داخل نفسه. فإن هذا هو السؤال الذي يمتحن به الإنسان نفسه:
هل هو أمين في القليل، أي في الأمور الزمنية ؟
          وكيف يتم هذا الامتحان؟ هذا ما سأوضحه لكم الآن: هل تقول إنك تؤمن أنه قد أُعطى لك ملكوت السموات، وأنك قد وُلدت من فوق وصرت ابناً لله، ووارثاً مع المسيح، لتملك معه إلى الأبد وتتنعم في النور الذي لا يُوصف طوال الدهور الأبدية مع الله؟
          لا شك أنك ستقول ” نعم فإنه لهذا السبب قد تركت العالم وسلّمت نفسي إلى الرب”.
          3 ـ لذلك، افحص نفسك الآن، هل لا تزال الاهتمامات الأرضية لها تأثير عليك، وتفكر كثيراً بخصوص الطعام واللباس وغيرها من الاهتمامات المشابهة، كأنك تحصل على هذه الأشياء بقوتك الخاصة وكأنه يلزمك أن تقوم بتزويد نفسك بكل احتياجاتك بدلاً من الوصية التي أعطاها لك الرب ألاّ تهتم ولا تقلق أبداً من جهة هذه الأشياء الأرضية الفانية، التي يعطيها الله حتى للأشرار، وللوحوش والطيور، لقد أعطاك الله وصية ألاّ تهتم بهذه الأمور ولا تقلق، إذ قال: ” لا تهتموا بما تأكلون أو بما تشربون أو بما تلبسون، فإن هذه كلها تطلبها الأمم” (مت25:6ـ32). أما إن كان لا يزال عندك همّ وانشغال بهذه الأمور، ولم تثق كلّيةً بكلمته، فاعلم أنك لم تؤمن بعد بأنك ستنال الخيرات الأبدية التي هي ملكوت السموات بالرغم من أنك تظن أنك تؤمن، بينما أنت توجد غير أمين في الأشياء القليلة التي تفنى.
          وأيضاً كما أن الجسد هو أفضل من اللباس، كذلك فإن النفس هي أفضل من الجسد (مت25:6). فهل تؤمن، إذن أن نفسك تحصل من المسيح على الشفاء من الجروح الأبدية التي لا يستطيع البشر شفاءها، أي جروح شهوات الخطية، التي لأجل شفائها جاء الرب إلينا ههنا، لكي يشفي نفوس المؤمنين ويطهرهم من دنس الخطية ونتانتها وبرصها ـ لأنه هو الشافي والطبيب الحقيقي الوحيد؟
          4ـ إنك ستقول “إنني أؤمن بكل تأكيد ـ وهذه هي ثقتي، وهذا هو رجائي ” فالآن افحص وانظر إن كانت الأمراض الجسدية تجعلك تجرى إلى الأطباء الأرضيين أم لا، كما لو أن المسيح الذي تؤمن به لم يستطيع أن يشفيك ـ فأنظر كيف تخدع نفسك، لأنك تظن أنك تؤمن وأنت في الحقيقة لا تؤمن كما ينبغي. فلو إنك آمنت أن جروح النفس التي لا تُشفي وأهواء الخطية، يشفيها المسيح، لآمنت أيضاً أنه يستطيع أن يشفي أمراض الجسد المؤقتة ولكنت لجأت إليه وحده وتركت جانباً وسائل الأطباء وأدويتهم[1].
          فإن الذي خلق النفس خلق الجسد أيضاً. والذي يشفي النفس غير المائتة، يستطيع أيضاً أن يشفي الجسد من أمراضة وعلله العابرة المؤقتة.
          5 ـ ولكنك بلا شك ستقول “إن الله قد أعطانا نباتات الأرض والعقاقير لأجل شفاء الجسد وقد أعد وسائل الأطباء ومعالجتهم لأجل أمراض الجسد وآلامه ورتب أن الجسد الذي من التراب يكون شفاؤه بوسائل متنوعة من نفس الأرض، وإني أوافقك على صحة هذا الكلام. ولكن انظر وانتبه، وأنت ستعرف لمن أعطى الله هذه الأشياء ولآجل من رتبها حسب رحمته العظيمة ومحبته غير المحدودة للبشر. فحينما سقط الإنسان بتعدي الوصية التي أُعطيت له، صار تحت العبودية والعار وكأنه ذهب ليعمل ويكد في أحد المناجم، مطروداً من أفراح الفردوس إلى هذا العالم، وصار تحت قوة سلطان الظلمة وانحدر إلى حالة عدم الإيمان بواسطة الخطايا والشهوات، وحينئذٍ سقط تحت وطأة أمراض الجسد واضطراباته بدلاً من حالته الأولى الخالية من الاضطراب والمرض. وبالتأكيد فإن كل الذين وُلدوا من الإنسان الأول سقطوا تحت الأمراض والاضطرابات.
          6 ـ لذلك فإن الله قد رتب هذه الأدوية والعلاجات للضعفاء وللذين لا يؤمنون، لأنه لا يريد في كثرة تحننه ومحبته أن يلاشى جنس البشر الخاطئ كلّية، بل أعطى الطب والأدوية لأهل العالم، ولكل الذين هم من خارج لأجل شفائهم وصحتهم وعلاج أجسادهم، وسمح أن تُستعمل هذه الوسائل بواسطة أولئك الذين لم يستطيعوا بعد أن يؤمنوا بالله ويثقوا به كلية مستودعين حياتهم تماماً له بالإيمان.
وأما أنت أيها الراهب، يا من أتيت إلى المسيح، وتريد أن تكون ابناً لله ومولوداً من الروح من فوق، وتنتظر المواعيد التي هي أعلا وأعظم مما أُعطى للإنسان الأول، لأن كل ما كان للإنسان الأول من حالة الحرية من الاضطرابات والشهوات، قد سُرّ الله أن يعطيك أكثر منه بحضوره معك، أنت يا من صرت غريباً عن العالم. لهذا ينبعى أن يكون لك إيمان وفهم وأسلوب جديد تماماً للحياة، يتميز كلية عن أهل العالم ويتفوق عليهم.
والمجد للآب والابن والروح القدس إلى الأبد.أمين
________________________________________
[1] يُلاحظ أن القديس هنا يخاطب الرهبان ويعتبر اللجوء للأطباء مستوى روحى ضعيف لا يليق بهم انظر فقرة 6 .
العظة التاسعة والأربعون
الشبع الإلهي
لا يكفي أن تتجنب لذات هذا العالم بل يلزم الحصول على غبطة الدهر الآتي.
فرح الروح بدل فرح العالم :
          1 ـ حينما يترك إنسان أهله، ويترك هذا العالم، ويتغرّب عن لذّاته ويترك الممتلكات، والأب والأم، لأجل الرب، ويصلب نفسه ويصير غريباً وفقيراً ومحتاجاً، ولكنه لا يجد العزاء الإلهي في داخل نفسه بدلاً من راحة العالم وعزائه، ولا يشعر بلذة الروح في داخله بدلاً من اللّذة الزمنية العابرة، ولا يكون لابساً لثياب نور الله في الإنسان الباطن، بدلاً من تلك الثياب التي تفنى، ولا يعرف شركة العريس السماوي في نفسه، بدلاً من فرح هذا العالم الظاهر ولا يحصل على عزاء النعمة السماوي، والشبع الإلهي في النفس ـ بظهور مجد الرب ـ كما هو مكتوب[1]، وبالاختصار بدلاً من التمتع الزمني العابر، لا يحصل من الآن في داخل نفسه على التمتع غير الفاسد الذي لا يضمحل والذي تشتهيه النفس شهوة عظيمة، فإن هذا الإنسان قد صار ملحاً بلا ملوحة، بل هو أكثر بؤساً من جميع الناس لأنه حُرم من الأشياء التي هنا، ولم يحصل على التمتع بالعطايا الإلهية التي تتم بعمل الروح القدس في الإنسان الباطن.
العبور بالروح إلى عالم آخر منذ الآن :
          2 ـ فإن الغاية التي من أجلها يصير الإنسان غريباً عن هذا العالم إنما هي أن تعبر نفسه إلى عالم آخر ودهر آخر كما يقول الرسول ” إن سيرتنا هي في السموات” (في20:3) وأيضاً يقول ” وإذ نسير على الأرض لكننا لسنا حسب الجسد نحارب” (2كو2:10). لذلك فإن من يرفض هذا العالم يجب أن يؤمن بكل يقين، أنه ينبغي أن يعبر بفكره منذ الآن بالروح إلى عالم آخر، وهناك تكون سيرتنا ولذتنا وتمتعنا بالخيرات الروحية، وأنه ينبغي أن يُولد من الروح في الإنسان الباطن كما قال الرب ” من يؤمن بي فقد انتقل من الموت إلى الحياة” (يو24:5). لأنه يوجد موت آخر غير الموت الطبيعي المنظور، وحياة أخرى غير هذه الحياة، فإن الكتاب يقول: ” وأما المتنعمة فقد ماتت وهى حية” (1تى6:5)، وأيضاً يقول الكتاب: “دع الموتى يدفنون موتاهم” (لو60:9). لأن ” ليس الأموات يسبحونك يارب، بل نحن الأحياء نباركك” (مز18،17:115).
دخول النفس إلى المسكن السماوي :
          3ـ لأنه كما أن الشمس عند إشراقها على الأرض تضئ عليها بكلّيتها، ولكن عندما تصير إلى الغروب تنحسر أشعتها عنها، كذلك فإن النفس التي لا تُولد من فوق من الروح، تكون على الأرض بكليتها وأفكارها مشتّتة في الأرض كلها. ولكن حينما تُحسب أهلاً للحصول على الولادة السماوية وشركة الروح، فإنها تجمع كل أفكارها معاً فتأخذهم معها وتدخل إلى الرب، إلى المسكن السماوي غير المصنوع بأيدي وتصير كل أفكارها سماوية طاهرة ومقدسة وتصعد إلى الجو السماوي الإلهي. وإذ تتحرر من سجن ظلمة رئيس هذا العالم الشرير، الذي هو روح العالم، فإن النفس تجد أفكاراً طاهرة إلهية، لأن الله قد سُرّ بأن يجعل الإنسان شريكاً في الطبيعة الإلهية (2بط4:1).
ستجد فرحاً عظيماً :
          4 ـ لذلك فإذا كنت تعتزل كل الأمور المختصة بهذا العالم وتواظب على الصلاة، فإنك ستجد راحة كبيرة في هذا العمل. بل ستجد فرحاً عظيماً في الشدة القليلة والألم وستنتعش انتعاشاً عظيماً. فإنه إن كنت تنفق نفسك وجسدك ساعة بساعة طوال حياتك لأجل هذه الخيرات العظيمة فماذا تكون النتيجة؟.. آه، يا لِعظم تحنّن الله الذي يفوق الوصف، فإنه يعطى نفسه مجاناً لأولئك الذين يؤمنون به حتى أنهم في وقت قليل يرثون الله، ويسكن الله في الإنسان ويتخذ من الإنسان منزلاً حسناً له! وكما أن الله خلق السماء والأرض ليسكن الإنسان فيهما، كذلك فإنه خلق جسد الإنسان ونفسه ليكونا منزلاً له، لكي يسكن ويستريح في جسد الإنسان كما في منزله الخاص، ويتخذ من النفس الحبيبة عروساً جميلة له مخلوقة على صورته. لأن الرسول يقول: “خطبتكم لرجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو2:11). وأيضاً ” وبيته نحن” (عب6:3).
الله يخزن كنوز الروح في نفسك وجسدك :
          فكما أن رب البيت يخزّن باجتهاد كل أنواع الخيرات في بيته، هكذا الرب أيضاً في بيته الذي هو نفسك وجسدك، فإنه يضع كنوز الروح السماوية ويخزنها في هذا البيت.
          إن الحكماء بحكمتهم، والفطناء بفطنتهم لم يستطيعوا أن يدركوا لطافة النفس ” أو أن يتكلموا عنها كما هي، وإنما يدرك لطافتها فقط أولئك الذين يُعطى لهم هذا الإدراك بالروح القدس. ولهم تُعطى المعرفة الصحيحة عن النفس إذ أن الروح يعلنها لهم.
الرب والنفس :
          فانظر هنا نظرة جادة لكي تفهم وتتعلّم. أنصت الآن :
          فإنه هو إله، أما النفس فليست إلهاً.
          إنه هو رب، وهى عبدة.
          هو خالق، وهى مخلوقة .
          هو صانع، وهى صنعة يديه.
وليس هناك شيء مشترك بين طبيعة الله وطبيعة النفس. ولكن بواسطة محبته ورأفته التي لا تحد والتي تفوق الوصف والإدراك، سُرّ الله أن يسكن في هذا المخلوق العاقل، في صنعة يديه، الثمينة والعجيبة، كما يقول الكتاب ” لكي نكون باكورة من خلائقه” (يع18:1). لنكون نحن حكمته وشركته، ومسكنه الخاص، وعروسه الطاهرة.
لنعط أنفسنا لإرضاء الرب :
          5 ـ فحينما تُوضع أمامنا هذه الأشياء الصالحة، وهذه المواعيد التي وعدنا بها الرب، وتتضح مسرة صلاحه من نحونا، فلا نهمل يا أبنائي ولا نتأخر أو نتباطأ في السعي للحياة الأبدية، بل نعطى أنفسنا تماماً لإرضاء الرب، مخصصين ذواتنا له كلّية.
          فلنتوسل، إذن للرب أن ينقذنا بقوة لاهوته من سجن ظلمة شهوات الخزي، وأن يجعل صورته وصنعة يديه تضئ ببهاء، وأن يجعل النفس صحيحة ونقيّة، وهكذا نُحسب أهلاً لشركة الروح، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد.أمين
________________________________________
[1]  هنا يشير القديس مقاريوس إلى مز15:17 في الترجمة السبعينية حيث نص الآية هكذا “سأمتلئ حتى الشبع بظهور مجدك “
العظة الخمسون
صانع العجائب
الله هو صانع العجائب بواسطة قديسيه.
قوة الله في إيليا :
          1 ـ من هو ذاك الذي أغلق أبواب السماء؟ هل هو إيليا أم أن الله الذي فيه، هو الذي أمر المطر ألاّ ينزل؟ إني أؤمن أن ذاك الذي له السلطان على السموات، كان هو نفسه جالساً في عقل إيليا، وأن كلمة الله أمر المطر أن ينزل على الأرض بواسطة لسان إيليا، فنزل المطر.
عمل الله في موسى :
          وكذلك موسى أيضاً فإنه ألقى بالعصا على الأرض فصارت حية، ثم تكلم مرة أخرى فعادت وصارت عصا. وأخذ موسى رماداً من الأتون ونثره نحو السماء فصار دمامل أصابت الناس وفي البهائم. وأيضاً مد عصاه فصار البعوض والضفادع على أرض مصر (خر5:8و17). فهل تستطيع الطبيعة البشرية أن تصنع هذه الأمور؟ .. لقد مد موسى أيضاً يده على البحر فشقّه، وكذلك رفع عصاه على النهر فتحولت مياهه إلى دم. فالواضح أن قوة سماوية كانت ساكنة في قلب موسى وعقله وكانت هذه القوة تعمل هذه الآيات بواسطة موسى.
قوة الله في ضعف داود :
          2 ـ وكيف استطاع داود أن يقاتل الجبّار دون أن يكون متسلحاً؟ فإن يد الله هي التي قادت الحجر بواسطة يد داود حينما رماه على الفلسطيني.. وأن قوة الله هي التي قتلت الجبار وانتصرت عليه، فما كان داود ليستطيع أن يفعل ذلك من ذاته إذ كان ضعيفاً جداً في الجسد (1صم49:17ـ51).
سقوط أسوار أريحا :
          وحينما جاء يشوع بن نون إلى أريحا وحاصرها سبعة أيام، لم يستطع أن يفعل شيئاً بطبيعته، ولكن حينما صدر أمر الله فإن الأسوار سقطت من نفسها.. ومن هو الذي أمر الشمس أن تقف لمدة ساعتين بينما كانت المعركة حامية الوطيس؟ هل هي طبيعة يشوع أم القوة الإلهية التي كانت معه؟
القتال مع عماليق :
          ولما دخل يشوع في قتال مع عماليق، كان إذا رفع موسى يديه نحو السماء إلى الله، أن إسرائيل يغلب، وإذا خفض يديه أن عماليق يغلب.
حينما ترفع أفكارك إلى السماء :
          3 ـ ولكن حينما تسمع عن هذه الأمور فلا تدع عقلك يذهب بعيداً، بل حيث إنها كانت رمزاً وظلاً للحقيقة فطبقها إذن على نفسك. فإنك حينما ترفع يدى عقلك وأفكارك نحو السماء وتضع في قصدك أن تلتصق بالرب وتتحد به فإن الشيطان يسقط تحت أفكارك .
          وكما سقطت أسوار أريحا بقوة الله، كذلك الآن بقوة الله تتحطم مدن الشيطان وأسوار الشر التي تحارب عقلك ويسقط أعداؤك أيضاً.
عمل الروح في الأبرار والأنبياء :
          لقد كانت قوة الله في القديم حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع، وكانت تعمل عجائب منظورة. وكانت النعمة الإلهية تعمل أيضاً في الأنبياء، وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ والتكلّم حينما كانت تدعو الحاجة أن يخبروا العالم بأحداث عظيمة. لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون في كل وقت، بل حينما يشاء الروح الذي فيهم فقط. إلاّ أن القوة الإلهية كانت معهم دائماً.
انسكاب الروح في العهد الجديد :
          4 ـ فإن كان الروح القدس قد انسكب بهذا المقدار في ذلك العهد الذي هو ظلّ لعهد النعمة، كم بالحري ينسكب في العهد الجديد، عهد الصليب ومجيء المسيح، الذي فيه حدث انسكاب الروح والامتلاء به. كما هو مكتوب ” إنى أسكب من روحى على كل بشر” (أع17:2). وهذا هو المعنى الذي قصده الرب نفسه حينما قال ” وها أنا معكم إلى انقضاء الدهر” (مت20:28). ” لأن كل من يطلب يجد” (مت8:7). وأيضاً ” إن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري الآب السماوي يعطى الروح القدس للذين يسألونه” (لو13:11). ” بقوة وبيقين شديد ” كما يقول الرسول (1تس5:1).
الحصول على قوة الروح :
          إن هذه الأشياء نحصل عليها بالتدريج، وتحتاج منا إلى وقت، وتعب وصبر ومحبة كثيرة وشوق كبير نحو الرب. وهكذا فإن “حواس النفس”، ” تتدرب” كما يقول الكتاب (عب14:5). بواسطة الخير والشر، أي من خلال حيل العدو ومؤامراته وخداعاته من ناحية، ومن الناحية الأخرى بواسطة المواهب والمعونات المتنوعة التي تعطى بعمل الروح القدس وقوته. وإن الذي يواجه خداع الخطية، الذي يلوث الإنسان الباطن بواسطة الشهوات، ولا يتعرف في داخل نفسه على معونة الروح القدس “روح الحق”، الذي يقوّيه ويعين ضعفه، ويجدّد نفسه بفرح القلب، مثل هذا الإنسان يسير في طريقه بدون تمييز، إذ لم يكتشف بعد تدبيرات النعمة المتنوعة، وسلام الله العميق.
هل وجدت الكنز ؟
          ومن الناحية الأخرى فإن الذي ينال معونة الرب، ويحصل على الفرح الروحاني ومواهب النعمة السماوية، مثل هذا الإنسان إن كان يتصور أنه لم يعد معرضاً بالمرة لأذى الخطية، فإنه ينخدع دون أن يدرى، إذ أنه لا يميز خبث الخطية ولا يدركه، ولا يعرف أن النمو إنما يتم بالتدريج من الطفولة حتى النضوج والكمال في المسيح. لأن الإيمان يزداد وينمو بواسطة عمل الروح القدس الإلهى، وتبعاً لذلك تتحطم تدريجياً حصون الأفكار الشريرة إلى أن تنهدم كلّية (2كو4:10).
          لذلك ينبغي على كل واحد منا أن يفتش ويعرف، هل هو قد وجد ” الكنز في هذا الإناء الخزفي” (2كو7:4)، وهل قد اكتسى بأرجوان الروح، وهل قد رأى الملك ووجد راحته في الداخل بالقرب منه، أم أنه لا يزال يعيش في الدار الخارجية؟
          إن النفس لها أجزاء كثيرة، ولها عمق عظيم، فعندما دخلت الخطية إلى الداخل امتكلت كل أجزاء النفس وكل مراعى القلب.
النعمة تملك جزئياً وبالتدريج :
          ولذلك حينما يسعى الإنسان ويطلب، فإن النعمة تأتى إليه، وتبدأ في أن تملك عليه، ولكنها قد تملك ربما على جزء أو اثنين من أجزاء النفس. وبعد أن تبدأ النعمة عملها فإن الإنسان غير المختبر حينما يحصل على تعزية بالنعمة، يتخيل أن النعمة قد امتلكت كل أجزاء نفسه وأن الخطية قد استؤصلت منه تماماً. مع أن القسم الأكبر من النفس لا يزال تحت سلطان الخطية وليس سوى جزء واحد فقط تحت سلطان النعمة، وهكذا فإنه ينخدع دون أن يدرى.
          ويمكننا أن نتحدث كثيراً إليكم بخصوص هذه الأمور بحسب استعدادكم وإخلاصكم، ولكننا أعطيناكم نقطة بداية، تستطيعون كأناس ذوى حكمة وفهم أن تتأملوا في هذه الكلمات وتفحصوا قوتها وتصيروا أكثر فهماً وحكمة في الرب. وتزدادوا في بساطة القلب، في النعمة وفي قوة الحق، وهكذا إذ تتمسكون بخلاصكم بكل يقين، وتتحررون من كل محاربات الشرير وخداعات العدو، فإنكم تُحسبون أهلاً لأن توجدوا بلا عثرة، ولا دينونة في يوم ربنا يسوع، الذي له المجد إلى الأبد , أمين.
لقراءة باقي عظات القديس مكاريوس :   أضغط هنا
August 5, 2011 / kyrillosnagy

عظات القديس مكاريوس الكبير , العظة من الحادية و الثلاثين إلى الأربعين

العظة الحادية والثلاثون
تغيير الذهن والصلاة الحقيقية
” في أنه ينبغي أن المؤمن يتغير في ذهنه، ويجمع أفكاره كلها في الله. فإنه في هذا تتركز كل خدمة الله”.
تغيير القلب :
          1 ـ ينبغي على المؤمن أن يتوسل إلى الله لكي يغيّره في كل اتجاهاته وأغراضه بتغيير قلبه، من المرارة إلى الحلاوة وأن يتذكر كيف شفي الرجل الأعمى، وكيف حصلت المرأة نازفة الدم على الشفاء بلمسها ثوب المسيح وهو الذي سبق أن غيّر طبيعة الأُسود المفترسة، وحوّل طبيعة النار، فإن الله هو الصلاح الذي لا مثيل له والخير الأعلى، وينبغي أن تُجمع فيه ونحوه عقلك وأفكارك ولا تفكر في شيء آخر، سوى أن تنتظره وتنظر إليه برجاء وثقة.
          2 ـ لذلك فلتكن النفس مثل ذلك الإنسان الذي يجمع الأطفال الضالين معاً، وهكذا تجمع النفس الأفكار التي شتتتها الخطية وتؤنبها بشدة. وتقود الأفكار للرجوع إلى بيتها، وهى تنتظر الرب دائماً بالصوم والمحبة لكي يأتي إليها ويجمع الأفكار حقاً. وحيث إن المستقبل غير مضمون، لذلك ينبغي على المؤمن أن يضع رجاءه بالأكثر في قائده، ويكون مملوءً بالرجاء الصالح، ويتذكر كيف أن راحاب وهى تعيش بين الغرباء آمنت بإله إسرائيل وحُسبت مستحقة أن تشترك في امتياز شعب الله القديم، بينما الإسرائيليون أنفسهم تحوّلوا بعواطفهم ورجعوا بقلوبهم إلى مصر. لذلك فكما أن راحاب لم يصبها أي أذى وهى تسكن بين الغرباء، بل إن إيمانها أعطاها نصيباً في ميراث الإسرائيليين، هكذا الخطية لن تؤذى أولئك الذين بالرجاء والإيمان ينتظرون الفادي الذي حينما يأتي إليهم فإنه يغيّر أفكار النفس ويجعلها إلهية وسماوية، وصالحة، ويعلم النفس الصلاة التي بلا تشتت أو زيغان. أنظر قول الرب ” لا تخف أنا أسير أمامك والهضاب أمهد، أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف” (إش2:45). ويقول أيضاً ” أحذر أن يكون في قلبك فكر شر خفي، ولا تقل في قلبك هؤلاء الشعوب أكثر منى وأقوى” (تث9:15، 17:7).
          3 ـ فإذا لم تنحل نفوسنا بالتكاسل، وبإعطاء مراعى عقولنا لأفكار الخطية المشوشة، بل بالعكس نجذب عقولنا بإرادتنا ونغصب أفكارنا إلى الرب، فإنه بلا شك يأتى إلينا ويجمعنا إليه بالحق.
انتظار الرب في الداخل :
          إن كل ما يرضى الله وكل خدمة تُقدم له إنما هي موجودة في القلب. لذلك اجتهد أن ترضى الرب ناظراً إليه كل حين ومنتظراً إياه في داخلك، وفتش عنه في أفكارك واغتصب إرادتك وقصدك لتتجه وتمتد دائماً نحوه وحينئذ ستنظر كيف يأتي إليك ويصنع عندك منزلاً (يو24:14). فبقدر ما تجمع عقلك لتطلبه فإنه يتنازل إليك بحنان أكثر جداً وصلاح فائق ورحمة ويأتى إليك ويعطيك راحة وبهجة، إنه يقف ناظراً إلى عقلك وأفكارك ورغباتك، ويرى كيف تطلبه، هل تطلبه حقيقة بكل نفسك بلا تغافل وبلا إهمال؟
          4 ـ وحينما ينظر غيرتك في طلبه، فإنه حينئذِ يُظهر ويكشف نفسه، ويعطيك معونته الخاصة ويجعل لك النصرة وينقذك من أعدائك. وهو إذ ينظر أولاً كيفية طلبك له وانتظارك إياه بكل قلبك برجاء لا ينقطع نحوه، فإنه حينئذ يعلمك ويعطيك الصلاة الحقيقية والمحبة الحقيقية التي هي الرب نفسه الذي يصير لك في داخلك كل شيء: الفردوس، وشجرة الحياة، واللؤلؤة الكثيرة الثمن، والإكليل، والباني، والزارع، والمتألم، والذي لا يتألم، والإنسان، والإله، والكرمة، والماء الحي، والعريس، والمحارب، والسلاح، المسيح الكل في الكل.
          وكما أن الطفل لا يعرف أن يعتني بنفسه أو يعمل أموره بنفسه ولكنه يتطّلع فقط إلى أمه ويصرخ ويبكى إلى أن تتحرك إليه بحنان وتحمله، هكذا النفوس المؤمنة فإنها تضع رجاءها في الرب وحده وتنسب كل بر إليه وحده. وكما أن الغصن يجف بدون الكرمة، وهكذا أيضاً من يشتهى أن يتبرر بدون المسيح. وكما أن السارق واللص هو الذي لا يدخل من الباب بل يطلع من موضع آخر، هكذا أيضاً الإنسان الذي يبرر نفسه بدون الذي يُبرّر.
لنقدم كل نياتنا وأفكارنا :
          5 ـ لذلك فلنأخذ جسدنا هذا ونجعله مذبحاً، ونضع عليه كل نياتنا وأفكارنا ، ونتوسل إلى الرب أن يرسل من السماء النار العظيمة غير المنظورة فتلتهم المذبح وكل ما عليه. ويسقط جميع كهنة البعل الذين هم القوات المضادة. وحينئذٍ سنرى المطر الروحاني آتياً إلى النفس مثل كف إنسان، وهكذا يتحقق فينا وعد الله كما هو مكتوب بالنبي ” سأقيم وأبنى أيضاً خيمة داود الساقطة وسأبنى ردمها وأقيمها ثانية” (أع16:15) حتى أن الرب برحمته ومحبته يُشرق على النفس التي تسكن في الليل والظلمة وفي سكر الجهالة، لكيما تستيقظ وتفيق إلى التعقّل وتسير بلا تعثر، وتعمل أعمال النهار والحياة. فإن النفس تتغذى وتنمو من المصدر الذي تأكل منه، إما من العالم أو من روح الله، والله نفسه يجد غذاء في داخلها، ويحلّ فيها ويحيا ويجد راحة ويسكن فيها.
          6 ـ وبالاختصار، فإن كل واحد يمكنه، إذا شاء أن يختبر نفسه ويرى من أين يأخذ غذاءه وتنعمه، وأين يعيش، وفي أي حالة يجد نفسه، وهكذا إذ يدرك ذلك ويفهمه ويحصل على تمييز دقيق وحكم صحيح، يمكنه أن يسلّم نفسه تماماً للتحرك في اتجاه ما هو صالح.
انتبه لنفسك وأطلب قوة فعل المسيح :
          وحينما تكون في الصلاة، فانتبه إلى نفسك، ولاحظ أفكارك والحركات التي تتحرك فيك، من أين تأتى؟ هل هي من الله أم من العدو؟ ومن الذي يمد قلبك بالغذاء، هل هو الرب أم ولاة العالم الذين لهذا الدهر؟ وحينما تكملين، أيتها النفس، هذا الامتحان وتعرفيه، فتوسلي إلى الرب برغبة واجتهاد لكي تحصلي على الغذاء السماوي والنمو، وعلى قوة فعل المسيح بحسب القول المكتوب ” إن سيرتنا هي في السموات” (في20:3). وليس ذلك في شكل أو رمز كما يتخيل البعض (بل حقاً في السموات).
          وانظر، عقل وفهم أولئك الذين لهم فقط صورة التقوى، فإن فكرهم عن التقوى هو مثل العالم. وأنظر إلى تحرك ميولهم، وتموج وتذبذب قصدهم وفكرهم غير الثابت وخوفهم وفزعهم، بحسب القول المكتوب ” بالأنين والرعب تكون على الأرض” (تك12:4 السبعينية)، وبحسب عدم إيمانهم وارتباك أفكارهم المضطربة فإنهم يتقلبون كل ساعة مثل بقية الناس في العالم. مثل هؤلاء الأشخاص يختلفون عن العالم في الشكل الخارجي فقط، ولكن ليس في القلب والفكر، ويختلفون عن العالم فقط في الممارسات الجسدية التي للإنسان الخارجي، بينما في القلب والفكر هم ينجذبون في كل الاتجاهات التي في العالم. وهم مربطون بالرباطات الأرضية والهموم غير المثمرة ولم يحصلوا على السلام من السماء في قلوبهم كما يقول الرسول: “يملك في قلوبكم سلام الله” (كو15:3). هذا السلام الذي يملك على عقول المؤمنين ويجددها في محبة الله ومحبة كل الأخوة. والمجد والسجود للآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين
العظة الثانية والثلاثون
ثوب المجد الآن وفي القيامة
إن مجد المسيحيين يسكن منذ الآن في نفوسهم، وسيظهر في وقت القيامة ويمجّد أجسادهم بقدر إيمانهم وقداستهم.
استنارة سماوية :
          1 ـ توجد لغات مختلفة في هذا العالم. كل أمة لها لغة خاصة بها. وأما المسيحيون فإنهم يتعلّمون لغة واحدة جديدة، وجميعهم يتهذبون بحكمة واحدة هي حكمة الله، وليست حكمة هذا العالم ولا هذا الدهر الزائل. وعندما يسير المسيحيون في هذه الخليقة الجديدة فإنهم ينالون استنارة سماوية جديدة وأمجاداً وأسراراً يحصلون عليها من رؤية الأشياء الظاهرة التي يبصرونها بحواسهم.
          هناك أنواع مختلفة من الحيوانات الأليفة، مثل الحصان والثور وكل منها له جسده وصوته الخاص به. هكذا أيضاً بين الحيوانات المتوحشة، فالأسد له جسده الخاص به وصوته المتميز. وهكذا الإيل أيضاً. وبين الحيوانات الزاحفة توجد أنواع كثيرة. وهكذا أيضاً بين الطيور توجد أنواع من الأجسام. فجسد النسر وصوته نوع، وجسم الصقر وصوته نوع آخر. وهكذا أيضاً توجد نفس الاختلافات والأنواع في البحر فتجد أجسام كثيرة غير متشابهة. وكذلك في الأرض توجد أنواع بذور كثيرة وكل بذرة لها ثمرتها الخاصة. وتوجد أشجار كثيرة بعضها كبير وبعضها صغير وتعطى محاصيل مختلفة، وكل نوع من الثمار له طعم ومذاق خاص. وهناك أيضاً الأعشاب وهى أنواع مختلفة كثيرة، فالبعض منها معروف بنفعه للعلاج والشفاء، والبعض الآخر يعطى فقط رائحة طيبة. ولكن كل صنف من الأشجار يخرج من داخله ما يكسوه من الخارج وهو ما تنظره العين أي الأوراق والزهور والثمار. وبالمثل البذور التي تخرج من الداخل ما يكسوها وهو ما نراه بعيوننا. وكذلك السوسن (الزنابق) أيضاً تنتج من داخلها كساءها الذي يزين الأرض.
الثوب السماوي :
          2 ـ هكذا أيضاً المسيحيون الذين حُسبوا أهلاً منذ الآن في هذه الحياة أن يحصلوا على الثوب السماوي، فإنهم يحملون ذلك الثوب ساكناً في داخل نفوسهم، وحينما تنحل هذه الخليقة الحاضرة بحسب تعيين الله وعلمه السابق وتزول السماء والأرض فإن ذلك الثوب السماوي الذي كان يكسو نفوسهم منذ الآن ويمجدها والذي يمتلكونه في داخل قلوبهم، هذا الثوب نفسه سوف يكسو ويمجد أيضاً أجسادهم العارية، التي تقوم من القبور، الأجساد التي تقوم في ذلك اليوم مكتسية بالموهبة السماوية غير المنظورة وبذلك الثوب السماوي الذي يناله المسيحيون في هذه الحياة منذ الآن.
          وكما أن الإبل، حينما تجد حشيشاً فإنها تجرى إليه بسرعة وشراهة وتأكله وتخزّن منه غذاء في داخلها، وفي وقت الجوع تسترجع المخزون من معدتها وتمضغه وتجتّره وبذلك تتغذى من الطعام الذي سبق أن اختزنته، هكذا أولئك الذين يغتصبون ملكوت السموات وقد ذاقوا الطعام السماوي ويعيشون في الروح فإنهم في وقت القيامة ينالون ذلك الطعام عينه ليغطى ويدفئ كل أعضائهم.
          3 ـ فكما تحدثنا عن أنواع من البذور، وأن كثير منها يُزرع في نفس الأرض وينتج أنواعاً مختلفة من الثمار. وهكذا أيضاً نفس الأمر بالنسبة للأشجار. فالبعض منها كبير والبعض صغير ولكن أرضاً واحدة تجمع جذورها جميعاً. هكذا أيضاً الكنيسة السماوية فهي واحدة ولكن توجد فيها أعداداً لا تُحصى، وكل شخص فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة به لأنه كما أن الطيور تُخرِج من أجسادها غطاءً لها وهو ريشها إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بين أنواع الطيور. فالبعض منها يطير قريباً من الأرض بينما البعض الآخر يطير عالياً جداً في الهواء. أو كما أن السماء واحدة ولكنها تحوى نجوماً كثيرة البعض منها أشد لمعاناً وإضاءة وبعض منها كبير والبعض الآخر صغير، إلاّ أنها جميعها موجودة ثابتة في نفس السماء الواحدة. هكذا أيضاً القديسون فإنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة، وهم متأصلون أيضاً في الأرض غير المنظورة. هكذا أيضاً الأفكار التي تأتى إلى البشر، فهى مختلفة، ولكن الروح، إذ يأتى إلى القلب فإنه يصنع فكراً واحداً، فإن الذين هم فوق والذين هم أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد.
الظل والحقيقة :
          4 ـ ولكن ما هو معنى الحيوانات ” المشقوقة الظلف” (لا3:11) حيث إنها تسير وتجرى بسرعة بواسطة ظلفيها، وهى ترمز لأولئك الذين يسلكون باستقامة في الشريعة. ولكن كما أن ظِلّ الجسد يتكوّن بسبب الجسد ولكنه لا يستطيع أن يتمم أي وظيفة من وظائف الجسد ـ فإن الظلّ لا يستطيع أبداً أن يضمد الجروح أو يعطى الطعام أو يتكلم ـ ومع ذلك فهو يتكوّن بسبب الجسد و يشير مقدماً إلى مجيء الجسد، هكذا أيضاً الناموس القديم هو ظل للعهد الجديد (كو17:2). والظلّ يُظهر الحقيقة مقدماً، ولكنه لا يملك خدمة الروح. فإن موسى، لا يستطيع بالجسد أن يدخل إلى القلب وينتزع ثياب الظلمة الدنسة. ولا يستطيع أن يلاشى ويحل قوة الظلمة الخبيئة إلاّ روح من روح ونار من نار. فالختان في ظل الناموس يشير إلى اقتراب مجيء ختان القلب الحقيقي. والاغتسال والمعمودية حسب الناموس هي ظل للأمور الحقيقية، فإن معمودية الناموس كانت تغسل الجسد، ولكن هنا الآن توجد معمودية النار والروح التي تُطهر وتغسل العقل المدنس.
العهد القديم والعهد الجديد :
          5 ـ وهناك (في الناموس) كاهن ” مُحاط بالضعف” (عب2:5) كان يدخل إلى الأقداس مقدماً الذبائح عن نفسه وعن الشعب، وأما هنا الآن فرئيس الكهنة الحقيقي، المسيح، قد دخل مرة واحدة إلى الأقداس غير المصنوعة بأيدي وإلى المذبح الذي فوق، وهو مستعد لتطهير أولئك الذين يسألونه ولتطهير الضمير الذي تدنس. فهو يقول “وسأكون معكم إلى إنقضاء الدهر” (مت20:28).
          وكان رئيس الكهنة له حجرين كريمين على صدره، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر، وكان هذا ليكون رمزاً ومثالاً، لأن الرب أيضاً بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل وأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم أجمع. وها أنت ترى كيف أن الظل يشير إلى اقتراب الحقيقة. ولكن كما أن الظل لا يصنع لنا شيئاً ولا يشفي جروحاً، هكذا الناموس القديم لم يكن يستطيع أن يشفي جروح النفس وأوجاعها لأنه لم تكن له حياة.
          6 ـ إن اتحاد مادتين معاً يؤدى إلى شيء واحد كامل، كالعهدين. فالإنسان خُلق على صورة الله ومثاله. وهو له عينان، وحاجبان، ويدان، وقدمان. فلو حدث أن إنساناً له عين واحدة أو يد واحدة أو قدم واحدة فإن هذا يكون عيباً مؤسفاً، والطير الذي يكون له جناح واحد لا يستطيع أن يطير.
          هكذا أيضاً الطبيعة البشرية، فإن بقيت عارية. وبنفسها فقط ولم تنل الاتحاد والشركة مع الطبيعة الإلهية فإنها لا تستقيم أبداً ولا تكتمل، بل تظل عارية ومستحقة للّوم في طبيعتها الخاصة بسبب وضاعتها وأدناسها. فإن النفس ذاتها دُعيت هيكلاً لله ومسكناً له، وعروساً للملك. فإنه يقول ” إنى سأسكن فيهم وأسير بينهم” (2كو16:6).
          وهكذا كانت مسرة الله، أن يأتي من السماء المقدسة ويأخذ طبيعتك العاقلة، فهو أخذ جسداً من الأرض ووحّده بروحه الإلهي، حتى تستطيع أنت (الأرضي)، أن تنال الروح السماوي. وحينما تصير لنفسك شركة مع الروح وتُدخل الروح السماوي في نفسك، فحينئذ تكون إنساناً كاملاً في الله، ووارثاً وابناً.
تواضع الله وعنايته بك :
          7 ـ ولكن كما أنه غير مستطاع للأكوان العليا ولا للأكوان السفلى أن تحتوى عظمة الله أو طبيعته التي تفوق الإدراك، هكذا أيضاً لا تستطيع لا الأكوان العليا ولا الذين على الأرض أن يفهموا تواضع الله وكيف يجعل نفسه صغيراً لأجل أولئك الصغار المتواضعين. فكما أن عظمته تفوق الفهم هكذا أيضاً تواضعه يفوق الإدراك. ويمكن أن يحدث أن عنايته ترتب لك أن تجوز في شدائد وآلام ولكن ما تظنه مضاداً لك وضاراً بك، يتأكد بعد ذلك أنه لخير ومنفعة نفسك. فإذا رغبت أن تعيش في العالم وتكون غنياً، فيقابلك سوء الحظ وعدم التوفيق وحينئذٍ تبتدئ أن تفكر في نفسك وتقول: ” لأني لم أصب نجاحاً في العالم، هل أتركه وأتخلى عن كل شيء وأعبد الله”، وبعد أن تصل إلى هذه النقطة فإنك تسمع الوصية قائلة ” بع كل مالك” (مت21:19) ” وأرذل كل تعلقات جسدية واخدم الله”. حينئذٍ تبتدئ تشكر الله لأجل عدم توفيقك ونجاحك في العالم وتقول في نفسك “لأني بسبب هذا صرت مطيعاً لوصية المسيح”.
          حسناً إذن، فإنه بسبب الأمور الخارجية قد تغيّر ذهنك ورفضت العالم والارتباطات الجسدية، لذلك يليق بك أيضاً أن تتغير في الذهن من الحكمة الجسدية إلى الحكمة السماوية. وبعد ذلك تبتدئ أن تميّز صوت الحكمة السماوية الذي تسمعه وتتعلمه في داخلك ولا تهدأ وتسكت بل تهتم وتجتهد لتحقيق ما قد سمعته.
الرب يتحدث إليك :
          8 ـ وحينما تظن أنك قد أتممت كل شيء برفضك للعالم، فإن الرب يتحدث إليك قائلاً ” لماذا تفتخر؟ ألم أخلق أنا جسدك ونفسك؟ ألم أخلق الذهب والفضة؟ ماذا فعلت أنت” وحينئذٍ تبتدئ النفس تعترف للرب وتتوسل إليه وتقول ” كل الأشياء هي لك والبيت الذي أسكن فيه هو لك. ثيابي لك. ومنك أنال طعامي، ومنك أحصل على كل احتياجاتي”.
          حينئذٍ يجيب الرب قائلاً: ” أشكرك. هذه الخيرات كلها هي لك أنت. والإرادة الصالحة هي إرادتك، وبسبب محبتك لي وإلتجائك إلى، تعال، فإني سأعطيك ما لم تحصل عليه قبلاً، ولا يمتلكه الناس على الأرض. خذني لك، أنا ربك، لأكون مع نفسك. لكي تكون دائماً معي في فرح وابتهاج”.
النفس عذراء للرب :
          9 ـ وكما أن المرأة التي تقترن بزوج تُحضر كل ما تملك وكل مهرها، ومن شدة محبتها تضع بين يدي زوجها كل شيء قائلة له “ليس لي شيء خاص ملكي. كل ما أملك هو لك. مهري لك وأيضاً نفسي وجسدي لك”. هكذا أيضاً النفس الحكيمة هي عذراء للرب، إذ لها شركة مع الروح القدس.
          ولكن كما أن الرب، حينما جاء على الأرض تألم وصُلب، هكذا ينبغي أيضاً أن تتألم معه. لأنك حينما تترك العالم وتبتدئ تطلب الله وتصير ذا تمييز، فحينئذٍ ستجد نفسك في حرب مع طبيعتك في عاداتها وعوائدها القديمة التي قد نمت معك. وفي حربك ضد هذه العادات، فإنك تكتشف أفكاراً مضادة لك وتحارب عقلك، وهذه الأفكار تحاول أن تجرك وتجعلك منشغلاً مرة أخرى بالعالم المادي الذي خرجت منه سابقاً وتركته.
النعمة تقودك في الشدائد :
          وحينئذٍ تبتدئ أن تقاتل وتحارب في الحرب واضعاً أفكار في مواجهة أفكار، وعقل في مواجهة عقل، ونفس ضد نفس، وروح ضد روح. وبكلمة مختصرة فإن النفس تكون في آلام وتعب.
          10 ـ لأنه تنكشف هناك قوة ظلام خفية خبيثة، مختبئة في القلب. ولكن الرب يكون قريباً جداً من نفسك وجسدك وهو يرى قتالك، ويضع في داخلك أفكاراً سماوية خفية، ويبتدئ أن يعطيك راحة في الداخل ولكنه يسمح بتقويم وتهذيب نفسك والنعمة نفسها توجهك في كل هذه الشدائد. وهى التي تقودك. وحينما تصل إلى الراحة فإن النعمة تعلن نفسها لك وتوضح لك أنه من أجل منفعتك قد سمحت لك بهذه الآلام لتدريبك.
          فكما يحدث حينما يكون لرجل غنى ابن صغير ويحضر لهذا الابن مربياً لتهذيبه. فلفترة من الوقت يؤدبه بالضربات والجروح والجلدات، وتبدو الضربات ثقيلة جداً إلى أن يصير الولد إلى النضج والرجولة، فإنه حينئذٍ يبتدئ أن يشكر المربى الذي علمه. هكذا أيضاً فإن النعمة تؤدبك بتدبير الله وتربيك إلى أن ” تصل إلى إنسان كامل” (أف13:4).
          11 ـ إن الفلاح يلقى البذار في كل ناحية، والذي يغرس كرماً يشتهى أن كل غصن فيه يحمل ثماراً. لذلك يستعمل منجل التشذيب لتنقية الأغصان، وحينما لا يجد ثمراً بعد ذلك فإنه يحزن. هكذا أيضاً الرب يريد أن تُزرع كلمته في قلوب الناس. ولكن كما أن الفلاح يحزن على الأرض التي لا تُثمر، هكذا يحزن الرب على القلب الذي لا يعطى ثمراً. وكما أن الرياح تهب في جميع الاتجاهات على كل الخليقة، وكما أن الشمس تضئ الكون كله، هكذا فإن الله هو في كل مكان، وتجده في كل مكان. فإن طلبته في السماء فإنه موجود في أفكار الملائكة. وإن طلبته على الأرض فإنه موجود أيضاً في قلوب الناس. ولكن قليل بين الكثيرين من المسيحيين هم الذين يرضونه. والمجد والعظمة للآب والابن والروح القدس. آمين
العظة الثالثة والثلاثون
الصلاة بانتباه
” ينبغي أن نصلى لله بلا انقطاع وبانتباه “.
كيف نصلى :
          1 ـ ينبغي أن نصلى، ليس بحسب أي عادة جسدية، ولا بعادة رفع الصوت والصراخ، ولا بعادة الصمت، أو إحناء الركب. بل ينبغي أن يكون لنا عقل منتبه وبهدوء ورزانة ننتظر الله ونتوقعه، إلى أن يأتي إلينا ويفتقد النفس من خلال كل مخارجها ومسالكها وحواسها. وهكذا فإننا حينئذٍ نكون صامتين حينما ينبغي الصمت، ونصلى بصوت مرتفع حينما ينبغي ذلك، ونصلى بصراخ ما دام العقل مشدوداً بقوة نحو الله. وكما أن الجسد حينما يقوم بأي عمل، فإنه يكون منشغلاً تماماً بهذا العمل وكل أعضاؤه يساعد بعضها بعضاً، كذلك فلتكن النفس مُقدمةً ومُعطاةً للرب تماماً بالصلاة والمحبة نحو الرب. ولا تتشتت وتُحمل بواسطة أفكارها، بل تسعى بكل طاقتها وتجمع نفسها مع كل أفكارها مصممة على انتظار المسيح ملازمة إياه.
          2 ـ وهكذا فإنه سيشرق عليها، ويعلّمها الصلاة الحقيقية. معطياً إياها الصلاة الروحانية النقية، والتي تليق بالله، ” والسجود الذي هو بالروح والحق” (يو24:4)، ولكن كما أن الإنسان الذي يشتغل بالتجارة لا يكتفي بطريقة واحدة للحصول على المكسب بل يمتد بكل طريقة ليضاعف أرباحه، ويزيدها، ويجرّب وسيلة بعد أخرى، ثم يجرى محاولات أخرى، محترساً فقط مما لا ربح فيه. بل إنه يجرى إلى ما فيه الربح الأكثر، هكذا نحن أيضاً فلنعد أنفسنا بكل مهارة وبكل قدرة على الحركة والنشاط من جميع الجوانب لكي نربح الربح الحقيقي العظيم، أي الله نفسه، الذي يعلّمنا كيف نصلى بالحق. وبهذه الطريقة فإن الرب يحل على النفس ذات القصد الصالح، جاعلاً إياها عرشاً لمجده ويجلس ويستريح عليها. وهذا ما سمعناه من النبى حزقيال عن الخلائق الروحانية التي كانت مربوطة بمركبة الرب. وهو يُظهرها لنا كأنها كلها عيوناً. وبطريقة مشابهة فإن النفس التي تحمل الله أو بالأحرى يحملها الله فإنها تصير كلها عيوناً.
سكنى المسيح في النفس :
          3 ـ وكما أن البيت الذي يوجد سيده في داخله يكون مملوءً بالتنسيق والجمال والانسجام، هكذا النفس التي يكون ربها ساكناً معها، ومقيماً فيها، فإنها تمتلئ بكل جمال ونعمة. إذ يكون لها الرب بكل كنوزه الروحية ساكناً فيها وهو الذي يقودها ويوجّه حركتها.
          ولكن الويل للبيت الذي لا يكون سيده فيه. إذ يكون مقفراً خرباً ويمتلئ من كل قذارة وفوضى وهناك كما يقول النبى تسكن ” وحوش القفر والشياطين” (إش14،13:34 السبعينية). وفي البيت المهجور توجد القطط والكلاب وكل نجاسة.
          الويل إذن للنفس التي لا تقوم من سقوطها الفادح، ولا تقبل في داخلها رب البيت الصالح، الذي هو المسيح ليسكن فيها، بل تبقى في نجاستها ويظلّ في داخلها أولئك الذين يقنعونها ويجبرونها على معاداة عريسها، وراغبين أن يفسدوا أفكارها بعيداً عن المسيح.
          4 ـ ولكن حينما يرى الرب أن النفس تجمع ذاتها بأقصى طاقتها، وتطلبه دائماً منتظرة إياه ليلاً ونهاراً، وتصرخ إليه، كما أوصى الرسول أن ” نصلى بلا انقطاع” (1تس7:5) فإنه ” ينصفها” (لو 17:18)، مطهراً إياها من الشر الذي في داخلها. وهو ” سيحضرها لنفسه ” عروساً” لا دنس فيها ولا غضن ” (أف27:5).
انظر إلى ذاتك :
          فإن كنت تؤمن وتصدق بأن هذه الأشياء صحيحة كما هي في الحقيقة، فانظر إلى ذاتك جيداً، إن كانت نفسك قد وجدت النور الذي يرشدها والطعام والشراب الحقيقي، الذي هو الرب. فإذا لم تكن قد وجدت، فأطلب ليلاً ونهاراً لكي تنال. وحينما ترى الشمس (الطبيعية) فأطلب الشمس الحقيقية إذ أنك أعمى. وحينما تنظر النور (الطبيعي)، فانظر إلى داخل نفسك، هل قد وجدت النور الحقيقي الصالح؟ لأن كل الأشياء المنظورة للحواس هي ظل للأمور الحقيقية الخاصة بالنفس.
          فإنه يوجد في داخلنا إنسان آخر غير هذا الإنسان المنظور، وتوجد عيون داخلية قد أعماها الشيطان وآذان قد أصمّها. ويسوع قد جاء لكي يجعل هذا الإنسان الداخلي صحيحاً معافي. له المجد والقدرة، مع الآب والروح القدس إلى الأبد. آمين.
العظة الرابعة والثلاثون
تمجيد الأجساد في القيامة
بخصوص المجد الذي سيُوهب لأجساد المسيحيين في القيامة وكيف ستضيء أجسادهم مع نفوسهم.
قيامة النفس أولاً ورؤيتها لمجد اللاهوت :
          1 ـ كما أن العيون الجسدية ترى كل شيء بوضوح، هكذا نفوس القديسين ينكشف لها جمال اللاهوت ويصير ظاهراً لها وينجذب المسيحيون في تأمل محاسن اللاهوت والتفكير فيها. ولكن مجد اللاهوت هذا إنما هو مُخفي عن العيون الجسدية، وهو يُكشف بوضوح للنفس المؤمنة ـ النفس التي كانت ميتة ـ والتي يقيمها الرب من الخطية، كما أقام الأجساد المائتة أيضاً، وهو يعد لها “سماء جديدة” و” أرضاً جديدةً” (رؤ1:21) وشمساً للبر، معطياً للنفس كل شيء من لاهوته.
          فهناك عالم حقيقي وأرض حية، وكرمة مثمرة، وخبز الحياة، وماء حي، كما هو مكتوب ” إني أؤمن بأن أرى خيرات الرب في أرض الأحياء” (مز13:27)، وأيضاً ” ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها” (ملاخى2:4). وأيضاً الرب نفسه يقول ” أنا هو الكرمة الحقيقية” (يو1:15). وأيضاً ” أنا هو خبز الحياة” (يو35:6) وأيضاً ” كل من يشرب من الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو14:4).
          2 ـ لأن مجئ الرب كان كله لأجل الإنسان ـ الإنسان الذي كان مطروحاً ميتاً في قبر الظلمة والخطية والروح النجس والقوات الشريرة ـ لكي يقيم الإنسان ويحييه في هذه الحياة الحاضرة ويطهره من كل سواد وظلمة، وينيره بنوره الخاص، ويُلبسه ثوبه الخاص، أي الثوب السماوي الذي هو ثوب اللاهوت.
تمجيد الأجساد التي أُقيمت نفوسها :
          ولكن في قيامة الأجساد، التي سبق أن أُقيمت نفوسها قبلاً وتمجدت، فإن الأجساد أيضاً تتمجد حينئذٍ مع النفوس، وتستنير بالنفس التي قد استنارت وتمجّدت في هذه الحياة الحاضرة لأن الرب هو بيتهم وخيمتهم ومدينتهم. وهم يلبسون مسكناً من السماء “غير مصنوع بأيدي” (2كو1:5)، وهو مجد النور الإلهي إذ قد صاروا أبناء النور.
          وهم لن ينظروا إلى بعضهم البعض بعين شريرة، لأن الشر نُزع منهم. وهناك ” لا يوجد ذكر وأنثى ولا عبد وحر” (غل28:3). لأن الجميع يتغيّرون إلى طبيعة القداسة الإلهية ويصيرون ذوى صلاح وخير، وآلهة وأبناء لله. هناك يخاطب الأخ أخته بسلام بلا خجل أو تشويش، لأن الكل واحد في المسيح ويستريحون في النور الواحد.
          والواحد ينظر إلى الآخر وفي نظره يضئ بالحق، في التأمل الحقيقي للنور الذي لا يُعبّر عنه.
أمجاد تفوق كل تعبير :
          3 ـ وهكذا بأشكال كثيرة، وأمجاد إلهية كثيرة متنوعة ينظرون بعضهم بعضاً وكل منهم ينذهل ويفرح ” بالفرح الذي لا يُنطق به” (1بط8:1) إذ ينظرون مجد بعضهم البعض. انظر كيف أن أمجاد الله تفوق كل تعبير ونُطق وتفوق كل فهم فهي أمجاد النور الذي لا يُعبّر عنه والأسرار الأبدية وخيرات لا تُعد ولا تُحصى.
          وكما أنه في عالم الحواس يستحيل على أي إنسان أن يدرك عدد نباتات الأرض، أو البذور أو أنواع زهور الأرض ولا يقدر إنسان واحد أن يقيس أو يفهم غنى الأرض كلها، وكذلك في البحر لا يستطيع إنسان أن يحصى الكائنات الحية التي فيه بكل أنواعها واختلافاتها أو أن يقيس مياه البحر واتساعه وعمقه. وكذلك في الهواء لا يستطيع أحد أن يعرف عدد الطيور، أو أنواعها وأجناسها، وأيضاً لا يستطيع أن يفهم عظمة السماء ويدرك مواقع النجوم ومساراتها، هكذا أيضاً فإنه يستحيل أن ننطق أو نصف غنى المسيحيين الذي لا يُقاس ولا تستطيع أن تدركه العقول. لأنه إن كانت تلك المخلوقات لا عدد لها ولا حصر ولا يستطيع أن يدركها عقل إنسان تماماً، فكم بالحري يكون ذلك الذي خلقها وأعدها!
          لذلك ينبغي على كل واحد بالحري أن يفرح جداً ويُسرّ لأن مثل هذا الغنى ومثل هذا الميراث، قد أُعد للمسيحيين، حتى أنه لا يستطيع أحد أن ينطق به أو يشرحه شرحاً كافياً.
          بل بكل اجتهاد واتضاع ينبغي أن نسير في الجهاد المسيحي وننال ذلك الغنى. لأن ميراث المسيحيين ونصيبهم هو الله نفسه. كما يقول النبى ” الرب هو نصيب ميراثي وكأسى” (مز5:16). والمجد لذلك الذي يعطى نفسه ويُشرك نفوس المسيحيين في قداسة طبيعته إلى الأبد آمين
العظة الخامسة والثلاثون
السبت القديم والسبت الجديد
          1 ـ في ظل الناموس الذي أُعطى بواسطة موسى، أمر الله بأن كل إنسان ينبغي أن يستريح يوم السبت ولا يعمل شيئاً. وكان هذا رمزاً وظلاً للسبت الحقيقي الذي يعطيه الرب للنفس. لأن النفس التي قد مُنح لها أن تصير حرة من الأفكار المنحطة النجسة، فإنها تحفظ السبت الحقيقي وتتمتع بالراحة الحقيقية، إذ تكون عاطلة وفي فراغ فيما يخص أعمال الظلمة. ففي السبت الرمزي، رغم أنهم كانوا يستريحون راحة جسدية، إلاّ أن نفوسهم كانت مستعبدة للشرور والخطايا. وأما هذا السبت الحقيقي، فهو راحة حقيقية، إذ تكون النفس عاطلة عن غوايات الشيطان ومُطهرة منها، وتستريح في الراحة الأبدية وفرح الرب.
          2 ـ وكما أمر الله (في القديم) أن الحيوانات غير العاقلة أيضاً ينبغي أن تستريح في البيت، وأن الثور لا ينبغي أن يُوضع عليه النير وألاّ يحمل الحمار أثقالاً ـ فإنه حتى الحيوانات كانت تستريح من الأعمال الثقيلة ـ هكذا حينما أتى الرب وأعطى السبت الحقيقي الأبدي، فقد أعطى راحة للنفس التي كانت مُثقلة ومُحملة بأحمال الإثم الثقيلة والأفكار النجسة، وكانت تعمل تحت نير واضطرار أعمال الإثم لأنها كانت مُستعبدة لسادة قساة، فأراحها من أثقالها التي يعسر حملها، أراحها من الأفكار الباطلة والنجسة، ونزع عنها النير القاسي، نير أعمال الإثم وأراح النفس التي كانت مُتعبة ومُثقلة بأفكار وغوايات النجاسة..
تعالوا إلى… وأنا أريحكم:
          3 ـ إن الرب يدعو الإنسان إلى الراحة قائلاً ” تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11). وكل النفوس التي تطيع هذه الدعوة وتقترب إليه، فإنه يريحهم من كل هذه الأفكار الثقيلة المُتعبة والنجسة ويصيرون أحراراً من كل شر ويحفظون السبت الحقيقي المُبهج المقدس، ويعيدون عيد الروح، عيد الفرح والبهجة التي تفوق الوصف، ويقدمون خدمة نقية مرضية لله من قلب نقى. هذا هو السبت الحقيقي المقدس.
          لذلك فلنتوسل إلى الله لكي ” ندخل إلى هذه الراحة” (عب11:4)، ولكي نصير أحراراً من الأفكار المنحطة والشريرة والباطلة ، لكيما نستطيع أن نخدم الله من قلب نقى ونعيّد عيد الروح القدس. وطوبى للإنسان الذي يدخل إلى تلك الراحة. والمجد لمن هذه هي مسرته، أي الآب والابن والروح القدس، إلى الأبد آمين
العظة السادسة والثلاثون
درجات النعمة والمجد
عن قيامة النفوس وقيامة الأجساد وأنواع مجد الذين يقومون.
          1 ـ إن قيامة النفوس المائتة تحدث الآن في هذه الحياة، وأما قيامة الأجساد فتحدث في ذلك اليوم (الأخير). وكما أن النجوم جميعها ثابتة في السماء إلاّ أنها ليست جميعها متساوية، بل يختلف الواحد عن الآخر في اللمعان والحجم (1كو14:15)، هكذا الأمور الروحانية فإنه يوجد بها درجات من التقدم ” بحسب مقدار الإيمان بالروح الواحد نفسه” (رو3:12، 1كو9:12)، إذ يكون واحد أكثر غنى من الآخر. والكتاب يقول ” إن من يتكلم بلسان.. يتكلم بروح الله” (1كو2:14). فهو إنسان روحاني يكلم الله. ” وأما الذي يتنبأ فيبنى الكنيسة” (1كو4:14) وهذا الأخير عنده قدر أكبر من النعمة. فالأول يبنى نفسه فقط، أما الثاني فإنه يبنى الكنيسة أيضاً.
          وهذا يُشبه حبة الحنطة التي تُزرع في الأرض. فنفس الحبة في نفس الأرض تنتج حبوباً كثيرة ومختلفة. وأيضاً سنابل القمح بعضها كبير والبعض الآخر صغير ولكن كلها تُجمع معاً إلى بيدر (جرن) واحد، وإلى مخزن واحد. ورغم أن الحبوب مختلفة إلاّ أنه يُصنع منها خبز واحد.
          2 ـ وكما أنه يوجد في المدينة جموع من الناس، بعض منهم أطفال والبعض رجال والبعض شبان أحداث ولكنهم جميعاً يشربون من ينبوع واحد ويأكلون من خبز واحد ويستنشقون هواء واحد؛ أو في حالة المصابيح فهناك مصباح له فتيلتين وآخر له سبعة، ولكن حيثما تكون فتائل النور أكثر عدداً فهناك تكون الإضاءة أكثر.
          هكذا كل الذين هم في النور لا يمكن أن يكونوا في الظلمة، ولكن توجد بينهم درجات مختلفة في النور. وإذا كان لأب ابنان أحدهما طفل والآخر شاب، فإنه يرسل الشاب إلى المدن والبلاد الغريبة، أما الطفل فإنه يحفظه دائماً تحت رعايته لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً. والمجد لله آمين
العظة السابعة والثلاثون
الفردوس والناموس الروحاني
الفردوس :
          1 ـ ” محبة العالم عداوة لله كما هو مكتوب” (يع4:4) لهذا السبب فإن الكتاب المقدس يوصى كل واحد ” أن يحفظ قلبه بكل اجتهاد” (أم 23:4)، فعندما يحفظ الإنسان الكلمة في داخله مثل فردوس، فإنه يتمتع بالنعمة ولا ينصت إلى الحية التي تحاول أن تتحرك في الداخل وهى التي توحي بأشياء تقود إلى اللذة والتي بها يتولّد الغضب الذي يذبح الأخ، والنفس التي تخضع لهذه الشرور تموت.
          ولكن بالأحرى يجب على النفس أن تُنصت للرب الذي يقول “احرص على الإيمان والرجاء اللذان تتولد منهما محبة الله ومحبة القريب، هذه المحبة التي تعطى حياة أبدية”.
          إلى هذا الفردوس دخل نوح، حافظاً الوصية ومُطيعاً للرب، وبالمحبة أُنقذ من الغضب. وإبراهيم بحفظه لهذا الفردوس سمع صوت الله. وموسى بحفظه لهذا الفردوس نال المجد منعكساً على وجهه، وبالمثل فإن داود بحفظه لهذا الفردوس جاهد فهزم أعداءه. أما شاول أيضاً فطالما كان يراقب قلبه فإنه كان ينجح، ولكن حينما تعدى أخيراً، فإنه رُفض. فإن كلمة الله تأتى إلى كل واحد بمقدار. وعلى قدر ما يتمسك الإنسان بالكلمة ويحفظها فإنها تحفظه وتمسك به وتحرسه.
          2 ـ لهذا السبب فإن جماعة الأنبياء القديسين والرسل والشهداء، حفظوا الكلمة في قلوبهم غير مهتمين بشيء آخر بل احتقروا الأرضيات وثبتوا في وصية الروح القدس وفضلوا محبة الله بالروح وخيرات الروح على كل شيء آخر، وذلك ليس بالكلام فقط أو مجرد المعرفة، بل بالقول والفعل والممارسة الحقيقية في كل الأشياء، فاختاروا الفقر بدلاً من الغنى، والعار والإهانة بدلاً من المجد والافتخار، والآلام بدلاً من اللّذة والتنعم، ولهذا السبب أيضاً نالوا المحبة بدلاً من الغضب.
المحبة والغفران للمسيئين :
          لأنهم كما أبغضوا لذّات هذه الحياة، فإنهم أحبوا أولئك الذين يغتصبون منهم أشياء هذه الحياة، كأنهم يعاونونهم في تحقيق الهدف غير مميزين بين الصالح والشرير. فهم لم يتحولوا عن الصالحين ولا هم يتهمون الأشرار، إذ أنهم يعتبرون الجميع كسفراء لعناية وتدبير ربهم، لذلك فإنهم يراعون الجميع بمحبة وإشفاق. وحينما سمعوا الرب يقول ” اغفروا يُغفر لكم” (لو37:6) فإنهم حينئذٍ اعتبروا أولئك الذين أساءوا إليهم كفاعلي خير لأنهم أعطوا لهم الفرصة لينالوا الغفران لنفوسهم ، وحينما سمعوا الرب يقول أيضاً ” وكما تريدون أن يفعل الناس بكم أفعلوا أنتم هكذا أيضاً بهم” (مت12:7)، حينئذٍ بدأوا أن يحبوا الصالحين بحسب الضمير. وإذ تركوا برّ أنفسهم وطلبوا برّ الله فإنهم وجدوا المحبة متضمنة فيه بطريقة طبيعية.
          3 ـ لأن الرب، عندما أعطى وصايا كثيرة عن المحبة فإنه أوصانا أن نطلب ” بر الله” (مت33:6) لأنه يعرف أنه (أى برّ الله) هو والد المحبة، فلا يوجد طريق آخر به نتمّم خلاصنا إلاّ عن طريق قريبنا، كما أوصى قائلاً:” اغفروا يُغفر لكم” هذا هو القانون الروحاني الذي كُتب في القلوب المؤمنة وهو ” تكميل الناموس الأول” (رو 10:13) لأنه يقول ” لم أتِ لأنقض الناموس بل لأكمّل” (مت17:5)، وكيف كمّل الناموس؟. دعني أخبرك : فإذا حدث خطأ من إنسان، فإن الناموس الأول كان يدين بالأكثر الذي وُجه إليه الخطأ: ” لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك” (رو1:2)، والناموس يقول هكذا ” في وسط الدينونة، دينونة، وفي وسط الغفران، غفران” (تث8:17 السبعينية).
          4 ـ لذلك فإن المغفرة هي تكميل الناموس ـ وقد سميناها الناموس الأول، ليس لأن الله وضع ناموسين للناس، بل ناموس واحد، وهو روحاني في طبيعته. ولكن من جهة المجازاة فهو يعطى كل واحد الجزاء العادل، فيعطى المغفرة لمن يغفر، ويدين الذي يدين. كما يقول في المزمور “ومع الطاهر تكون طاهراً، ومع الأعوج تكون ملتوياً” (مز26:18)، لذلك فإن أولئك الذين يتممون الناموس روحانياً، وبقدر نوالهم النعمة، يحبون محبة روحانية، ليس أولئك الذين يفعلون بهم خيراً فقط، بل أيضاً أولئك الذين يعيرونهم ويضطهدونهم، وهم يتطلعون لنوال مكافأة الصالحات.
          وأقول الصالحات ليس لأنهم غفروا الإساءات التي وُجهت إليهم، بل لأنهم فعلوا أيضاً خيراً لنفوس الذين أساءوا إليهم. لأنهم قدموهم إلى الله باعتبارهم الوسيلة التي بها تمموا وحصلوا على التطويب القائل ” طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلى كاذبين” (مت11:5).
          5 ـ وهم قد تعلّموا أن يفكروا هكذا بواسطة ناموس روحاني، وإذ هم يحتملون ويحتفظون بموقف الوداعة الداخلية، فإن الرب إذ ينظر إلى القلب وهم يحاربون، وينظر المحبة التي لم تفتر، فإن الرب ينقض حائط السياج المتوسط (أف14:2). ويطرحون كل بغضة عنهم وتكون النتيجة أن حبهم لم يعد بالاضطرار والتغصب بل يكون براحة وفرح.
          إن الرب يقيد السيف المتقلب الذي يحرك الأفكار. وبعد ذلك تدخل الأفكار إلى ما داخل الحجاب حيث دخل يسوع ” كسابق لأجلنا” (عب 19:6). وتتمتع بثمار الروح بفرح .
          وإذ ينظرون الأمور الآتية مكشوفة في داخل القلب بثبات ، وليس في “مرآة ولغز” (1كو12:13) كما يقول الرسول، فإنهم يقولون ” ما لم تره عين وما لم تسمع به إُذن وما لم يخطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو9:2).
معرفة ما لم يخطر على  قلب بشر :
          6ـ سؤال: إن كانت هذه الأشياء لم تخطر على قلب إنسان، فكيف أمكنك أن تعرفها خصوصاً وأنك تعرف ما يقوله سفر الأعمال ” نحن بشر تحت الآلام مثلكم” (أع15:14).
          جواب: حسناً أنصت إلى الجواب الذي يعطيه بولس لهذا السؤال إذ يقول ” ولكن الله أعلنها لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1كو10:2). ولكن لئلا يقول أحد إن الروح قد أُعطى لهم لأنهم رسل فقط، وإننا نحن لا نستطيع أن نناله، فإنه يقول في مكان آخر مصلياً ” لكي يعطيكم أبو ربنا يسوع المسيح أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن، ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم” (أف17،16:3) ويقول أيضاً ” أما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب هناك حرية” (2كو17:3). وأيضاً ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس للمسيح” (رو9:8).
شركة الروح القدس :
          7 ـ لذلك فلنصل ونتوسل لكيما نشترك في الروح القدس بملء الثقة والاختبار، ولكي ما ندخل إلى المكان الذي خرجنا منه ولكي تُطرد عنا من الآن فصاعداً تلك الحية التي هي أب الغضب الذي يوحى بالمجد الباطل وهو روح الحزن والفشل والتذمر. فلنصل لكي نحصل على إيمان ثابت فنستطيع أن نحفظ وصايا الرب وننمو فيه    ” إلى إنسان كامل إلى قياس القامة الناضجة” (أف13:4)، لكي لا يعود يتسلط علينا خداع هذا العالم، بل نكون في ملء ثقة الروح، ولا يعود ينقصنا الإيمان بأن نعمة الله تُسرّ بقبول الخطاة حينما يتوبون. فإن ما يُعطى بالنعمة لا يُقاس بالمقارنة مع الضعف السابق ” وإلاّ فليست النعمة بعد نعمة” (رو6:11). بل إذ نؤمن بالله الكلّى القدرة، نأتي بقلب بسيط غير قلق أو موسوس ـ نأتي إليه فهو الذي يعطى بالإيمان نعمة الاشتراك في الروح وليس بواسطة المقارنة بأعمال الطبيعة البشرية لأنه يقول ” لقد أخذتم الروح ليس بأعمال الناموس بل بخبر الإيمان” (غل2:3).
معنى خمس كلمات بذهني :
          8 ـ سؤال: ما معنى الآية التي تقول ” ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهنى” (1كو19:14)؟
          جواب: إن كلمة كنيسة تُفهم بطريقتين: الجماعة أي جماعة المؤمنين ثم اجتماع النفس معاً. فحينما تُفهم الكلمة على الشخص الإنساني يكون المقصود هو الإنسان ككل متكامل معاً. وهنا تكون خمس كلمات تعنى مجموع الفضائل التي تبنى الإنسان كله بطرق متنوعة. فكما أن الذي يتكلم في الرب يفهم كل حكمة بكلماته الخمس، هكذا الذي يطيع الرب فإنه يبنى كل تقوى بواسطة الفضائل الخمسة. هم خمسة ولكنهم يشملون الجميع: الأولى، الصلاة ثم التعفف، ثم البذل والعطاء، ثم الفقر الاختياري والصبر. وهذه إذ تُتمم باشتياق وقصد ثابت فإنها كلمات النفس التي ينطقها الرب والتي تُسمع في القلب. إن الرب يعمل، ثم الروح يتكلم بدون صوت، والقلب يتمم جهراً وظاهراً ما يشتاق ويرغب.
          9ـ ولكن كما أن هذه الفضائل تشتمل على كل الفضائل الأخرى، هكذا أيضا فإنها تتوالد من بعضها البعض. فإذا نقصت الأولى، تسقط الباقية. وبالمثل فإنه بواسطة الثانية يتبعها البقية وهكذا. لأنه كيف يصلى الإنسان بدون أن يكون تحت فاعلية الروح؟ والكتاب يشهد معي هنا حينما يقول ” لا يستطيع أحد أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12) وأيضاً كيف يستمر الإنسان في التعفف بمثابرة بدون الصلاة وبدون معونة ونعمة؟ والذي هو غير متعفف، كيف يصنع رحمة ويعطى الجياع والمتضايقين؟ والذي لا يصنع رحمة ويُحسن لن يقبل الفقر باختياره. وأيضاً فإن الغضب هو قريب وصديق لمحبة المال والطمع سواء كان الإنسان يملك المال أو لا يملكه.
          ولكن الإنسان الفاضل هو الذي يُبنى ليكون كنيسة ليس بسبب ما فعله بل بسبب ما اشتاق إليه واشتهاه، فالذي يخلص الإنسان ليس هو عمله الخاص، بل يخلصه ذلك الذي يمنحه القوة. لذلك إن كان أحد يحمل “سمات الرب” (غل17:6)، فلا يظن نفسه عظيماً، حتى لو كان قد نجح في كل عمل. بل لينظر فقط إلى المحبة التي في قلبه واهتمامه واجتهاده أن يعمل. لذلك لا تظنوا أنكم قد سبقتم الرب بفضيلتكم وذلك بحسب المكتوب ” إنه هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا لأجل المسرة” (في13:2).
بماذا يوصينا الكتاب المقدس ؟ :
          10 ـ سؤال: إذن فما الذي يوصى به الكتاب الإنسان أن يفعله؟
          جواب: سبق أن قلنا إن الإنسان عنده الاستعداد بطبيعته أن يرغب وأن يشتاق. وهذا ما يطلبه الله. لذلك فإن الله يأمر أن الإنسان ينبغي أن يعرف ويعتبر. وحينما يعتبر، ينبغي أن يحب وأن يجتهد بإرادته. ولكن لكي ينشط العقل ويتحرك ويتحمل التعب أو لكي يكمل العمل فهذا يحتاج إلى نعمة الله. وهذا ما تمنحه النعمة للإنسان الذي يرغب ويؤمن. لذلك فإن إرادة الإنسان هي مثل أداة في طبيعة الإنسان. وحينما لا تكون الإرادة حاضرة، فإن الله نفسه لا يفعل شيئاً، رغم أنه يستطيع أن يفعل، وذلك بسبب حرية إرادة الإنسان. إن عمل الروح الفعّال يتوقف على إرادة الإنسان. ومن الجهة الأخرى إذا كنا نعطى ونقدم له كل إرادتنا، فإنه ينسب كل العمل إلينا.
          عجيب هو الله في كل الأشياء وهو فائق جداً فوق كل إدراكنا. ولكننا نحن البشر نسعى لشرح بعض عجائبه وأعماله مستندين على الكتاب المقدس، أو متعلمين منه، فإنه يقول ” من عرف فكر الرب” (رو34:11). ولكن هو نفسه يقول ” كم مرة أردت أن أجمع أولادك .. وأنتم لم تريدوا” (مت37:23). ولذلك فنحن نؤمن أنه هو الذي يجمعنا ولا يطلب منا شيئاً سوى أن نريد ونرغب. ولكن ما هو الذي يُثبت ويُظهر الإرادة إلاّ العمل الذي يعمل باختيار وحرية؟
          11ـ لأنه كما أن الحديد يُستعمل في نشر الخشب أو كفأس للقطع أو كمحراث للحرث والزراعة، ولكن يوجد إنسان هو الذي يحركه ويقوده، وحينما يتقادم ويبلى بالاستعمال فإنه يوضع في النار ويُشكل من جديد كأدوات كل منها حسب استعمالها. هكذا أيضاً فإن الإنسان حينما يتعب ويُجهد جداً في عمل ما هو صالح ـ مع أن الرب هو الذي يعمل فيه في الخفاء في هذا التعب ـ فإن الرب يعزى قلبه ويجدده كما يقول النبى: ” هل تفتخر الفأس على القاطع بها أو يتكبر المنشار على مردده” (إش15:10). وهكذا بالمثل في حالة الشر حينما يطيعه الإنسان ويجعل نفسه مستعداً له، فحينئذٍ يجذبه الشيطان ويسنه كما يسن اللص سيفه. لقد شبهنا القلب بالحديد بسبب قلة حساسيته للأشياء وشدة قسوته. ولكن لا ينبغي أن نجهل، مثل الحديد الذي لا يحس ـ ذلك الذي يمسك بنا (لأننا لو كنا نحس فإننا لم نكن نتحول هكذا سريعاً من كلمته المغروسة فينا إلى أفكار الشرير)، بل بالأحرى نكون كالثور والحمار أي أن نعرف ذلك الذي يقودنا ويوجهنا في طريقه بحسب مسرته لأنه مكتوب: ” الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرفني” (إش3:1). لذلك فلنصلى طالبين نوال معرفة الله، ولكي نتهذب في الناموس الروحانى لحفظ وصاياه المقدسة، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين
العظة الثامنة والثلاثون
المسيحيون بالحق
الأمر يحتاج إلى دقة عظيمة وفهم كبير لتمييز من هم المسيحيون بالحق.
تمييز المسيحيين بالحق:
1ـ إن كثيرين من الذين يظهرون أنهم أبرار يُحسبون أنهم مسيحيون ويليق لذوى المعرفة والاختبار أن يختبروا ويروا إن كان مثل هؤلاء الأشخاص لهم علامة وصورة الملك بالحقيقة، حتى لا يكونوا أشخاصاً مزيفين أو عمالاً مزيفين يعملون أعمال ذوى الخبرة والمعرفة ويُدهش منهم العمال المهرة وينتقدونهم، ولكن الناس الذين ليسوا ذوى خبرة لا يستطيعون أن يمتحنوا ويكشفوا ” الفعلة الماكرون” (2كو13:11)، حيث إن هؤلاء أيضاً يلبسون شكل النُساك أو المسيحيين لأنه حتى الرسل الكذبة تعرضوا لبعض الآلام لأجل المسيح وبشروا بملكوت السموات. لهذا السبب يقول الرسول: ” في الأتعاب أكثر في الضربات أوفر، في السجون أكثر” (2كو23:11) قاصداً بذلك أن يُظهر أنه قد تألم أكثر منهم.
          2 ـ إن الذهب يُكتشف بسهولة أما اللآلئ والأحجار الكريمة التي تليق بتاج الملك فهي نادرة الوجود وأحياناً فإن ما يُوجد منها لا يكون مناسباً، هكذا أيضاً المسيحيون فإنهم يُصاغون ويُشكّلون ويُطعمون في إكليل المسيح لكي يكون لهم شركة مع القديسين. فالمجد لذلك الذي هكذا أحب تلك النفس وتألم لأجلها وأقامها من الموت.
          ولكن كما أن البرقع كان موضوعاً على وجه موسى لكي لا ينظر الشعب إلى وجهه، هكذا أيضاً الآن فإن هناك برقع موضوع على قلبك لكي لا تتطلع إلى مجد الله وتراه. ولكن حينما يُنزع هذا البرقع، فإن (المسيح) يضئ ويُظهر نفسه للمسيحيين، أي لأولئك الذين يحبونه ويطلبونه بالحق كما يقول: ” أُظهر له ذاتي” ” وعنده أصنع منزلاً” (يو23،21:14).
لنأتِ إلى المسيح لننال الموعد:
3 ـ لذلك فلنجتهد أن نأتي إلى المسيح الذي لا يكذب، لكيما ننال الموعد والعهد الجديد ـ الذي جعله الرب جديداً بصليبه وموته بعد أن كسر أبواب الجحيم والخطية، وأخرج النفوس المؤمنة، وأعطاهم المعزي في الداخل وردهم إلى ملكوته. إذن فلنملك معه في أورشليم مدينته أي في الكنيسة السماوية، في محفل الملائكة القديسين. والأخوة الذين لهم خبرة طويلة وتمرّن يستطيعون أن يساعدوا قليلي الخبرة ويساعدوهم بإشفاق ومحبة.
درجات في النعمة:
          4 ـ إن بعض الأشخاص قد صارت لهم ثقة داخل أنفسهم، وقد عملت فيهم النعمة بقوة، هؤلاء وجدوا أن أعضائهم قد تقدست لدرجة أنهم حسبوا أن الشهوة لا وجود لها في الحياة المسيحية، بل أنهم قد حصلوا على عقل متزن عفيف، وأن الإنسان الباطن قد ارتفع عالياً إلى الأشياء الإلهية والسماوية حتى أنهم اعتقدوا تماماً أن مثل هذا الشخص قد وصل فعلاً إلى درجة الكمال.
          وحينما يظن الإنسان أنه قد وصل إلى الميناء الهادئ تثور ضده أمواج متلاطمة، حتى أنه يجد نفسه مرة أخرى في وسط المحيط، وأنه محمول إلى حيث يكون البحر سماء والموت متربص به. وهكذا دخلت الخطية وهكذا أنشأت كل “أنواع الشهوة” الشريرة (رو8:7) وأيضاً هناك بعض الأشخاص قد نالوا درجة من النعمة التي وُهبت لهم، بمعنى أنهم قد حصلوا على قطرة من عمق البحر العظيم، ويجدونها ـ ساعة بساعة ويوماً بيوم ـ إنها عمل عجيب مدهش حتى أن الإنسان الذي يكون تحت تأثيرها ينذهل ويتعجب من فاعلية عمل الله الغريب والعجيب حتى أنه لا يستطيع أن يتصور كيف حصل على هذه الحكمة والاستنارة.
          وبعد هذا فإن النعمة تنيره، وترشده وتعطيه سلاماً وتجعله صالحاً من كل الوجوه إذ أن النعمة نفسها إلهية وسماوية، ولذلك فإنه بالمقارنة به يحسب الملوك والرؤساء والنبلاء أقل منه وبلا قيمة. ولكن بعد وقت يتغير الحال، حتى أن مثل هذا الإنسان يحسب نفسه خاطئاً أكثر من الجميع. وأيضاً في وقت آخر يرى نفسه ضعيفاً وفي غاية العوز والفاقة. وحينئذٍ فإن العقل يقع في حيرة وارتباك، لماذا تكون الأحوال متقلبة هكذا؟ لأن الشيطان إذ هو يكره الصلاح والخير فإنه يوحى بأمور شريرة لأولئك الذين يتبعون الفضيلة ويسعى أن يُلقى بهم أرضاً ـ فإن هذا هو عمله.
ثق في الرب الذي يقودك وأطعه :
          ولكن لا تخضع للشيطان، بينما أنت تتمّم البرّ الذي يتحقق في الإنسان الباطن، حيث يوجد كرسي دينونة المسيح مع أقداسه الطاهرة حتى أن شهادة ضميرك تفتخر بصليب المسيح، الذي “طهر ضميرك من الأعمال الميتة” (عب14:9)، لكي تخدم الله بالروح. ولكي تعرف من الذي تعبده على حسب قول الرب حينما قال ” نحن نسجد لما نعلم” (يو22:4). ثق في الله الذي يقودك وأطعه وأجعل نفسك في شركة مع المسيح كالعروس مع عريسها. لأن ” هذا السر عظيم، ولكنى أقول عن المسيح” (أف32:5) والنفس التي بلا لوم، له المجد إلى الأبد آمين
العظة التاسعة والثلاثون
لماذا أعطانا الله الكتاب المقدس
    
          1 ـ كما أن الملك يكتب رسائل لأولئك الذين يريد أن ينعم عليهم بامتيازات خاصة وهبات فريدة، ويقول لهم : ” بادروا بالمجيء إلىّ سريعاً لتنالوا منى الهبات الملوكية”، فإذا لم يذهبوا ويأخذوها فإن مجرد قراءة الرسائل لا تفيدهم شيئاً بل بالعكس فإنهم يكونون معرضين لخطر الموت لأنهم رفضوا أن يأتوا لينالوا الكرامة من يد الملك. هكذا الله الملك الحقيقي، قد أرسل الكتب المقدسة كرسائل منه للبشر، وهو يعلن عن طريقها للناس أنه ينبغي أن يأتوا إلى الله ويدعونه بإيمان ويسألوا ويأخذوا الموهبة السماوية من الله نفسه، لأنه مكتوب ” لتصيروا شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1) ولكن إذا لم يأتِ الإنسان ويسأل وينال، فإنه لا يستفيد شيئاً من قراءته للكتاب، بل بالأحرى فإنه يكون في خطر الموت لأنه لم يرد أن يأخذ عطية الحياة من الملك السماوي، التي بدونها لا يمكن الحصول على الحياة الأبدية غير المائتة، التي هي المسيح نفسه. الذي له المجد إلى الأبد آمين
العظة الأربعون
ارتباط الفضائل معاً
إن جميع الفضائل مرتبط بعضها ببعض، كذلك أيضاً الرذائل، مثل حلقات السلسلة المرتبط أحدها بالآخر.
 ارتباط الفضائل معاً :
          1 ـ فيما يخص الممارسة الخارجية وأي عمل منها هو الأفضل أو الأحسن، فأعرفوا هذا أيها الأحباء، أن جميع الفضائل مرتبطة بعضها ببعض. فكل فضيلة مرتبطة بالأخرى مثل سلسلة روحية: فالصلاة مرتبطة بالمحبة، والمحبة بالفرح، والفرح بالوداعة، والوداعة بالتواضع، والتواضع بالخدمة، والخدمة بالرجاء، والرجاء بالإيمان، والإيمان بالطاعة، والطاعة بالبساطة. وكذلك من الجهة الأخرى فإن الرذائل مرتبطة إحداها بالأخرى: فالبغضة مرتبطة بالغضب، والغضب بالكبرياء، والكبرياء بالمجد الباطل، والمجد الباطل بعدم الإيمان، وعدم الإيمان بقساوة القلب، وقساوة القلب بالإهمال، الإهمال بالكسل، والكسل بالضجر، والضجر بعدم الصبر، وعدم الصبر بمحبة اللذة. وباقي أجزاء الرذيلة هي بالمثل متعلقة بعضها ببعض كما أنه من الجهة الصالحة فإن الفضائل متعلقة بعضها ببعض ومرتبطة معاً.
أهمية المواظبة على الصلاة :
          2 ـ ولكن رأس كل سعى صالح، والقوة الموجهة والقائدة لكل عمل حسن إنما هو المواظبة على الصلاة. ومنها يمكن أن نحصل يومياً على بقية الفضائل عن طريق طلبها من الله في الصلاة. وبواسطة الصلاة تتولّد الشركة في قداسة الله في أولئك الذين يُحسبون أهلاً لها، وتتولّد فيهم الطاقة الروحانية والتصاق العقل بالرب وميله إليه بمحبة تفوق الوصف لأن الإنسان الذي يغصب نفسه كل يوم للمواظبة على الصلاة، فإنه يشتعل بالحب الإلهي ويتقد برغبة نارية من الحب الروحاني نحو الله ، وينال نعمة كمال تقديس الروح.
درجات في الملكوت :
          3 ـ سؤال: حيث إن هناك البعض يبيعون ممتلكاتهم، ويطلقون عبيدهم أحراراً، ويحفظون الوصايا، ومع ذلك فإنهم لا يسعون لنوال الروح في هذا العالم. فهل بعيشهم هكذا لا يدخلون إلى ملكوت السموات؟
          جواب: هذا موضوع دقيق وحساس. فإن البعض يتكلمون عن ملكوت واحد وجهنم واحدة. ولكننا نحن نتكلم عن درجات كثيرة ومقاييس متنوعة في كل من الملكوت وجهنم. وكما أنه توجد نفس واحدة في جميع الأعضاء، ولكنها تعمل في المخ من فوق وفي نفس الوقت تحرك القدمين من أسفل، هكذا أيضاً فإن الله يحتوى كل الخلائق، السماوية والتي في عمق الهاوية، وهو يملأ الخليقة في كل مكان رغم أنه متعالي جداً على الخلائق، لأنه غير محدود ويفوق كل فهم وإدراك. وإن الله ينظر إلى الناس ويهتم بهم بنوع خاص. ويقود كل الأشياء بتدبير عنايته بحسب الحكمة. وحينما يصلى البعض غير عارفين ما هو الذي يطلبونه، بينما يصوم آخرون، وآخرون يواظبون على خدمتهم، فإن الله كقاض عادل يعطى كل واحد حسب مقدار إيمانه. لأنهم إنما يفعلون ما يفعلونه بتقوى الله. ولكن ليس جميع هؤلاء بنين أو ملوك أو ورثة.
          4 ـ ويوجد في العالم بعض قتلة الناس، ويوجد آخرون زناة، وآخرون سارقون. كما أنه يوجد أولئك الذين يوزعون مقتنياتهم على الفقراء: وعين الرب على كل من هذين النوعين. وأما الذين يفعلون الخير فإنه يعطيهم راحة ومكافأة. فإنه توجد درجات عالية، ودرجات صغيرة. وفي النور وفي المجد توجد درجات. وفي جهنم نفسها وفي العقاب يظهر أنه يوجد سحرة ولصوص كما أنه يوجد آخرون ممن ارتكبوا خطايا أقل. وأما الذين يقولون إن الملكوت درجة واحدة وكذلك جهنم وإنه لا توجد درجات فقولهم خطأ. وكم من الناس العالميين الذين هم الآن دائماً في الملاهي وغيرها من الأمور الباطلة. وكم هم أولئك الذين يُصلّون لله ويتقونه! وأن الله ينظر إلى هؤلاء وأولئك، وكقاض عادل، فإنه يعد الراحة لهؤلاء والعقاب لأولئك الآخرين.
          5 ـ وكما أن الناس يروضون الخيول ويقودون بها المركبات في سباق ضد بعضهم البعض، وكل واحد يجتهد أن ينتصر على منافسه ويهزمه، هكذا يوجد أيضاً مثل هذا الصراع في قلب أولئك الذين يجاهدون. فالأرواح الشريرة تحارب النفس، بينما الله والملائكة يراقبون الحرب ويلاحظونها. وفي كل ساعة تخرج من النفس أفكار جديدة وكذلك الشر الذي يحارب في الداخل يُخرج أفكاراً جديدةً. إن النفس لها خطط كثيرة خفيّة. وهى تنتج هذه الخطط وتلدها في وقتها المعين. والشر أيضاً له خطط وحيل كثيرة، وهو يُولّد اختراعات جديدة ضد النفس ساعة بعد ساعة. إن العقل هو قائد العربة وهو يروض عربة النفس مُمسكاً بعناق الأفكار، وهكذا يحارب ضد عربة الشيطان التي يقودها ضد النفس .
بين العكوف على الصلاة ومحبة الأخوة :
          6 ـ سؤال: إن كانت الصلاة هي راحة للنفس، فكيف يقول البعض: نحن لا نستطيع أن نصلى ولا أن نلازم الصلاة دواماً ولذلك لا يواظبون على الصلاة بتواتر؟
          جواب: حينما تكثر الصلاة فإنها تنشيء رأفة ورحمة، وصور أخرى من الخدمة، مثل افتقاد الاخوة لأجل خدمتهم بالكلمة. والإنسان بطبيعته يرغب في الذهاب لرؤية الأخوة وليكلمهم بالكلمة. وكل شيء يُلقى في النار لا يمكن أن يبقى على طبيعته بل بالضرورة يصير ناراً. فإذا ألقيت حجارة صغيرة في النار فإنها تتحول إلى جير. والإنسان الذي يريد أن يدخل إلى البحر ويذهب إلى وسط المحيط فإنه يغطس تماماً ويختفي عن الأنظار. أما الذي يذهب رويداً رويداً فإنه يرغب أن يرجع ثانية ويطفو على السطح ويأتي إلى الميناء ليرى الناس الذين على الشاطئ. هكذا أيضاً في الحياة الروحانية، فقد يدخل إنسان إلى حياة النعمة، ثم يتذكر أن له رفقاء واخوة، وهو بطبيعته البشرية أيضا يريد أن يذهب إلى الاخوة ليتمّم ناموس المحبة، وذلك كاعة للكلمة.
النعمة والخطية :
          7 ـ سؤال: كيف يمكن أن تكون النعمة والخطية كلاهما معاً في قلب الإنسان؟
          جواب: كما إنه حينما توجد نار تحت إناء نحاس فإنك حينما تضع حطباً أوخشباً لإضرام هذه النار تحت الإناء فإنه يسخن ويغلى الماء الذي بداخله لأن النار خارج الإناء تشتعل من تحته، أما إذا أهمل الإنسان ولم يضع وقوداً لهذه النار تحت الإناء فإنها تبتدئ في الخمود وتنطفئ إلى حد ما. هكذا النعمة، التي هي النار السماوية فإنها في داخلك ومن خارجك. فإذا كنت تصلى وتسلّم أفكارك لمحبة المسيح تكون قد وضعت وقوداً للنار. كما أن أفكارك تصير ناراً وتُغمر تماماً في محبة الله. وحتى إذا انسحب الروح قليلاً كما لو كان خارجاً عنك، فإنه لا يزال في داخلك، وعلاماته تظهر من الخارج. أما الذي يهمل ويسلّم نفسه للانشغالات العالمية أو للهموم، فإن الخطية تأتى ثانية وتدخل إلى النفس وتؤذى الإنسان كله. ولذلك فإن النفس تذكر راحتها السابقة، وتحزن وتتألم فترة طويلة.
          8 ـ ويعود العقل لليقظة والانتباه لله فتعود الراحة السابقة وتقترب منه من جديد. ويسعى في طلب الرب بغيرة واجتهاد شديد قائلاً ” يارب إني أتوسل إليك”. وقليلا قليلاً تشتعل النار وتضطرم وتزداد وتنعش النفس وتقويها، مثل الصنارة التي تجذب السمكة من عمق البحر رويداً رويداً. ولو لم يكن الأمر هكذا، ولو لم يذق الإنسان المرارة والموت، فكيف كان يمكنه أن يميز المر من الحلو، والموت من الحياة، وأن يعطى الشكر والمجد للآب معطى الحياة والابن والروح القدس إلى الأبد أمين
لقراءة باقي عظات القديس مكاريوس :   أضغط هنا
August 5, 2011 / kyrillosnagy

عظات القديس مكاريوس الكبير , العظة من الحادية و العشرين إلى الثلاثين

العظة الحادية والعشرين
الحرب الروحية
“الإنسان المسيحي يخوض معركتين، معركة داخلية وأخرى خارجية. المعركة الخارجية هي في ابتعاده عن الارتباكات العالمية وأما المعركة الداخلية فتحدث في القلب ضد إيحاءات أرواح الشر”.
الحرب الخارجية والحرب الداخلية :
1ـ الإنسان الذي يريد حقيقة أن يرضى الله ويكون معاديًا حقًا للعدو الشرير، ينبغي أن يقاتل في معركتين. معركة منهما تكون في الأمور المنظورة لهذه الحياة، وذلك بأن يتحول تماما ويبتعد من الارتباكات الأرضية ومحبة الارتباطات العالمية ومن الشهوات الخاطئة.
والمعركة الأخرى تحدث في الداخل ـ في الخفاء ضد أرواح الشر نفسها، كما يقول الرسول ” فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء، مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف12:6).
نوعان من القيود :
2 ـ فالإنسان حينما تعدى الوصية وطرد من الفردوس، صار مقيدًا من ناحيتين، وبقيدين مختلفين. أحد هذين القيدين كان عن طريق هذه الحياة، أى في اهتمامات المعيشة ومحبة العالم، أعنى محبة اللذّات الجسدية والشهوات، ومحبة الغنى والعظمة والمقتنيات والزوجة والأولاد، والأقرباء والأهل والبلد، والأماكن الخاصة، والملابس وكل الأشياء الأخرى المتصلة بالحواس، والتي تحثه كلمة الله على أن ينفك منها باختياره، (حيث إن ما يربط أى إنسان بكل أمور الحواس إنما يكون باختياره ورضاه)، حتى إذا تحرر من كل هذه الاهتمامات يستطيع أن يحفظ الوصية حفظًا كاملاً.
وإلى جانب هذا الرباط ـ ففي كيان الإنسان الداخلي، تكون النفس محاصرة بسياج ومربوطة بقيود الظلمة من أرواح الشر، فيكون الإنسان غير قادر أن يحب الرب كما يريد، أو أن يؤمن كما ينبغي، أو أن يصلى كما يرغب. فمن كل ناحية توجد مقاومة سواء في الأمور المنظورة والظاهرة أو في الأمور الخفيّة غير المنظورة، وهذه المقاومة قد نتجت وصارت فينا من سقوط الإنسان الأول.
قبول الكلمة واكتشاف الحرب الداخلية :
          3 ـ لذلك فحينما ينصت أى إنسان لكلمة الله ويقبلها، ويدخل في المعركة ويلقى عنه اهتمامات هذه الحياة ورباطات العالم وينكر كل اللذات الجسدية ويتحرر منها، فبعد ذلك إذ يلازم الرب وينتظره في الصلاة وبمداومة، فإنه يصير في وضع يمكنه من أن يكتشف وجود حرب أخرى في داخل قلبه، إنه يكتشف مقاومة خفية وحرب أخرى مع إيحاءات أرواح الشر وتنفتح أمامه معركة أخرى.
وهكذا بوقوفه ثابتًا صارخًا إلى الرب بإيمان لا يتزعزع وصبر كثير، منتظرًا الحماية والمعونة التي تأتى منه، فإنه يستطيع أن يحصل من الرب على حرية داخلية من القيود والسياجات والهجمات وظلام أرواح الشر التي تعمل في مجال الشهوات والأهواء الخفية.
نعمة الله تبطل الحرب تمامًا :
              4 ـ ولكن هذه الحرب تبطل وتنتهي تمامًا بنعمة الله وقوته. فلا يستطيع إنسان بذاته، أن ينقذ نفسه بقوته الخاصة من مقاومة وغوايات الأفكار والشهوات الداخلية وحيل الشر.
أما إذا كان الإنسان مربوطا بالأمور المادية الحسية التي لهذا العالم، وواقعا في شرك الرباطات الأرضية المتنوعة ومنساقا بشهوات الشر، فإنه لا يستطيع حتى أن يكتشف وجود معركة أخرى، وأن هناك حرب تدور في داخل نفسه.
فالإنسان حينما يدخل المعركة ويتحرر من الرباطات العالمية الخارجية ويحل نفسه من الأمور المادية ولذات الجسد ويبتدئ أن يتعلّق بالرب ويلتصق به مفرغا نفسه من هذا العالم، فإنه حينئذ يستطيع أن يرى ويكتشف حرب الشهوات والأهواء الداخلية التي تحدث في باطنه. ويصير واعيًا وعارفًا بهذه الحرب الداخلية، حرب الإيحاءات الشريرة.
وكما قلت سابقًا، فإنه إذا لم يناضل وينكر العالم ويتحرّر من الشهوات الأرضية بكل قلبه ويشتهى ويصمم بكل نفسه أن يصير ملتصقا كلية بالرب، فإنه لا يكتشف ولا يعرف خداع أرواح الشر الخفي وشهوات الشر الخفيّة. ويظلّ غريبّا عن نفسه ولا يعرف أنه مجروح من الداخل وأن فيه شهوات خفية وهو لا يدرى بها. لأنه لا يزال مربوطًا بالأشياء الخارجية ومتعلقًا بأمور هذا العالم وارتباكاته برضاه وموافقته.
نوال السلاح السماوي والانتصار :
          5 ـ ولكن الإنسان الذي رفض العالم حقا وطرح عنه ثقل هذه الأرض وألقى عنه الشهوات الباطلة الجسدية، وشهوات المجد والسلطان والكرامات البشرية وابتعد عنها جميعا بكل قلبه ـ (حيث إن الرب يعطيه النعمة والمعونة سرًا في هذا الصراع المستمر، حتى أنه يتنكر للعالم تمامًا) ـ ووضع في قلبه بثبات أن يخدم الرب ويعبده ويلتصق به بكل كيانه، جسدًا ونفسًا ، مثل هذا الإنسان، أقول، إنه يكتشف وجود المقاومة، أى الأهواء الخفية والقيود غير المنظورة والحرب الخفية ـ أى المعركة والصراع الداخلى، وهكذا إذ هو يتوسل إلى الرب، فإنه ينال السلاح السماوي: سلاح الروح القدس، الذي وصفه الرسول المبارك بقوله ” درع البر، وخوذة الخلاص، وترس الإيمان، وسيف الروح” (أف14:6). وإذ يتسلح بهذه الأسلحة فإنه يستطيع أن يقف ضد خداعات إبليس، حتى رغم كونه محاطًا بالشرور.
وإذ قد سلّح نفسه بهذا السلاح بكل صلاة ومواظبة وطلبة وصوم مع إيمان، فإنه يصير قادرا أن يحارب ضد الرئاسات والسلاطين وولاة ظلمة هذا العالم، وهكذا بانتصاره على القوات المعادية بمساعدة الروح القدس مع سعيه وغيرته في كل فضيلة فإنه يكون معدا للحياة الأبدية ، ممجدًا للآب والابن والروح القدس الذي له المجد والقدرة إلى الأبد آمين
العظة الثانية والعشرون
حالة النفس بعد الموت
“الحالتان اللتان تكون عليهما النفوس التي تنتقل من هذه الحياة “
1 ـ حينما تخرج نفس الإنسان من الجسد فإن هناك سر عظيم يتحقق. فإن كان الشخص المنتقل تحت ذنب الخطية فإن جماعات من الشياطين والملائكة الساقطين وقوات الظلمة يأتون ويأسرونه ويأخذون تلك النفس إلى مكانهم. ولا ينبغي أن يتعجب أحد من هذه الحقيقة. لأنه إذا كان هذا الإنسان أثناء حياته في هذا العالم خاضعًا لهم وعبدًا مطيعًا لهم، فكم بالحري عندما يترك هذا العالم، فإنه يصير أسيرًا لهم في مملكتهم.
2 ـ ويمكنك أن تفهم هذا الأمر، مما يحدث لأولئك الذين في الجانب الآخر ـ جانب الصلاح والغبطة.
فإن عبيد الله القديسين تحرسهم الملائكة باستمرار وتحيط بهم الأرواح المقدسة وتحميهم، وحينما يخرجون من الجسد، فإن جماعات الملائكة تستلم نفوسهم وتحملها معهم إلى مساكنهم في عالم الأبدية النقي، وهكذا يحضرونهم إلى الرب، الذي يليق به المجد والقدرة إلى الأبد آمين.
العظة الثالثة والعشرون
العائلة السماوية وسلاح الروح
” كما أن الجوهرة الملوكية الثمينة لا يستطيع أحد أن يلبسها إلا المولودين من نسل الملوك ، هكذا فإن أولاد الله فقط هم الذين يسمح لهم أن يلبسوا الجوهرة السماوية ” .
المولودون من الروح :
          1 ـ إن الجوهرة العظيمة الثمينة الملوكية، والتي تختص بالتاج الملوكي، إنما تليق بالملك وحده. والملك فقط هو الذي يستطيع أن يلبس هذه الجوهرة ولا يسمح الإنسان آخر أن يلبس مثل هذه الجوهرة. هكذا أيضا، إذا لم يولد لإنسان من روح الله الملوكي، ويصير من أعضاء العائلة السماوية الملوكية وابنا لله بحسب المكتوب: ” وكل الذين قبلوه أعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله” (يو12:1)، فلا يستطيع أن يلبس الجوهرة السماوية الثمينة جدًا، أى صورة النور الذي لا يعبر عنه ـ الذي هو الرب نفسه، وذلك لأنه ليس ابنًا للملك. لأن أولئك الذين يمتلكون الجوهرة ويلبسونها، إنما يحيون مع المسيح ويملكون معه إلى الأبد. لهذا يقول الرسول ” كما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضًا صورة السماوي” (1كو41:15).
2 ـ وكما أن الجواد طالما هو يرعى مع الحيوانات الوحشية في البرية، فإنه لا ينقاد للناس ولا يطيعهم. ولكن بعد أن يمسك لكى يروض، فإنهم يضعون عليه لجاما ثقيلا إلى أن يتعلم أن يسير بنظام وانضباط. بعد ذلك يمكن أن يركبه راكب ماهر ليدربه لكى يصير نافعًا في الحروب . وبعد ذلك يضعون عليه السلاح : الدرع الزرد[1]  وبعد أن يرفعوا عنه اللجام ويهزونه أمام عينيه لكى يتعود عليه ولا يخاف منه. وهكذا يعلّمه الفارس، حتى يستطيع أن يشترك في الحرب. لأنه بدون درع ولجام فإن الحصان لا يكون ذو نفع في الحرب. ولكن بعد أن يتدرب ويعتاد الحرب، فإنه بمجرد أن يشم رائحة المعركة ويسمع صوت الحرب فإنه في الحال يهجم على العدو من نفسه حتى أن الصوت الذي يصنعه الجواد يكون كافيًا لإلقاء الرعب في قلب العدو.
روح المسيح يغير الإنسان :
وبنفس الطريقة فإن الإنسان منذ السقوط صار متوحشا وغير مطيع وهو يتجول في برية العالم مع الوحوش، التي هي أرواح الشر. وهو تحت الخطية ويرفض أن يخدم ويطيع. ولكن حينما يسمع كلمة الله، ويؤمن فإن الروح يلجمه ويجعله يخلع عنه عاداته الوحشية وأفكاره الجسدية إذ يصير الآن تحت قيادة المسيح الذي يسوقه ويقوده.
وبعد ذلك يتعرّض الإنسان لشدائد ويختبر ضيقات في ترويضه للخضوع لنير المسيح. وهذا يكون كامتحان للنفس حتى تصبح بالتدريج مطيعة رقيقة سهلة الانقياد بواسطة الروح. والخطية التي فيها تتناقص بالتدريج إلى أن تتلاشى كلية. وهكذا إذ يلبس الإنسان ” درع البر ” و ” خوذة الخلاص ” و ” ترس الإيمان ” و ” سيف الروح” (أف14:6)، فإنه يتعلّم أن يحارب ضد أعدائه.
وهكذا إذ يتسلّح بروح الرب فإنه يقاتل أرواح الشر، ويطفئ سهام الشرير الملتهبة. ولكن بدون سلاح الروح لا يتقدم إلى خط القتال، ولكن، حينما يحصل على سلاح الرب فإنه بمجرد أن يسمع ويحس بوجود الحروب فإنه يتقدم، ” بصياح وهتاف” كما يقول في أيوب (أى25:39)، لأن مجرد صوت صلاته يوقع الأعداء ساقطين على الأرض. وهكذا إذ يقاتل وينتصر في الحرب بقوة الروح، فإنه ينال أكاليل الغلبة بثقة عظيمة وهكذا يجد راحة ويستريح مع الملك السماوي، الذي يليق به المجد والقدرة إلى الأبد آمين. 
________________________________________
[1] الزرد هى قطعة من السلاح مصنوعة من حلقات حديدية على شكل ضفيرة تغطى الصدر تماما
العظة الرابعة والعشرون
الربح العظيم والخميرة السماوية
“حالة المسيحيين تشبه التجارة وتشبه الخميرة. وكما أن التجار يجمعون الأرباح الأرضية، هكذا فإن المسيحيين يجمعون أفكارهم المشتتة في العالم. وكما أن الخميرة تخمر العجين كله، هكذا فإن خمير الخطية يتغلغل في كل نسل آدم، ولكن المسيح يسكب في النفوس المؤمنة خميرة الصلاح السماوية.”
التجارة العظيمة :
1ـ إن المسيحيين يشبهون التجار الذين يتاجرون للمكاسب العظيمة وكما أن التجار يجمعون مكاسب أرضية من الأرض، هكذا المسيحيون أيضا يجمعون أيضًا أفكار قلوبهم من الأرض كلها، التي تكون قد تشتّت في هذا العالم الحاضر. وهم يفعلون هذا بواسطة كل الفضائل وبمعونة قوة الروح القدس. وهذه هي التجارة العظمى والحقيقية.
لأن هذا العالم يتعارض مع العالم السماوي، وهذا الدهر هو مخالف للدهر الأبدي لذلك فينبغي على المسيحي، حسب تعليم الكتاب المقدس، أن يجحد العالم وينتقل ويرتفع بفكره عن هذا العالم الحاضر، (الذي يوجد فيه العقل الآن وهو يتعرض للإغراءات وذلك منذ سقوط آدم) إلى عالم آخر، العالم السماوي. وينبغي أن يحيا بفكره في العالم الإلهي في الأعالي كما هو مكتوب ” أن سيرتنا هي في السموات” (في20:3).
2ـ ولكن هذا لا يمكن أن يتحقق إذا لم يجحد المسيحي هذا العالم ويؤمن بالرب من كل قلبه. وفي هذه الحالة فإن قوة الروح الإلهي تستطيع أن تجمع القلب المشتت في الأرض كلها وتأتى به إلى محبة الرب وتنقل الذهن إلى العالم الأبدي.
خميرة الشر:
لأنه منذ سقوط آدم، قد تشتت أفكار النفس بعيدا عن محبة الله متجهة إلى هذا العالم، واختلطت بالأفكار المادية الأرضية. وكما أن آدم حينما تعدى قبل في ذاته خميرة الأهواء الشريرة وهكذا اشترك في هذه الخميرة كل الذين ولدوا منه أى كل جنس البشر ـ وقد نمت وتكاثرت خميرة الشر في الناس حتى وصلوا إلى الفسق والنجاسة والدعارة وعبادة الأصنام والقتل وغيرها من الأعمال الشنيعة حتى تشبع الجنس البشرى بخميرة الخطية. وتزايد الشر بين الناس للدرجة التي ظنوا فيها أنه لا يوجد إله وصاروا يعبدون الأحجار العديمة الحس ولم يستطيعوا حتى أن يتصوروا بفكرهم وجود الله. إلى هذه الدرجة قد تخمّر نسل آدم القديم كله بخميرة الأهواء الشريرة.
المسيح الفادي والخميرة السماوية:
          3 ـ وبنفس الطريقة فإن الرب ، حينما أتى على الأرض، سُرّ أن يتألم عن الجميع لكى يشتريهم ويستردهم بدمه، ولكى يضع خميرة الصلاح السماوية في النفوس المؤمنة، التي كانت مسحوقة ومذلولة تحت الخطية ـ ثم سر أيضا أن يحقق ويكمل فيهم كل بر أوصاهم به وكل فضيلة وذلك بواسطة عملية النمو والتقدم إلى أن يتخمروا إلى واحد في الصلاح، ويصيروا مع الرب “روحًا واحدًا”. كما يقول القديس بولس (1كو17:6)، وحتى أن الخطية والشر لا تستطيع حتى بالفكر أن تأتى إلى النفس التي تتخمر هكذا تماما وكلية بالروح الإلهي كما هو مكتوب ” المحبة لا تفكر بالشر” (1كو5:13).
ولكن بدون الخميرة السماوية التي هي قوة الروح الإلهي، لا يمكن للشخص أن يتخمر بصلاح الرب ويصل إلى الحياة. كما أن أبناء آدم لم يكونوا ليخدعوا بالشر والخطية ويتحولوا إليها لو لم تكن خميرة الشر، التي هي الخطية، قد دخلت إلى آدم نفسه، تلك الخميرة الشريرة هي قوة من الشيطان ذات طبيعة روحية عقلية.
4ـ وكما يحدث في حالة الإنسان الذي يعجن دقيقا بدون أن يضع فيه خميرة، فمهما كان الجهد الذي يبذله في تقليبه وعجنه، فإن العجينة تظل غير مخمرة وغير مناسبة للأكل، ولكن إذا وُضِعت الخميرة في العجين فإنها تجتذب كل كتلة العجين وتخمّرها كلها وتجعلها خميرا كما قال الرب في مثله عن الملكوت، ” يشبه ملكوت السموات خميرة أخذتها امرأة وخبأتها في ثلاث أكيال دقيق حتى اختمر الجميع” (مت33:13).
مزج خميرة الروح:
إذا كان إنسان عنده لحوم ويلزم أن يحفظها ولكنه لم يملّحها بالملح الذي يقتل الدود ويمنع الرائحة الكريهة، فإن اللحوم تنتن وتتعفن وتصبح غير صالحة لاستعمال الناس. وبنفس الطريقة انظر إلى كل جنس البشر وتصوّرهم كلحم أو كعجين غير مختمر وتيقن أن الملح والخميرة إنما ينتميان إلى عالم آخر، أى طبيعة الروح القدس الإلهية. والآن إذا لم تمتزج خميرة الروح السماوية ـ ذلك الملح الصالح المقدس، ملح اللاهوت، الذي من فوق ـ إذا لم يمتزج ويدخل في طبيعة البشر الضعيفة فإن الإنسان لا يستطيع أن يتخلّص من رائحة الخطية الكريهة. مثل ذلك الإنسان لا يتخمّر لكى يخلع عنه ثقل الخطية ويتحرر وينفك من حالة عدم التخمر (بالروح) الناتجة من الشر.
5 ـ فكل ما يظن الشخص أنه يفعله بذاته، ويبذل جهدا واهتماما وتعبا كثيرا في تتميمه معتمدًا على قواه الخاصة وحدها ويظن أنه يستطيع أن يحقق نجاحا كاملا بذاته، بدون معونة الروح القدس، فإنه يضل ضلالا عظيمًا، فمثل هذا الموقف لا يناسب من يسعى إلى السماويات ـ إلى الملكوت. إذ أن مثل هذا الشخص يعتقد أنه يستطيع من ذاته وبذاته وحدها بدون الروح، أن يصل إلى النقاوة الكاملة.
فإذا لم يأت الإنسان ـ المعذب بالأهواء إلى الله منكرًا العالم، ويؤمن ويثق برجاء وصبر أنه سينال شيئا صالحا مختلفًا تمامًا عن طبيعته الخاصة، وأعنى به قوة الروح القدس، وإن لم يسكب عليه الرب من فوق حياة اللاهوت، فإن هذا الإنسان لن يختبر الحياة الحقيقية أبدًا (الحياة الإلهية)، ولن يفيق من سكر الأمور المادية. ولن تضيء إنارة الروح ـ ساطعة بلمعان وبهاء ـ في تلك النفس المظلمة، ولن تنيره بنور “يوم مقدس” ولن يستيقظ من سبات الجهل العميق، ليمكنه إذا استيقظ أن يعرف الله حقيقة عن طريق قوة الله وفاعلية نعمته.
6 ـ لأنه إذا لم يُحسب الإنسان أهلاً بالإيمان، أن ينال النعمة فلا نفع فيه ولا يكون لائقًا للملكوت. ولكن من الجهة الأخرى فإنه إذا نال نعمة الروح ولم يتغير ذهنه أو إذا لم يقاوم النعمة بالإهمال أو ردئ الأعمال، وهكذا يجاهد زمنا لكى لا يحزن الروح، فإنه يحسب أهلا للشركة في الحياة الأبدية، فإنه كما أن الإنسان يدرك تأثيرات الشر عن طريق معرفته بالأهواء ذاتها، أعنى عن طريق الغضب والشهوة والحسد والهم الرديء، والأفكار الشريرة وغير ذلك من الأشياء الخاطئة، هكذا أيضا يجب على الإنسان أن يدرك فعل النعمة وقوة الله عن طريق الفضائل، أعنى عن طريق المحبة والشفقة والصلاح والفرح، والبساطة والبهجة الإلهية لكى يصير مشابهًا للطبيعة الصالحة الإلهية ومشتركًا معها بفاعلية النعمة اللطيفة المقدِّسة وحينما تمتحن إرادة الإنسان مع الزمن والنمو وبحسب الفرصة (المتاحة له)، لكى يظهر ما إذا كان الإنسان متفقًا مع النعمة باستمرار ومرضيًا لها، فإنه بالتدريج يتحول ليصير متفقًا تمامًا مع الروح، وهكذا يصير مقدسا ونقيا بواسطة فعل الروح ويصير لائقًا للملكوت. والمجد والعبادة والسجود للآب الكلى الطهارة، وللابن وللروح القدس إلى الأبد. آمين.
العظة الخامسة والعشرون
قوة سرّ الصليب والنار الإلهية

” هذه العظة تعلّم بأنه لا يستطيع إنسان، بدون أن يتأيد بالمسيح، أن يغلب عثرات الشرير، وما ينبغي أن يفعله أولئك الذين يطلبون المجد الإلهي باشتياق، وتعلم أيضًا أنه بواسطة عصيان آدم قد نزلنا جميعًا إلى عبودية الشهوات اللحمية، والتي أُنقذنا منها بالسرّ المختفي في الصليب، وتعلّم العظة أيضًا أن قوة الدموع والنار الإلهية هي قوة عظيمة ” .
السرّ الذي في الصليب :
          1 ـ أولئك الذين كُتب في داخلهم الناموس الإلهي، ليس بحبر وحروف بل هو مطبوع في قلوب لحمية، فهؤلاء إذ قد استنارت عيون أذهانهم ويتطلعون إلى الرجاء الذي لا يُلمس ولا يُرى بل هو غير منظور وغير مادي فهؤلاء يملكون القوة أن يغلبوا عثرات الشرير وذلك بقوة لا يمكن أن تُقهر.
          أما أولئك الذين لم يُكرَّموا ويتشرفوا بكلمة الله ولم يتهذبوا بالشريعة الإلهية فإنهم ” ينتفخون باطلاً” (كو8:2). وهم يظنون أنهم بإرادتهم الحرة يستطيعون أن يقطعوا أسباب الخطية التي يُحكم عليها فقط بواسطة السر الذي في الصليب أن إرادة الإنسان الحرة لها سلطان أن تقاوم الشيطان، ولكنها لا تمتد إلى السيادة المُطلقة على الشهوات. ” فإن لم يبن الرب البيت ـ كما يقول الكتاب ـ وإن لم يحفظ المدينة فباطلاً يسهر الحارس، وباطلاً يتعب البانى” (مز1:127).
          2 ـ لأنه لا يستطيع احد أن يطأ على ” الأفعى والحيّة ويدوس الأسد والتنين” (مز13:91) إن لم يطهّر نفسه أولاً ـ بأقصى ما في طاقة الإنسان ـ وأن يتأيد بقوة ذلك الذي قال لرسله: ” ها أنا أعطيكم السلطان لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو” (لو19:10).
حاجتنا للروح القدس للغلبة وللتبنى :
            فلو كانت طبيعة الإنسان لها القدرة بدون سلاح الروح القدس الكامل أن ” تقف ضد مكايد إبليس” (أف11:6)، لما كان الرسول قد قال بتأكيد: ” إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعًا” (رو20:16). وأيضًا ” الذي سيبيده الرب بنفخة فمه” (2تس8:2). لهذا السبب أيضًا قد أوصانا الرب أن نصلى ونطلب قائلين ” ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير” (مت13:6). فإن لم تخلّصنا معونة القوة العليا من سهام الشرير الملتهبة، وإن لم نُحسب أهلاً لأن نكون أبناء بالتبني، فإن حياتنا على هذه الأرض تكون حينئذٍ باطلة وبلا هدف، إذ نوجد بعيدين عن قوة الله.
          3 ـ لذلك فمن يريد ويشتهي أن يصير شريكًا في المجد الإلهي، وأن يرى كما في مرآة صورة المسيح في داخل عقله، فينبغي أن يطلب معونة الله التي تتدفق منه بقوة ـ يطلبها بحب مشتعل لا ينطفئ وبرغبة حارة من كل قلبه وكل  قدرته، ليلاً ونهارًا، هذه المعونة الإلهية التي لا يمكن نوالها، كما قلت سابقًا إن لم يتخل الإنسان عن لذة العالم وعن شهوات ورغبات القوة المعادية، والتي هي أجنبية عن النور ومخالفة له وهي من نشاط وعمل الشرير، وليس لها أى قرابة أو مشابهة لعمل الصلاح بل هي غريبة تمامًا عنه.
حالة الإنسان العتيق :
          لذلك، فإذا أردنا أن نعرف لماذا نحن الذين قد خُلقنا في كرامة ووُضعنا لنحيا في الفردوس، صرنا بعد ذلك ” مثل البهائم التي لا تفهم وشُبهنا بها” (مز20،12:49)، إذ قد سقطنا من المجد الأصلي، فاعرف أننا بواسطة التعدي، صرنا عبيدًا للأهواء الجسدية. لقد أخرجنا أنفسنا من ” أرض الأحياء المغبوطة” (مز9:116) وسرنا إلى الأسر حيث لا نزال ” جالسين على أنهار بابل” (مز1:137).
          ولأننا لا نزال محبوسين في ” مصر” ، لذلك فإننا لم نرث بعد أرض الموعد، ” التي تفيض لبنًا وعسلاً” (خر8:3). إننا لم نتخمّر بعد ” بخميرة الإخلاص” (1كو8:5)، ولكننا لا نزال في “خميرة الشر”. إن قلبنا لم يُرش بعد بدم الله، لأن ” فخ جهنم” (أم18:9 السبعينية)، وصنارة الخطية لا تزال منصوبة فيه.
          4 ـ إننا إلى الآن لم نقبل بهجة خلاص المسيح، لأن ” شوكة الموت” (1كو55:15) لا تزال جذورها فينا. إننا لم نلبس بعد ” الإنسان الجديد، المخلوق بحسب الله في القداسة” (أف24:5). لأننا لم نخلع بعد ” الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الخطية” (أف 22:4). إننا لم نحمل بعد “صورة السماوي” (1كو49:15). ولم نصر ” مشابهين لصورة مجده” (في21:3). إننا لم نعبد الله ” بالروح والحق” (يو24:4) لأن ” الخطية تملك في جسدنا المائت” (رو12:6).
          إننا لم نرَ بعد ” مجد الله الذي لا يفنى” (رو23:1) لأننا لا نزال تحت سطوة ” الليل المظلم” (مز11:2). وإلى الآن لم ” نلبس أسلحة النور” (رو12:13) لأننا لم نلق عنا سلاح الظلمة وسهامها وأعمالها. نحن ” لم نتغيّر بعد عن شكلنا بتجديد أذهاننا”، لأننا لا نزال ” مشاكلين ومطابقين لهذا العالم” (رو2:12)، ” في الذهن الباطل” (أف17:4). إننا لم ” نتمجد بعد مع المسيح، لأننا لم نتألم بعد معه” (رو17:8). إننا لا ” نحمل سماته بعد في جسدنا” (غل17:6) لأننا لا نحيا في سر صليب المسيح، لأننا لا نزال في ” أهواء وشهوات الجسد” (غل 24:5). إننا لم نصر بعد ” ورثة الله ووارثون مع المسيح” (رو7:8)، لأن ” روح العبودية” لا يزال فينا وليس ” روح التبني” (رو15:8)، وحتى الآن لم ” نصر هيكلاً ومسكنًا للروح القدس” (1كو16:3)، لأننا لا نزال هيكلاً للأصنام ومستودعًا لأرواح الشر بسبب تعلقنا بالشهوات.
          5 ـ وفي الحقيقة أننا إلى الآن لم نحصل على بساطة السيرة واستنارة العقل. وإلى الآن لم نُحسب أهلاً لنوال ” اللبن العقلى العديم الغش” (1بط2:2)، والنمو الروحى غير المنظور. وإلى الآن لم ينفجر النهار ولم يطلع كوكب الصبح في قلوبنا (2بط19:1). ” إننا لم نمتزج بشمس البر” (ملا2:4). ولا ابتدأنا أن نضئ بأشعته. إننا لم نقبل بعد ” شبه الرب” (تك26:1)، ولا صرنا ” مشاركين للطبيعة الإلهية” (2بط4:1). وإلى الآن لم نتحوّل إلى ذلك الأرجوان الملوكى الحقيقى، ولا صرنا صورة الله الحقيقية. إننا لم نسبى بعد بالحب الإلهي ولا انجرحنا بمحبة العريس الروحانية. إننا لم نعرف بعد تلك الشركة السرّية التي تفوق الوصف ولم نعرف القوة والسلام الموجودان في القداسة. وبكلمة واحدة فإننا لسنا بعد ” جنسًا مختارًا، كهنوتًا ملوكيًا، أمة مقدسة، شعب اقتناء” (1بط9:2) لأننا لا نزال إلى الآن ” حيات وأولاد أفاعى” (مت33:23).
أنوح وأبكى أمام الله على شقاوتنا :
          6 ـ وكيف لا نكون سوى حيات، ونحن لا نطيع الله بل نعيش في العصيان الذي دخل إلينا بواسطة الحية. وأنا لا أستطيع أن أعرف كيف أبكى وأنوح على شقاوتنا هذه كما تستحق ولا أعرف كيف أصرخ بصوت عال باكيًا أمام الله الذي يستطيع وحده أن ينزع منى الخطأ المزروع في. ” كيف أرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة” (مز 4:137)، كيف أنوح على أورشليم؟ وكيف أهرب من عبودية فرعون القاسية؟ وكيف أهجر مكان الإقامة الدنس؟ وكيف أستطيع أن أنكر أو أجمد الطغيان المُر؟ وكيف أستطيع أن أخرج من أرض مصر؟ وكيف أستطيع أن أعبر البحر الأحمر؟ وأسير في وسط البرية الكبرى؟ وكيف أنجو من الهلاك بلدغات الحيات؟ وكيف أهزم الغرباء؟ وكيف أحكم الأمم الذين في داخلي تمامًا[1]، وكيف أتقبل أقوال الشريعة الإلهية على ألواح قلبي؟ وكيف أرى عمود النور الحقيقي والسحاب الناشئ من الروح القدس؟ وكيف أتنعم بمَنّ البهجة الأبدية؟ وكيف أشرب الماء من الصخرة المعطية الحياة؟ كيف أعبر الأردن وأدخل إلى أرض الموعد الجيدة؟ وكيف أعاين رئيس جند الرب الذي حينما رآه يشوع بن نون، خر في الحال ساجدًا؟.
ضرورة العبور والدخول إلى الراحة :
          7ـ لأنني إن لم أعبر بكل هذه وأحطم الأمم الذين يعيشون في داخلي فإنني لن أستطيع أن أدخل إلى “أقداس الله” وأستريح (مز 17:73). “ولا أصير شريكًا في مجد الملك”.
          لذلك أسع بكل اجتهاد لتكون ابنًا لله بلا لوم، وأن ” تدخل في تلك الراحة” (عب11:4)، حيث دخل المسيح كسابق لأجلنا (عب20:6).
          اجتهد أن يكون أسمك مكتوبًا في ” الكنيسة التي في السماء مع الأبكار” (عب23:12)، لكى توجد عن ” يمين العظمة في الأعالى” (عب 3:1). أسع أن تدخل إلى المدينة المقدسة، أورشليم مدينة السلام، التي هي فوق، فوق الكل، حيث يوجد الفردوس. فلا يوجد أمامك طريق آخر للدخول إلى هذه الأمجاد العجيبة السعيدة سوى أن تسكب الدموع نهارًا وليلاً مثل ذلك الذي قال ” كل ليلة أعوم سريري وبدموعي أبل فراشي” (مز6:6). وأنت تعرف جيدًا أن ” الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج” (مز6:126). لهذا السبب فإن النبى يقول بكل صراحة ” لا تسكت عن دموعي” (مز12:39). وأيضًا ” أجعل دموعي أمام عينك كما وعدت”(مز8:56). وأيضًا ” دموعي صارت لي خبزًا نهارًا وليلاً” (مز3:42). وفي مزمور آخر ” مزجت شرابي بدموعي” (مز9:102).
قوة الدموع:
          8 ـ لأن الدموع التي تُسكب حقًا من حزن كثير وكآبة قلب وبمعرفة للحق واحتراق في الداخل، إنما هي طعام للنفس يأتيها من الخبز السماوي الذي سبقت مريم وأخذت منه حينما جلست عند قدمي الرب وبكت بحسب ما شهد لها المخلص نفسه. فإنه قال: ” لقد اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها” (لو42:10).
          فما أثمن تلك الدرر، التي تتساقط مع انسكاب وفيض الدموع المغبوطة! ويا لتلك الاستجابة الفورية والإنصات المستمر! وأي عقل قوى حكيم! ويا لشدة روح الرب، التي تتحرك بقوة نحو عريس بلا عيب! وأي رغبة شديدة وشوق في النفس إلى الله الكلمة! وأي شركة حميمة للعروس مع العريس السماوي!.
النار الإلهية :
          9 ـ فتمثل بها إذن يا ابني ، اقتد بتلك التي ثبتت عينيها عليه وحده، ذلك الذي قال ” جئت لألقى نارًا على الأرض فماذا أريد لو اضطرامت” (لو49:12).
          فهناك اشتعال للروح، هو الذي يُشعل القلوب نارًا. فإن النار الإلهية غير المادية لها فاعلية لإنارة النفوس وتمحيصها كما يُمتحن الذهب النقي بنار البوتقة. ولكنها (النار الإلهية) تحرق كل شر مثل الأشواك والقيود ” لأن إلهنا نارًا آكلة” (عب29:12) ” معطيًا نقمة للذين لا يعرفون الله، في نار لهيب، وللذين لا يطيعون إنجيله” (2تس 8:1).
          وهذه النار هي التي عملت في الرسل حينما تكلموا بألسنة نارية (أع25:2). هذه النار هي التي أحاطت ببولس، بالصوت الذي أنار عقله ولكنها أعمت بصره (أع3:9). فلم تكن رؤيته لقوة ذلك النور بدون الجسد. هذه النار ظهرت لموسى في العليقة، وهذه النار، في شكل مركبة هي التي اختطفت إيليا من الأرض (2مل11:4). وداود المبارك كان يطلب فاعلية هذه النار حينما قال “امتحنى يارب، جربنى محص كليتى وقلبى” (مز2:26).
          10 ـ هذه النار هي التي ألهبت قلب كليوباس ورفيقه حينما تكلم المخلص معهما بعد القيامة. والملائكة والأرواح الخادمة تأخذ من لمعان هذه النار كما هو مكتوب ” الصانع ملائكته أرواحًا وخدامه نارًا ملتهبة” (عب7:1). وهذه النار هي التي تحرق الخشبة التي في العين الداخلية، لتجعل العقل نقيًا، حتى إذا استرد قوة رؤيته الطبيعية ، يمكنه أن يتفرس بلا انقطاع في عجائب الله كما هو مكتوب ” افتح عيني، لكى أبصر عجائب من شريعتك” (مز18:119).
          هذه النار أيضًا تطرد الشياطين، وتنزع الخطايا، ولها قوة القيامة، وفاعلية قوة الخلود، وهي نور النفوس المقدسة، وسند القوات العاقلة.
          فلنصلِ ولنتوسل أن تأتى إلينا أيضًا هذه النار، حتى بسيرنا دائمًا في النور، فإننا ” لا تعثر بحجر أقدامنا” (مز12:91) ولا إلى لحظة واحدة، بل ” نضئ كأنوار في العالم” ” ممسكين بكلمة الحياة الأبدية” (في15:2)، حتى إذا تنعمنا بخيرات الله بين قديسيه، فإننا نجد راحة مع الرب في الحياة، ممجدين الآب والابن والروح القدس الذي له المجد إلى الأبد. أمين.
________________________________________
[1] يقصد الشعوب الوثنية وعبادة الأصنام الأهواء الشرير
العظة السادسة والعشرون
كرامة النفس ـ تجارب الشر والانتصار
كرامة وقيمة وقوة وفاعلية النفس الخالدة، وكيف تُجرب بواسطة الشيطان، وكيف تحصل على الحرية من التجارب. وتحتوى العظة أيضًا على بعض أسئلة مملوءة بتعاليم هامة.
كرامة النفس البشرية :
1ـ أيها الحبيب، لا تستخف بالطبيعة العقلية للنفس البشرية. فالنفس الخالدة هي مثل إناء غالى الثمن، فانظر مقدار عظمة السموات والأرض، ومع ذلك فإن الله لم يُسرّ بها بل وجد مسرّته فيك أنت فاعتبر كرامتك وسموك، حيث إن الرب قد أتى لأجل حمايتك وخلاصك بنفسه وليس بواسطة ملائكة وذلك لكى يناديك ويدركك أنت، أنت الذي قد ضعت وضللت، أنت الذي جُرحت، وذلك لكى يعيدك إلى حالة وشكل آدم النقي الذي خُلق عليه أولاً. لأن الإنسان كان سيدًا على السموات والأرض، وقادرًا أن يميّز الأهواء، وكان غريبًا تمامًا عن الشياطين، وجُرح ومات. وأظلم الشيطان عقله. فهو هكذا من ناحية معينة، ومن ناحية أخرى هو لا يزال يحيا ويميز ويملك الإرادة.
استئصال الخطية :
          2ـ سؤال: أليس صحيحًا أن الشهوة الطبيعية تُستأصل مع الخطية بحلول الروح القدس؟
          الجواب: فقد سبق أن قلت إن الخطية تُستأصل والإنسان يسترجع ثانية شكل آدم الأصلي في طهارته. وفي الحقيقة، فإن الإنسان بقوة الروح والتجديد الروحاني لا يصل فقط إلى قياس آدم الأول، بل يصير في حالة أعظم منه لأنه يصير شريكًا للطبيعة الإلهية.
حدود حرب الشيطان:
          3ـ سؤال: هل الشيطان يحارب ضدنا كما يشاء أم أن له حرية محدودة في محاربتنا ؟
          الجواب: إن الشيطان يهاجم ليس المسيحيين فقط بل وعابدي الأصنام والعالم كله، فلو كان مسموحًا له أن يحارب كما يشاء لكان أهلك جميع البشر وحطّم كل شيء. ولماذا هكذا؟ لأن هذه هي غايته وشهوته. وكما أن الخزّاف يضع أوعيته في النار ويحمّى الفرن تدريجيًا وليس بما يفوق الحد اللازم لئلا تنشق الأواني، وأيضا ليس بأقل من الحد اللازم لئلا تصير الأوانى نيئة وغير نافعة للاستعمال، وكما أن الصائغ أو الجواهرجي يسلّط النار بقدر محسوب، لأنه إذا زادت النار عن اللازم يسيل الذهب والفضة ويصيران كالماء ويتلفان، وإذا كان عقل الإنسان يعرف كيف يقيس الأحمال المناسبة لدابته سواء كان جملاً أو غيره من الحيوانات بحسب قدرة كل حيوان على الحمل، فكم بالحري جدًا يفعل الله الذي يعرف قدر احتمال الناس لا يسمح للقوة المعادية أن تحارب كل إنسان إلاّ بقدر احتماله وسعته.
          4 ـ كما أن الأرض رغم أنها واحدة، ومع ذلك فهناك أجزاء فيها صخرية وأجزاء أخرى سهلة وخصبة، وأجزاء مناسبة لزراعة الكروم وغيرها لزراعة القمح والشعير، هكذا أيضًا حقول القلوب البشرية والمشيئات تختلف من واحد إلى آخر. وهكذا أيضًا مواهب النعمة التي من فوق تُوزع بتنوع واختلاف. فلواحد تُعطى موهبة الكرازة بالكلمة، ولآخر موهبة التمييز ولثالث مواهب الشفاء (1كو 9:12). فإن الله يعرف طاقة كل إنسان في تحقيق وكالته، وهكذا أيضًا على حسب ذلك يوزع مواهبه المتنوعة. وبطريقة مشابهة أيضًا فيما يخص الحرب الداخلية يسمح لقوة العدو بمحاربة كل واحد على قدر طاقته في تقبل ومواجهة حرب الشرير.
النعمة والطبيعة الشخصية :
          5 ـ سؤال: حينما ينال إنسان القوة الإلهية ويتغير بها نوعًا ما، هل يظل في الطبيعة التي كانت له قبلاً؟
          الجواب: لكى ما تُمتحن الإرادة، بعد نوال النعمة لكى يظهر ميلها وموافقتها، فإن الطبيعة تظل كما كانت قبلاً: فالذي كان شديدًا يبقى على شدته، والرقيق على رقته. ولكن يحدث أحيانًا أن إنسانًا غير متعلّم يُولد ثانيةً روحيًا ويتحول إلى إنسان حكيم وتُعلن له الأسرار الخفية، ومع ذلك يظل على طبيعته كإنسان غير متعلم. وآخر قد يكون شديدًا بطبيعته ولكنه يُسلّم نفسه وإرادته لخدمة الله فيقبله الله رغم أن طبيعته تبقى على شدتها، ومع ذلك يُسرّ الله به. وإنسان آخر يكون رقيقًا في عاداته ولطيفًا وصالحًا، ويعطى نفسه لله ويقبله الله ولكن إن لم يثبت في الصلاح فإن الله لا يُسرّ به لأن طبيعة البشر كلها قابلة للتغير إلى الخير أو إلى الشر، وهي قادرة على فعل الشر إذا أرادت ، ولكن إذا أرادت أيضًا فلها القوة ألاّ تتمّم الشر فعلاً.
          6 ـ ومثل الكتابة على الورق، فإنك تكتب شيئًا ربما لم تقصده ولذلك تمحوه ثانيةً. فالورق يتقبل أى نوع من الكتابة، هكذا الإنسان القاسي أو الشديد الذي يعطى ذاته لله فيقبله، فإنه يتحوّل إلى ما هو صالح. لأن الله يقبل الناس من كل الأنواع ومن كل الاتجاهات، لكى يُظهر رحمته. والرسل حينما كانوا يأتون إلى مدينة ويمكثون فيها بعض الوقت فإنهم كانوا يشفون بعضًا من المرضى والبعض الأخر لا يشفون. والرسل من ناحيتهم يرغبون أن يعطوا الحياة لكل الموتى، والشفاء لكل المرضى. لكن لم يكن لهم ما أرادوا: فلم يكن مسموحًا لهم أن يفعلوا ما يشاءون. وبنفس الطريقة حينما أمسك والى الحارث، بولس الرسول فإن النعمة التي كانت مع الرسول كان يمكن لو أرادت أن تجعل الوالي وسور المدينة كلاهما يسقطان، حيث إن بولس كان إنسانًا مؤيدًا بالروح القدس، ولكن الرسول تدّلى في زنبيل (2كو32:11). فأين كانت إذن القوة الإلهية المصاحبة له؟.. إن هذه الأشياء حدثت بتدبير العناية، وفي بعض الأمور كان الرسل يصنعون الآيات والعجائب، وفي حالات أخرى كانوا بلا قوة لكى يظهر الفرق بين الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون، ولكي تُمتحن وتظهر حرية الإرادة، وهل سيعثر البعض عندما يرون أنهم (أى الرسل) ضعفاء. فلو كان الرسل قد فعلوا كل ما شاءوا في كل شيء لكانوا قد أتوا بالناس إلى خدمة الله بالقوة الجبرية، ولا يكون الأمر حينئذ مسألة إيمان أو عدم إيمان. المسيحية هي ” حجر صدمة وصخرة عثرة” (رو33:9).
          7 ـ وأيضًا ما كُتب عن أيوب ليس بدون معنى، إذ يتضح من الكتاب أن الشيطان طلبه وسعى إليه. فإن الشيطان لا يستطيع أن يعمل شيئًا من ذاته بدون إذن من الله. وماذا يقول الشيطان للرب، “سلمه ليدي فإنه في وجهك سيجدف عليك” (أيوب12:1 سبعينية). ولا يزال أيوب كما هو، وهكذا الله أيضًا وكذلك الشيطان. فبقدر ذلك يطلبه الشيطان ويقول للرب “إنما هو يخدمك لأنك تساعده وتحميه وتعينه، ولكن أبسط يدك الآن وسلمه لي فإنه في وجهك يجدف عليك”. وباختصار، بسبب أن الشخص يكون حاصلاً على العزاء بالنعمة، فإن النعمة تنسحب قليلاً حتى يمكن أن يُسلم للتجارب، ويأتي الشيطان ويحضر معه ألاف من الشرور كتجارب للإنسان مثل: اليأس والارتداد والأفكار الرديئة ليعذب بها النفس لكى يضعفها ويفصلها عن الرجاء في الرب.
          8 ـ ولكن الشخص الحكيم لا ييأس أبدًا في وسط التجارب والشرور، بل يتعلق بمن هو مُمسك به، ومهما أثار الشيطان ضده من حروب فإنه يصبر في وسط التجارب التي لا تُحصى قائلاً ” إني ولو مت فلا أطلق الرب وأتركه”. وحينئذ فإذا صَبِرَ الإنسان إلى النهاية فإن الرب يحاور الشيطان قائلاً: ” انظر كم من الشرور والمصائب جلبت عليه ومع ذلك فلم يُنصت إليك بل هو يخدمني ويتقيني”. فحينئذٍ ينغلب الشيطان من الخزي ولا يكون له شيء أكثر ليقوله. وفي حالة أيوب، لو كان الشيطان قد علّم أن أيوب سيظل ثابتًا في وسط التجارب ولن ينهزم لما كان قد طلبه، وذلك ليتحاشى الخزي الذي أصابه. وهكذا الآن أيضًا في حالة أولئك الذين يحتملون الشدائد والتجارب، فإن الشيطان يخزى ويندم لرجوعه خائبًا. والرب يقول له “انظر ها أنا قد أعطيتك الإذن وسمحت لك أن تجربه، فهل استطعت أن تفعل به شيئًا؟ وهل سمع لك في أى شيء؟”.
الشيطان معرفته محدودة بأفكار الإنسان :
          9ـ سؤال: هل يعرف الشيطان كل أفكار الإنسان ومقاصده ؟
          جواب: إذا كان إنسان يرافق إنسانًا آخر، فإنه يعرف عنه كل ما يختص به. وإن كنت أنت الذي لك من العمر عشرون سنة، تعرف الأمور الخاصة بجارك، أفلا يستطيع الشيطان الذي يحتك بك منذ ولادتك أن يعرف أفكارك؟ فإن عمر الشيطان الآن ستة آلاف سنة. ومع ذلك فنحن لا نقول إنه يعرف ما ينوى أن يفعله الإنسان قبل أن يجربه؟ فالمجرب يبدأ بالتجربة ولكنه لا يعرف إن كان الإنسان سيطيعه أم لا إلى أن يأتي الوقت الذي فيه يُسلّم الإنسان إرادته للشيطان ليستعبده. كما أنني لا أقول إن الشيطان يعرف كل أفكار واختراعات قلب الإنسان. فكما أن الشجرة لها فروع وأغصان كثيرة، هكذا النفس أيضًا لها فروع كثيرة من الأفكار، والشيطان يعرف بعض هذه الفروع، ولكن هناك أفكار ومقاصد أخرى لا يدركها الشيطان ولا يمسكها.
الالتجاء إلى الله بالإيمان والمحبة يهزم الشيطان :
          10ـ فقد يحدث في أمر معيّن أن جانب الشر يكون أقوى في الأفكار التي داخلنا ولكن في أمر آخر ينتصر فكر الإنسان ويكون أقوى من الشر إذ ينال عونًا وفداءً من الله فيقاوم الشر ويمقته. إذن فإنه ينغلب في أمر وفي أمر آخر ينتصر. فإنه أحيانًا يأتي إلى الله بحرارة، والشيطان يعرف هذا ويرى ذلك الإنسان ينفر منه ويقاومه، وأنه ـ أى الشيطان ـ عاجز أمامه. وما السبب في ذلك؟ السبب أن الإنسان له الإرادة والرغبة أن يصرخ إلى الله، وتوجد عنده الثمار الطبيعية لمحبة الله، ثمار الإيمان بالله، وطلب المجيء إليه.
          ففي أمور العالم الخارجية التي حولنا، فإن الفلاح يُفلّح الأرض، ولكنه بالرغم من تفليحه لها، فإنه يحتاج إلى وابل من الأمطار من فوق. فإن لم يأت المطر من فوق فلا ينتفع الفلاح شيئًا من تفليحه الأرض. هكذا الأمر أيضًا في العالم الروحي. فإن هناك عاملان يؤخذان في الاعتبار. فأولاً، من الضروري أن يُفلّح الإنسان أرض قلبه بحريته واختياره وتعبه ـ فإن الله يريد أن يبذل الإنسان كل جهده ويتعب ولا يتكاسل ـ ولكن إن لم تظهر السحب السماوية وأمطار النعمة من فوق فإن الفلاح الروحاني لا ينتفع شيئًا من جهده وتعبه.
علامة المسيحية :
          11ـ هذه هي علامة المسيحية إنه مهما فعل الإنسان وتعب ومهما عمل أعمال برّ، فإنه يشعر أنه لم يفعل شيئًا. وحينما يصوم فإنه يشعر في نفسه كأنه لم يَصم. وحينما يصلى يقول في نفسه “هذه ليست صلاة”. وعندما يثابر في الصلاة يشعر أنه لم يُثابر بعد بل يقول لنفسه “إنني فقط بدأت أن أمارس المثابرة والتعب”، وحتى إذا كان بارًا أمام الله فينبغى أن يقول “أنا لست بارًا، أنا لست عاملاً، ولكنى فقط ابتدئ في كل يوم”.
          وينبغي أن يكون عنده الرجاء والفرح كل يوم وانتظار الملكوت التي والفداء الكامل، وان يقول ” إن لم أكن قد افتُديت (تحررت) اليوم فإنني سأُفتدى غدًا”. ومثل الإنسان الذي يزرع كرمًا، فإن عنده فرح ورجاء في نفسه قبل أن يبدأ الزرع، إذ هو يتصور الكرم في عقله ويحسب الربح الناتج منه أيضًا، قبل أن يثمر الكرم، وهكذا فإنه يبتدئ بالتعب والجهد ـ لأن الرجاء والانتظار يجعلانه يجتهد بغيرة وحماس وينفق على الكرم لفترة طويلة من ماله.
وهكذا أيضًا الإنسان الذي يبنى بيتًا أو يزرع حقلاً فإنه يتكلف كثيرًا في البداية، ولكنه يفعل ذلك على رجاء الربح الذي سيحصل عليه.
              وبنفس الطريقة في هذا الأمر الذي أمامنا. فإن لم يضع الإنسان أمام عينيه الفرح والرجاء قائلاً في نفسه: ” إنني سأحصل على الفداء الكامل (التحرر) والحياة”، فإنه لا يستطيع أن يحتمل الشدائد أو الأثقال بصبر ولا يستطيع السير في الطريق الضيق. فإن وجود الرجاء والفرح في قلبه هما اللذان يجعلانه يتعب ويحتمل الشدائد وثقل السير في الطريق الضيق.
          12 ـ ولكن كما أنه ليس من السهل خروج الميسم (سيخ حديد) من النار، هكذا فليس من السهل أن تهرب النفس من نار الموت إلاّ بتعب كثير. فكثيرًا ما يوحى الشيطان بأفكار مضلّة تحت ستار الأفكار الصالحة مثل ” بهذه الطريقة يمكنك أن ترضى الله” فهو يوحى إلى الشخص ويقوده بمكر إلى أفكار خادعة ولطيفة حسب مظهرها، وعندما لا يعرف الإنسان كيف يكتشف أو يميّز أنه مخدوع. فإنه يسقط في ” فخ وهلاك إبليس” (1تى9:6، 7:3).
السلاح الفتاك :
          إن أشد أسلحة المجاهد المسيحي فتكًا هي هذه: أن يحارب ضد الشيطان في أعماق قلبه، وأن يبغض نفسه، وينكر نفسه، وأن يغضب منها ويوبّخها، ويقاوم الشهوات التي تتحرك في داخله ويعارك مع أفكاره ويحارب ضد ذاته.
          13 ـ فإذا كنت تحفظ جسدًا خارجيًا من الفساد والدنس ولكنك ترتكب الزنا والفسق في أفكارك فإنك زانِ أمام الله ولا تنفعك عذراوية جسدك شيئًا. فإن كانت هناك امرأة شابة يحاول شاب أن يغريها ويخدعها حتى يفسدها بحيلته ومكره، فإنها بعد ذلك تصير مكروهة من زوجها لأنها صارت زانية. هكذا أيضًا النفس الروحانية فإنها إذا عقدت شركة مع الحيّة المختفية في ثنايا القلب الداخلية، فإنها ترتكب الزنا مع الروح الخبيث ضد الله كما هو مكتوب ” إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنا بها في قلبه” (مت28:5). فهناك زنى بالجسد، وهناك زنى آخر للنفس حينما تقيم شركة مع الشيطان. فالنفس إما أن تكون شريكة وقريبة للشياطين، أو لله والملائكة، فإن كانت تزنى مع الشيطان، فهي لا تليق بالعريس السماوى.
الحرب مستمرة ولكن الرب يحفظ من الذي :
          14ـ سؤال: هل الشيطان يهدأ أحيانًا ويكون الإنسان حُرًا من الحروب؟ أم أن الحرب لا تكف عنه مادام حيًا في الجسد؟
          جواب: إن الشيطان لا يهدأ أو يكف عن الحرب. ومادام الإنسان يحيا في هذا العالم ويلبس الجسد فهو مُعرّض للحرب. ولكن حين    ” تنطفئ سهام الشرير الملتهبة”(أف16:6) في ضرر يصيب الإنسان إذا أتى الشيطان بإيحاءاته؟ فالشخص الذي يكون صديقًا للملك، وتُرفع شكوى ضده من عدوه، فحيث إن الملك صديق له ويتمتع بفضل وإنعامات الملك، ويقدم له الملك المساندة والعون، فإنه لا يُصاب بأي ضرر. وحينما ينجح أى شخص في أن يعبر بكل الرتب والدرجات ويصير صديقًا للملك ، فلا يستطيع أحد أن يلحق به ضررًا. وفي هذا العالم المادي توجد بعض المدن التي تحصل على هبات وإنعامات من الإمبراطور. فحتى إذا قامت هذه المدن بالصرف على بعض الخدمات فإنها لن تخسر كثيرًا، حيث إنها تحصل على خيرات وافرة من الإمبراطور. هكذا المسيحيون أيضًا، فحتى إذا كان العدو يحارب ضدهم فإنهم يحتمون في الله كحصنهم وقوتهم، وقد لبسوا القوة والراحة من الأعالي، ولا يبالون بالحرب التي تقوم ضدهم.
          15 ـ وكما أن الرب لبس الجسد متخلّيًا عن كل رئاسة وقوة، كذلك المسيحيون يلبسون الروح القدس ويصيرون في سلام. فحتى إذا أتت الحرب من الخارج وبدأ الشيطان هجومه، فإنهم يتقوون داخليًا بقوة الرب ولا يقلقون من الشيطان.
          فالشيطان جرّب الرب في البرية أربعين يومًا ولم يصبه بأي ضرر باقترابه من جسده أو من الداخل إذ كان هو الله. هكذا المسيحيون، رغم أنهم يُجرّبون من الخارج فإنهم من الداخل مملؤون بالله ولا يصيبهم أى أذى. ولكن من يصل إلى هذه المقاييس، فإنه يكون قد وصل إلى محبة المسيح الكاملة، وإلى ملء اللاهوت. وأما من لم يكن هكذا فإنه لا يزال يعانى من الحرب في داخله. فإنه في ساعة معينة يبتهج ويفرح في الصلاة ولكنه في ساعة أخرى يكون في شدة وفي حرب. وهذه هي إرادة الرب. فلأن مثل هذا الشخص لا يزال طفلاً، فإن الرب يدرّبه في الحروب، ومن داخله تنبع كلاً من أفكار النور والظلمة، والسلام والشدة، ومثل هؤلاء الأشخاص يصلون في سلام في بعض الأوقات وفي أوقات أخرى يكونون في ضيق وقلق.
          16ـ ألاّ تسمع ما يقوله الرسول بولس؟ ” إن كان لي كل المواهب، وإن سلّمت جسدي حتى احترق، وإن كنت أتكلم بألسنة الملائكة، وليس لى محبة فلست شيئًا” (1كو1:13ـ3). فهذه المواهب هي فقط لأجل حثنا وتحريضنا. وأولئك الذين يكتفون بها فإنهم لا يزالون أطفالاً رغم أنهم في النور.
          فكثيرون من الأخوة قد وصلوا إلى هذه الدرجات وحصلوا على مواهب الشفاء، والإعلانات والنبوة ، ولكن لأنهم لم يصلوا إلى المحبة الكاملة التي هي ” رباط الكمال” (كو18:3) فإن الحرب تثور ضدهم، ولأنهم لا يحترسون فإنهم يسقطون. ولكن الشخص الذي يصل إلى المحبة الكاملة فإنه يُحاصر بالنعمة ويصير أسيرًا لها. أما الذي يقترب قليلاً من هذه الدرجة ـ درجة المحبة الكاملة ـ ولكنه لا يُربط بالحب تمامًا ويُقيّد به، فمثل هذا الشخص لا يزال مُعرّضًا للخوف والحروب واحتمال السقوط، وإذا لم يحترس لنفسه فإن الشيطان يلقيه صريعًا على الأرض.
أسباب السقوط :
          17 ـ وبهذه الطريقة فإن كثيرين أخطأوا بعد أن حصلوا على النعمة. ظنوا أنهم قد حصلوا على الكمال وقالوا ” هذا يكفي، إننا لا نحتاج إلى أكثر من ذلك”. ولكن الرب ليس له نهاية، ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة ولا يجرؤ المسيحيون أن يقولوا “لقد أدركنا” الله (في13:3)، ولكنهم يظلون يسعون ـ بتواضع ـ ليلاً ونهارًا. وفي أمور هذا العالم نجد أنه ليس هناك نهاية للتعلّم، وأكثر الناس إدراكًا لهذه الحقيقة هو الشخص الذي حصل على درجة كبيرة من العلم والمعرفة. هكذا أيضًا في هذا الأمر الذي نتحدث عنه، فالله لا يمكن قياسه أو إدراكه إلاّ بواسطة أولئك الذين قد بدأوا يتذوقونه، أولئك الذين قبلوه شخصيًا، ويعترفون بضعفهم وعجزهم. فإذا ذهب إنسان له بعض العلم إلى قرية حيث الناس غير متعلّمين فإنهم يعجبون به، لأنهم جهلاء تمامًا فإنهم يمدحونه كأحد العلماء. ولكن إذا ذهب نفس هذا الشخص بعلمه القليل إلى مدينة حيث العلماء والخطباء فإنه لا يجسر أن يظهر بينهم أو يتكلم لأن العلماء الحقيقيون يحسبونه جاهلاً.
حالة الذي ينتقل أثناء الحرب الروحية :
          18ـ سؤال: إذا فرضنا أن إنسانًا لا يزال في حرب داخلية ولا يزال يوجد في نفسه كلاً من الخطية والنعمة، فإذا انتقل من هذا العالم إلى أين يذهب، حيث إنه يميل نحو كل من الخطية والنعمة.
          جواب: إنه يذهب إلى حيث يميل قلبه وإلى حيث يوجد حبه. وما عليك إذا أتت عليك الشدة والحرب إلاّ أن تقاومهما وتبغضهما. لأن مجئ الحرب عليك هذا ليس من صنعك. ولكن أن تبغض الحرب فهذا أمر متوقف عليك. وحينئذ إذ ينظر الرب إلى قلبك ويرى أنك تجاهد وأنك تحبه بكل نفسك، فإنه يطرد الموت عن نفسك في وقت قصير جدًا. فإن هذا ليس صعبًا عليه، ثم يأخذك إلى حضنه وإلى نوره. وفي لحظة من الزمان ينتشلك من فم الظلمة وينقلك في الحال إلى ملكوته. فمن اليسير على الله أن يفعل كل الأشياء في لحظة من الزمان، إن كنت فقط تضع حبك فيه. إن الله يريد عمل الإنسان. لأن النفس البشرية خُلقت لتكون لها شركة مع اللاهوت.
          19 ـ وقد سبق أن تكلّمت كثيرًا عن مَثْل الفلاح الذي يتعب ويلقى البذار في الأرض وكيف أنه ينبغي أن ينتظر المطر من فوق. فإن لم تظهر السحب وتهب الرياح فلا فائدة من تعب الفلاح. فإن البذار تبقى عارية. والآن نطبق هذا على الوضع الروحي، فالإنسان الذي يعتمد فقط على مجهوداته الخاصة ولا ينال ما هو خارج عن طبيعته البشرية فإنه لا يستطيع أن يقدّم للرب ثمارًا تليق به. والآن ما هو العمل المطلوب من الإنسان، هل أن يتجرد من العالم ويتركه، وأن يثابر على الصلاة ويسهر، وأن يحب الله والاخوة؟. هذه هي المجالات المطلوب من الإنسان أن يعمل ويثابر فيها. ولكنه إن استند على عمله هذا واكتفي به ولم يترجى أن ينال العطية الأخرى، التي هي رياح الروح القدس، فإن عدم هبوب رياح الروح على نفسه، بسبب عدم ظهور السحب السماوية، وعدم نزول المطر من السماء ليرطب نفسه، فإن الإنسان لا يستطيع أن يقدم للرب الثمار التي تليق به (بالرب).
          20 ـ إنه مكتوب إن الكرام حينما يرى الغصن يأتي بثمر ” ينقيه ليأتي بثمر أكثر” (يو2:15) وأما الغصن الذي لا يأتي بثمر فإنه ينزعه ويسلّمه للحريق. وفي الحقيقة يليق بالإنسان إذا صام أو سهر الليالي أو صلى أو عمل أى شيء من الصلاح، أن ينسب كل شيء للرب ويقول: ” لو لم أنل القوة من الله لما كنت قد استطعت أن أصوم أو أصلى أو أتجرد من العالم”.
          وبهذه الطريقة فإذ يرى الله قصدك، أنك تنسب كل ما تعمله إليه، فإنه ينعم عليك بما هو ليس من ذاتك أو من طبيعتك ـ أى بما هو روحاني وإلهي وسماوي. وما أعنيه هو ثمار الروح والفرح والسعادة.
الثمار الطبيعية والثمار الروحانية :
          21ـ سؤال: ولكن حيث إن الثمار الطبيعية هي المحبة والإيمان والصلاة، فما هو الفرق بين هذه الثمار الطبيعية والثمار الروحانية؟
          جواب: الأشياء التي تعملها من نفسك هي حسنة ومقبولة أمام الله، ولكنها ليست نقية تمامًا فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبة كاملة. فحينما يأتي الرب إلى داخلك فإنه يعطيك محبة سماوية غير متغيرة. أو أنت تصلى ولكن صلاتك مُصابة بتشتيت الأفكار والقلق. وحينما يأتي الرب إليك فإنه يعطيك الصلاة النقية ” بالروح والحق” (يو23:4) وإننا نجد في العالم المادي، أن التربة غالبًا ما تُخرج أشواكًا من نفسها.
          والفلاح يحفر ويصلح الأرض بعناية ويضع فيها البذار، ولكن الأشواك التي لم يزرعها أحد تنبت وتتكاثر. إذ أنه بعد سقوط آدم قيل له  ” شوكًا وحسكًا تنبت لك الأرض” (تك18:3). ومرة ثانية يتعب الفلاح في الأرض ويقتلع الأشواك ولكنها مع ذلك لا تزال تتكاثر. وإذا طبقنا هذا تطبيقًا روحيًا نجد أنه منذ سقوط الإنسان صارت تربة القلب البشرى تنبت شوكًا وحسكًا. والإنسان يعمل ويتعب، ومع ذلك تنبت فيها أشواك الخطية، إلى أن يأتي الروح القدس نفسه ” ويعين ضعفات الإنسان” (رو26:8). ويزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب ويفلحها. ولكن برغم ذلك، لا يزال الحسك والشوك ينبتان ثانية. ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس ولا تزال أشواك وأرواح الشر تنبت وتنمو هناك حتى يأتي وقت الصيف والحرارة الشديدة حين تتفاضل وتتزايد النعمة فتجف الأشواك وتذبل من حرارة الشمس.
النعمة المتفاضلة تلغى سلطان الخطية :
          22ـ فرغم أن الشر موجود في الطبيعة البشرية (بعد نوال النعمة) ولكنه لم يعد له السلطان أن يسود عليها كما كان سابقًا. فرغم أن الزوان يمكن أن يخنق نبات القمح في بداية نموه ولكن حينما يأتي الصيف وتنضج حبوب القمح فإن الزوان لا يكون له أى ضرر على القمح بعد ذلك. فإذا وضعت ربع مكيال[1] من الزوان في ثلاثين مكيال من القمح النقي واختلطت معها في تأثير يكون للزوان. فإن كمية القمح الكبيرة تطغى بسبب وفرتها على الزوان القليل.
          هكذا أيضًا في مجال النعمة، فحينما تتفاضل عطية الله وتفيض نعمته في الإنسان فيصير غنيًا بالرب، فحتى إذا كانت الخطية حاضرة فيه إلى درجة ما، فإنها لا تستطيع أن تؤذيه ولا يكون لها سلطان أو قوة عليه. وهذا هو الهدف من مجيء الرب وعنايته بالإنسان ـ هو أن يطلق الذين كانوا أسرى للخطية ومستعبدين لها، ويجعلهم أحرارًا وغالبين للموت والخطية. لذلك فلا ينبغي أن يستغرب الاخوة إذا أصابتهم ضيقات وشدائد من الناس فهذا يساعد على تخليصهم وتحريرهم من الخطية.
          23ـ كان موسى وهرون اللذان أُعطيا الكهنوت في العهد القديم، يتحملان شدائد كثيرة، أما قيافا حينما جلس في كرسيهما اضطهد الرب وحكم عليه. والرب سمح بأن يتم هذا احترامًا للكهنوت. وبالمثل فإن الأنبياء قد اضُطهدوا من أمتهم وشعبهم.
          وفي كنيسة العهد الجديد خلف بطرس، موسى، واستأمنه المسيح على كنيسته الجديدة والكهنوت الحقيقي. لأن المعمودية الآن هي معمودية النار والروح القدس. وقد أُعطينا ختانًا في القلب. لأن الروح الإلهي السماوي يسكن في داخل العقل.
          ومع ذلك فحتى أولئك الكاملين ليسوا أحرارًا من القلق تمامًا ماداموا في الجسد، وذلك بسبب حرية إرادتهم، ولذلك يتعرضون للخوف. ولهذا السبب عينه يُسمح لهم بأن يُجربوا. ولكن حينما يصل الإنسان إلى مدينة القديسين، فإنه حينئد يستطيع أن يحيا بدون اضطراب وبدون تجارب. وهناك لا يوجد حزن أو اضطراب أو تعب أو شيخوخة أو شيطان أو حرب، بل هناك راحة وفرح وسلام وخلاص. والرب موجود في وسطهم وهو مخلصهم لأنه هو الذي أطلق المأسورين أحرارًا. وهو يُدعى الطبيب لأنه معطى الدواء السماوي الإلهي. ويشفي آلام وأهواء النفس التي تكون من بعض الوجوه متسلطة على الإنسان. وبالاختصار فإن يسوع هو الملك والله، أما الشيطان فهو طاغية ورئيس الشر.
النفس لها الاختيار بين الله والشيطان :
          24 ـ ولنقل ببساطة، إن الله وملائكته يرغبون أن يجعلوا هذا الإنسان واحدًا معهم ليكون معهم في ملكوت الله، والشيطان أيضًا وملائكته يرغبون أن يضموا الإنسان إليهم ليكون معهم. والنفس موجودة في الوسط بين هذين الكيانين ـ والجانب الذي تميل إليه إرادتها فإنها تصير ملكًا له وابنًا له. فكما يحدث من الأب الذي يرسل ابنه إلى أرض غريبة، حيث توجد وحوش كاسرة وحيات سامة في الطريق، فإنه يعطيه أدوية وعلاجات يجهزه بها حتى إذا قابلته الوحوش أو التنانين لتهاجمه فإنه يستطيع أن يستعمل الأدوية ليقتلها.
الدواء السماوي والقلب النقي :
          فاجتهدوا أنتم أيضًا في الحصول على الدواء السماوي الذي هو شفي النفس وواقيها، لكى بواسطته تستطيعون أن تقتلوا الوحوش السامة ـ وحوش الأرواح النجسة. فبالحقيقة أنه ليس من السهل الحصول على قلب نقى إلاّ بتعب وجهد كثير. فإنه بذلك يحصل الإنسان على ضمير نقى وقلب طاهر وينتزع منه الشر كله.
          25 ـ فإنه يحدث أحيانًا أن تأتى النعمة إلى إنسان ومع ذلك لا يكون قلبه نقيًا تمامًا. وهذا هو السبب الذي يجعل كثيرين يسقطون، فإنهم يسقطون لأنهم لا يصدقون أنهم بعد نوالهم النعمة لا يزال فيهم دخان وخطية، تستطيع أن تؤثر عليهم.
وأما جميع الأبرار فإنهم أرضوا الرب إذ ساروا في الطريق الضيق الكرب وساروا فيه إلى النهاية.
          فإبراهيم رغم أنه كان غنيًا من جهة الله ومن جهة العالم إلاّ انه اعتبر نفسه ” تراب ورماد” (تك27:18) وداود يقول إنه ” عار عند البشر ومُحتقر الشعب، أما أنا فدودة لا إنسان” (مز6:22). وبنفس الطريقة، فإن كل الأنبياء والرسل أُهينوا وشُتموا، والرب نفسه، الذي هو الطريق، وهو الإله، حينما جاء إلى العالم لأجلك وليس لأجل نفسه، ليكون مثالاً لك في كل ما هو صالح.
انظر إلى المسيح :
انظر، إلى أى تواضع صار ووضع نفسه ” آخذًا صورة عبد” (في7:2)، وهو يعطى بنفسه أدوية شافية ويشفي كل المجروحين حينما ظهر من الخارج كأنه واحد من ” المجروحين” (إش5،4:53).
          26 ـ ولكن لا تحتقر مجده الإلهي حينما تراه من الخارج متواضعًا كواحد منا. فإنه من أجلنا ظهر هكذا وليس لأجل نفسه، تأمل جيدًا في تلك الساعة حينما كانت الجموع المزدحمة تصرخ ” أصلبه أصلبه” (لو21:23) وكيف كان متواضعًا ومسحوقًا أكثر من جميع الناس. وكما يحدث في العالم حولنا فإن أى إنسان مجرم حينما يحكم عليه القاضى فإنه حينئذ يكون مكروهًا ومرذولاً من جميع الناس، هكذا كان الرب في ساعة الصليب وكإنسان محكوم عليه بالموت كان الفريسيون يعاملونه باحتقار شديد. وحينما بصقوا في وجهه ووضعوا إكليل الشوك على رأسه وضربوه في احتقارٍ وهوانٍ قد احتمله؟ لأنه مكتوب ” بذلت ظهري للضاربين, وجهي لم أستر من العار والبصاق وخدي من اللطم” (إش6:50). فإن كان الله قد تنازل لاحتمال هذه الإهانات والآلام والتحقير، فكم بالحري أنت الذي بطبيعتك ترابي ومائت. فمهما احتُقرت فإنك لن تفعل أبدًا مثل سيدك ـ فإنه لأجلك وضع نفسه، أفلا تضع أنت ذاتك لأجل نفسك أم تظل متكبرًا ومنتفخًا. لقد أتى ليحمل على نفسه آلامك وأثقالك وخطاياك، وليعطيك راحته، ولكنك ترفض أن تحمل أية متاعب أو أن تتألم لكى تحصل على شفاء لجروحك. والمجد لصبره وطول أناته إلى الأبد آمين.
________________________________________
[1] (ربع)  المكيال المقصود يساوى (1 على 8) من مكيال القمح فتكون نسبة الزوان إلى القمح 240:1.
العظة السابعة والعشرون
حالة النعمة وحرية الاختيار
هذه العظة كسابقتها تصف كرامة وحالة الإنسان المسيحي. ثم تعلّم أمورًا نافعة كثيرة عن حرية الإرادة مع بعض أسئلة مملوءة بحكمة إلهية.
كرامة الإنسان في المسيح :
          1ـ اعرف أيها الإنسان سموك وكرامتك وشرفك عند الله، لكونك أخًا للمسيح، وصديقًا للملك، وعروسًا للعريس السماوى، لأن كل من استطاع أن يعرف كرامة نفسه، فإنه يستطيع أن يعرف قوة وأسرار اللاهوت. وبذلك يمكنه أن ينسحق ويتضع أكثر، ففي ضوء قوة الله يرى الإنسان خطورة حالته الساقطة. وكما أنه (المسيح) عبر الآلام والصليب قبل أن يتمجّد ويجلس عن يمين الآب، هكذا ينبغي لك أن تتألم معه، وتُصلب معه، وبذلك تصعد معه وتتحد بجسد المسيح، وتملك معه إلى الأبد في ذلك العالم، ” إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه” (رو17:8).
          2 ـ لأن أولئك الذين يستطيعون أن يغلبوا ويجوزوا حصون الشر، فإنهم يدخلون إلى المدينة السماوية المملوءة بالسلام وأنواع الصالحات حيث ” أرواح الأبرار” تجد راحة (عب23:12). لذلك ينبغي أن نكد ونتعب كثيرًا من أجل ذلك. فإنه لا يليق أن العريس الذي أتى من أجلك ، يتألم ، بينما العروس التي جاء لأجلها العريس تعيش في بلادة وتكاسل هائمة في العالم. وكما أنه في الأمور العالمية تعطى الزانية نفسها لكل إنسان بدون تمييز في عهارة، هكذا النفس التي قد أعطت نفسها للشيطان حتى أفسدتها تلك الأرواح الشريرة. فإن البعض يخطئون ويفعلون الشر باختيارهم بينما البعض الآخر يخطئون رغمًا عنهم. فما معنى هذا؟ إن أولئك الذين يفعلون الشر باختيارهم هم الذين قد باعوا إرادتهم للشر، ويجدون لذتهم فيه ويعقدون معه صداقة. مثل هؤلاء هم متصالحون مع الشيطان ولا يحاربونه في أفكارهم. وأما أولئك الذين يفعلون الشر بدون إرادتهم فهؤلاء تحارب الخطية في أعضائهم (رو23:7). وقوة وحجاب الظلمة تحارب ضد إرادتهم وهم لا يتوافقون معها في أفكارهم، ولا يجدون لذتهم فيها، ولا يطيعونها بل يحاربون ضدها في القول والفعل. وهم يغضبون مع أنفسهم. فهؤلاء هم أسمى جدًا وأكرم في عيني الله من الذين يبيعون إرادتهم للشر ويفرحون به.
          3 ـ فإذا افترضنا أن ملكًا وجد فتاة فقيرة تلبس خرقًا بالية، ولم يستنكف منها بل أخذها وجردها من ثيابها الرثة وغسلها من سوادها وزينها بملابس أنيقة مبهجة وجعلها شريكته وجليسته على مائدته، فهكذا الرب أيضًا قد وجد النفس مجروحة ومضروبة، وأعطاها الدواء وخلع عنها الثياب السوداء وأزال عنها عار الخطية وألبسها الملابس الملوكية السماوية أي ملابس اللاهوت اللامعة المجيدة. ووضع تاجًا على رأسها وجعلها شريكة مائدته الملوكية للفرح والبهجة. وكما في حالة الحديقة الجميلة حيث توجد أشجار مثمرة ويكون الهواء مُحملاً بالرائحة الزكية، وتوجد أماكن كثيرة جميلة ومُنعشة وذلك لبهجة وراحة أولئك الذين يذهبون إلى هناك، هكذا أيضًا تكون النفوس في الملكوت فإنها تكون جميعها في فرح وسعادة وسلام، ويكونون ملوكًا وأربابًا وآلهة. لأنه مكتوب ” ملك الملوك ورب الأرباب” (1تي 15:6).
          4 ـ فالديانة المسيحية ليست إذن شيئًا عاديًا، ” هذا سر عظيم” (أف32:5)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية “جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة” (1بط9:2)، لأن سر المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك وكل غناه، إنما هو أرضى وفاني ومضمحل وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجدًا وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية ” وهو البكر من الأموات” (كو18:1) وهم أيضًا أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبولون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمرًا طبيعيًا عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء.
نفسي ليست ثمينة عندي :
          5ـ سؤال: هل معنى ذلك أنهم لا يعرفون أنهم قد نالوا شيئًا زائدًا وأنهم قد حصلوا على ما لم يكن لهم قبلاً أي ما هو غريب عن طبيعتهم؟
              جواب: ما أقوله هم إنهم لا يعتبرون أنفسهم مستحقين لمدح الله ورضاه، ويعتبرون أنهم لم يتقدموا ويرتقوا، وهم لا يعرفون كيف حصلوا على ما لم يكن لهم قبلاً. ولكن برغم كل ذلك فإن النعمة نفسها تأتي وتعلّمهم أن لا يحسبوا ” نفوسهم ثمينة عندهم” (أع 24:20) رغم أنهم قد نموا وتقدموا. بل وأن يحسبوا أنفسهم كأنهم من طبيعتهم لا قيمة لهم. ورغم أنهم مكرّمون وأعزاء عند الله ولكنهم ليسوا مكرّمون عند أنفسهم. ورغم أنهم ينمون ويتقدمون في معرفة الله، فإنهم يكونون كأنهم لا يعرفون شيئًا ورغم كونهم أغنياء عند الله فإنهم يرون أنفسهم فقراء ـ وكما أن المسيح ” أخذ صورة عبد” (في 7:2) وغلب الشيطان بالتواضع، هكذا فإنه في البداية سقط الإنسان عن طريق الكبرياء والمجد الباطل بخداع الحية، والآن فإن الحية نفسها التي تختبئ في القلوب البشرية تحاول أن تصرع وتهلك كثير من جنس المسيحيين عن طريق الكبرياء والمجد الباطل.
          6 ـ وإذا كان إنسان حر وكريم المولد بحسب العالم وعنده غنى كثير، وهو مستمر في تنمية ثروته وزيادة دخله، فإن مثل هذا الإنسان يفقد اتزانه ويصير معتدًا بذاته واضعًا ثقته في ذاته. هذا الإنسان يصير غير محتمل، ويبتدئ يرفس الآخرين ويبطش بهم. هكذا يكون الحال أحيانًا مع بعض الأشخاص الذين ينقصهم التمييز، فإنهم بمجرد أن يبدأوا في تذوق الفرح والقوة في الصلاة، فإنهم يبتدأون أن ينتفخوا روحيًا، ويفقدون اتزانهم، ويبدأون في إدانة الآخرين ولذلك يسقطون إلى أسفل أعماق الأرض. وأن الحية نفسها التي طردت آدم من الفردوس عن طريق الكبرياء بقولها “ستكونان كالآلهة” (تك5:3)، لا تزال تلقى بأفكار الكبرياء في قلوب البشر قائلة لكل منهم ” أنت كامل، إن عندك كثير وأنت غنى، ولا تحتاج شيئًا، إنك مغبوط وسعيد”.
          وهناك أشخاص آخرون أغنياء بحسب هذا العالم ومستمرون في تنمية ثرواتهم، ومع ذلك فإنهم يحفظون أنفسهم في حدود بعض البصيرة والتمييز ولا يفتخرون أو ينتفخون بل يظلون متزنين لأنهم يعرفون أن الوفرة والغنى يمكن أن يعقبها القلّة والشح. وأيضًا حينما تحدث لهم الخسارة والقحط فإنهم لا ييأسون بل يحفظون توازنهم عالمين أن الرخاء والوفرة ستعود مرة أخرى، وبكثرة تمرنهم في وقت الخسارة لا يندهشون ويتحيرون.
المسيحية تذوق عميق وأكل للحق باستمرار :
7ـ والمسيحية في حقيقتها هي تذوق عميق للحق، هي أكل وشرب للحق، أن تأكل وأن تشرب، وهكذا تستمر تأكل وتشرب لتنال القوة والفاعلية. وإذا افترضنا أن هناك عين ماء يأتي إليها شخص عطشان ويبدأ أن يشرب منها ولكن في أثناء شربه يأتي شخص آخر ويصده قبل أن يرتوي تمامًا كما يريد، فإن ذلك الإنسان العطشان يشتعل عطشًا أكثر إلى الماء، لأنه قد تذوق الماء ولذلك فإنه يطلبه بغيرة وجهد أكثر. هكذا أيضًا في المجال الروحاني فإن الإنسان يتذوق الطعام السماوي ويشترك فيه، ثم يأتي في أثناء ذلك ما يمنعه فلا ينال شبعه تمامًا.
          8 ـ سؤال: ولماذا لا يُسمح له أن ينال شبعه الكامل ؟
          جواب: إن الرب يعرف ضعف الإنسان، وأنه ينتفخ بسهولة، ولهذا السبب فإنه يحجز عنه الشبع ويسمح للإنسان بأن يُمتحن ويُجرّب. فإذا كنت تنال قليلاً من النعمة ومع ذلك تصير غير محتمل وتكون منتفخًا، فكيف يكون الحال لو أنك أُعطيت حتى الشبع مرة واحدة بدون أن يحجز عنك الشبع؟ ولكن الله إذ هو يعرف ضعفك تمامًا فإنه بعنايته يرتب أن تأتيك الشدائد لكي تتضع وتطلب الله بغيرة واجتهاد. وكما يحدث في حالة إنسان فقير في الماديات وجد كيس ذهب وبخفة الفرح بدأ يصيح: ” لقد وجدت كيسًا من الذهب وصرت إنسانًا غنيًا” وحينئذ يسمع صاحب الكيس الذي فقده فيأتي ويأخذ ذهبه.
          وإنسان آخر كان غنيًا، وفقد اتزانه وبدأ يرفس الناس، ويحتقر كل واحد، ويعظِّم نفسه على غيره من الأشخاص، وحينما سمع الإمبراطور عنه صادر كل ممتلكاته. وهكذا الأمر في المجال الروحانى. فحينما يتذوق بعض الأشخاص قليلاً من العزاء والنعمة، فإنهم لا يعرفون كيف ينتفعون بما نالوا، بل إنهم يفقدون حتى ما قد نالوه لأن الخطية تضلّهم وتُظلِم عقولهم.
النعمة والسقوط وحرية الاختيار :
          9ـ سؤال: كيف يسقط البعض بعد افتقاد النعمة له أفلاّ يصير الشيطان أضعف بواسطة النعمة؟ وحيث يكون النهار كيف يمكن أن يكون هناك ليل؟
          جواب: ليس أن النعمة تنطفئ أو تضعف، بل إن إرادتك وحريتك تُمتحن لكي يتضح إلى أي اتجاه تميل، ولهذا، فإن النعمة تعطى فرصة لوجود الخطية. وحينئذ تقترب أنت ثانية من الرب باختيارك وتتوسل إليه أن تأتيك النعمة وتفتقدك. فإنه مكتوب ” لا تطفئوا الروح” (1تس19:5) فالروح نفسه لا يمكن أن ينطفئ، بل هو نور دائم، ولكن إذا كنت أنت مهملاً، فبعدم توافقك وتعاونك مع الروح فإنك تنطفئ وتفقد الروح. وبالمثل يقول الكتاب ” لا تحزنوا الروح القدس الذي به ختمتم ليوم الفداء” (أف30:4) وأنت ترى هنا، أنك متروك لاختيارك وحريتك أن تكرم الروح القدس ولا تحزنه. وإني أؤكد لك أن حرية الاختيار تظل باقية حتى في المسيحيين الكاملين الذين يُسبون بالصالحات ويسكرون بها، والنتيجة أنهم رغم تعرّضهم لآلاف من الشدائد والشرور فإنهم يتجهون إلى الصلاح.
          10ـ وحينما يترك بعض الأشخاص ـ من ذوي الرتب والثراء والنسب ـ أموالهم ويلبسون ثيابًا فقيرة رثة ويقبلون المسكنة والإهانات بدلاً من التكريم والاحترام، ويحتملون الشدائد ويُحسبون بلا كرامة، فإنهم إنما يفعلون هذا باختيارهم وإرادتهم. وصدقني أن الرسل أنفسهم الذين كانوا كاملين في النعمة، لم تكن النعمة تمنعهم من أن يفعلوا ما يريدون، إن رغبوا أحيانًا أن يفعلوا شيئًا غير موافق للنعمة. إن طبيعتنا البشرية معرّضة لكل من الخير والشر، والقوة المعادية تعمل عن طريق الحث والإغراء وليس عن طريق الإجبار. وأنت تملك الحرية أن تميل إلى الاتجاه الذي تريده. ألم تقرأ ما هو مكتوب أن بطرس ” كان ملومًا” (غل11:2). وأن بولس قاومه مواجهة. فرغم كل ما كان عليه بطرس من نعمة فإنه استوجب التوبيخ. وبولس ، مع كل الروحانية التي كان عليها، فإنه تشاجر مع برنابا حتى فارق أحدهما الآخر (أع39:15)، وبولس نفسه أيضًا يقول ” اصلحوا أنتم الروحانيون مثل هذا.. ناظرًا إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضًا” (غل1:6). إذن فالروحانيون يُجربون لأن حرية إرادتهم باقية، والأعداء يحاربونهم ماداموا في هذا العالم.
          11ـ سؤال: ألم يكن الرسل يستطيعون أن يخطئوا لو أرادوا ذلك؟ أم أن النعمة كانت قوية جدًا فوق إرادتهم؟
          جواب: إنهم لم يكونوا يستطيعون أن يخطئوا، لأنه لم يكن في استطاعتهم أن يختاروا الخطية لكونهم في النور وفي ملء النعمة. وأنا لا أقول إن النعمة كانت ضعيفة فيهم ولكن ما أقول إن النعمة تسمح حتى للأشخاص الروحانيين الكاملين أن تكون لهم حرية الإرادة، وأن يكون لهم السلطان أن يفعلوا ما يختارون، وأن يتجهوا الاتجاه الذي يرغبونه. والطبيعة البشرية، إذ هي ضعيفة لها الإمكانية أن تميل إلى الشر حتى مع وجود الصلاح والنعمة فيها. وكما أن هناك أناسًا يلبسون السلاح الكامل من الرأس إلى القدم مع الدروع وغيرها من الأسلحة، فإنهم حينئذ يكونون محفوظين في الداخل ولا يستطيع الأعداء أن يهاجموهم، فإنهم في استطاعتهم إمّا أن يستخدموا أسلحتهم ويحاربوا ويجاهدوا ضد الأعداء وينتصروا أو أن يصالحوا الأعداء ويعقدوا معهم صلحًا ويكفوا عن محاربتهم رغم أنهم يملكون السلاح. وبنفس الطريقة، فإن المسيحيين المسلحين بالقوة الكاملة والذين يملكون السلاح السماوي يستطيعون إن أرادوا أن يتصالحوا مع الشيطان ويكفوا عن الحرب. إن الطبيعة البشرية معرّضة للتغيّر، والإنسان يستطيع إذا أراد أن يصير ابنًا لله أو ابنًا للهلاك. وفي هذا يتضح أن حرية إرادتهم هي التي تحدد ماذا يكون.
أهمية الاختبار وبرهان الروح :
          12ـ إن مجرد الحديث عن الأطعمة والمائدة شيء وأما أن تأكل وتتمتع بالطعام لتقوية أعضاء جسدك فهذا شيء آخر تمامًا. والحديث عن مشروب لذيذ بالكلمات شيء، وأما الاقتراب من الينبوع نفسه والشرب منه حتى الارتواء فهذا شيء آخر. وأن تتحدث عن الحروب وعن الأبطال والمحاربين الشجعان هذا شيء ولكن ذهاب الإنسان إلى المعركة في الطليعة ومحاربة الأعداء وجهًا لوجه ومناورتهم والأخذ والعطاء معهم والانتصار عليهم فهذا شيء آخر تمامًا.
          وبالمثل في الأمور الروحية: الكلام والحديث بالمعرفة والأفكار العقلية هذا شيء، وأما الجوهر والحقيقة في ملء الاختبار وفي الإنسان الداخلي وامتلاك كنز ونعمة ومذاقة وفاعلية الروح القدس في القلب فهذا شيء آخر. لأن أولئك الذين يتكلمون مجرد كلمات عارية يعيشون في اوهام، ” وينتفخون في ذهنهم” (كو8:2). والرسول يقول: ” وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة” (1كو4:2) وأيضًا يقول: ” إن غاية الوصية هي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء” (1تى5:1). ومثل هذا الإنسان لا يسقط. وكثيرون من الذين يطلبون الله ينفتح لهم الباب ويبصرون الكنز ويدخلون فيه، وبينما هم يفرحون بهذا ويقولون ” لقد وجدنا الكنز” فإنه يغلق الأبواب. ويبدأون بالصراخ والطلب والتوسل كثيرًا ويقولون ” لقد وجدنا الكنز وضيعناه”. فإن النعمة تنسحب بقصد وتدبير لكي ما نسعى ونطلب باجتهاد وغيرة. والكنز يُكشف لنا لكيما يجعلنا نسعى في طلبه.
          13ـ سؤال: يقول البعض إن الإنسان بعد أن ينال النعمة مرة فإنه يعبر من الموت إلى الحياة. فهل من الممكن لمن قد صار في النور أن تكون عنده أفكار غير طاهرة؟
          جواب: مكتوب ” أبعد ما ابتدأتم بالروح تكملون بالجسد” (غل3:3) وأيضًا يقول ” ألبسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس” (أف11:6).
وهذه النصوص تبين وجود وضعين: الأول هو الذي يكون فيه الشخص حينما يكون لابسًا سلاح الروح، والآخر حينما يحارب مع السلاطين والرؤساء سواء في النور أو الظلمة. ومكتوب أيضًا ” لكي تقدروا أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة” (أف16:6). وأيضًا ” لا تُحزنوا روح الله القدوس” (أف30:4) وأيضًا ” لأن الذين استُنيروا مرة وذاقوا موهبة الله وصاروا شركاء الروح القدس وسقطوا لا يمكن تجديدهم أيضًا”(عب4:6). فهناك أولئك الذين استُنيروا وذاقوا الرب ومع ذلك يسقطون. ومن ذلك نرى أن الإنسان يملك الإرادة أن يحيا في توافق وانسجام مع الروح، وأيضًا يملك الإرادة أن يحزنه. وهو يأخذ الأسلحة لكي يذهب إلى المعركة ليحارب الأعداء. إنه بالتأكيد قد استنار حتى يمكن أن يحارب ضد الظلمة .
الفرق بين المواهب والمحبة الكاملة :
          14ـ سؤال: ماذا يعني الرسول بقوله ” إن كان لي كل علم وكل نبوة وأتكلم بألسنة الناس والملائكة فلست شيئًا” (1كو1:13ـ3).
          جواب: لا ينبغي أن نفهم من هذا الكلام أن الرسول ليس بشيء ولكنه يعني أن كل هذه المواهب ليست شيئًا بالمقارنة بالمحبة الكاملة، وهذه كلها لها أهمية قليلة. والذي له مثل هذه المواهب يمكن أن يسقط. أما الذي يملك المحبة فلا يمكن أن يسقط. وإني أؤكد لكم هذا، إني قد رأيت أشخاصًا نالوا كل المواهب الروحية وكانوا شركاء للروح ولكن لأنهم لم يصلوا إلى المحبة الكاملة فقد سقطوا. وأحد هؤلاء ـ وقد كان من النبلاء ـ رفض العالم وباع كل ممتلكاته وأطلق عبيده أحرارًا، ولأنه كان ذو حكمة وفهم، فقد نال شهرة كبيرة بسبب شدة تنسكه في الحياة. ولكنه ـ في نفس الوقت ـ كانت له أفكار عالية عن نفسه، وكان متكبرًا، ففي نهاية الأمر سقط في نجاسة فاضحة وآلاف أمور ردئية.
          15ـ وإنسان آخر في زمن الاضطهاد، قدَّم جسده وصار معترفًا. ولما انتهي زمان الاضطهاد وأُطلق حرًا صارت له شهرة عظيمة لأن جفون عينيه كانت محترقة. وأيضًأ هذا الإنسان نال مجدًا كثيرًا من الناس وكانوا يطلبون صلواته وصار يأخذ منهم نقودًا وتقدمات ويعطيها لخادمه. وتغيرت أفكاره حتى صار كأنه لم يسبق له أن سمع كلمة الله. وآخر قدّم جسده في زمن الاضطهاد، وعلقوا جسده وجلدوه ثم ألقوه في السجن، وهناك كانت تخدمه إحدى الراهبات، وقد كوّن ألفة معها أثناء وجوده في السجن وسقط معها في الزنى. فانظر كيف أن الرجل الغنى، بعد أن باع كل ممتلكاته، وكذلك الذي قدَّم جسده للاستشهاد كلاهما يمكن أن يسقط.
          16 ـ كان هناك ناسك حكيم، وكان يعيش معي في إقامة واحدة وكان يصلي معي، وكان غنيًا جدًا في النعمة حتى أنه حينما كان يصلي بجواري كانت تغمره الندامة والدموع، وكانت النعمة تغلي في داخله. وقد أُعطى موهبة الشفاء، ولم يكن يطرد الشياطين فقط، بل كان يضع يديه على أولئك المربوطين والمعذبين بأمراض خطيرة فيشفيهم. ثم بعد ذلك بدأ يتهاون لأنه كان ينال مجدًا كثيرًا من العالم: وكان يجد متعة ولذة في هذا المجد، وصار منتفخًا. وسقط إلى أعماق الخطية. فأنظر كيف أن الذي كانت له موهبة الشفاء قد سقط. ألاّ ترى أنهم يسقطون قبل أن يصلوا إلى المحبة الكاملة. لأن الذي يصل إلى المحبة يؤسر منها ويسكر بها. إنه يغطس فيها ويُمسك أسيرًا في عالم آخر، وكأنه لا يعرف شيئًا عن طبيعته القديمة.
معنى ” ما لم تره عين .. ”:
          17ـ سؤال: ما معنى الآية التي تقول: ” ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن وما لم يخطر على قلب بشر” (1كو9:2)؟
          جواب: في ذلك الزمان كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المسيح لابد أن يأتى. ولكنهم لم يكونوا يعرفون ولا كانوا قد سمعوا أنه سيتألم ويُصلب ويُسفك دمه على الصليب ولم يخطر على بالهم أنه ستكون هناك معمودية بالنار والروح القدس وأن في الكنيسة ستُقدّم تقدِّمة الخبز والخمر مثالاً لجسده ودمه، وأن أولئك الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا، وأن الرسل والمسيحيين سينالون المعزي ” ويتأيدون بالقوة من الأعالى” (لو 49:24) ويمتلئون باللاهوت، وأن نفوسهم تمتزج بالروح القدس وتتشبع به، هذا لم يعرفه الأنبياء والملوك ولا خطر على قلبهم. والآن فإن المسيحيين يتمتعون بغنى عظيم يختلف عن غيره، وقلوبهم ممسوكة بشهوة اللاهوت، ولكن برغم كل ما يتمتعون به من فرح وتعزية فإنهم لا يزال عندهم، خوف ورعدة.
          18 ـ سؤال : أي خوف ورعدة ؟
          جواب: لئلا يتخذوا خطوة خاطئة، بل يظلون متوافقين مع النعمة. ومثل إنسان يملك كنوزًا كثيرة، ويسافر في رحلات حيث يوجد بعض اللصوص. فرغم أنه يفرح بغناه وكنوزه ولكنه يخاف لئلا يهاجمه اللصوص وينهبوه، ويكون كمن يحمل دمه على يديه. فأنظر ها نحن من جهة الأمور الخارجية، قد تخلينا جميعًا عنها وصرنا غرباء لا نملك شيئًا، وتركنا كل عشرة جسدية مع العالم. والآن حينما يكون الجسد في وضع الصلاة فإن الاخوة هم الذين يرون هل العقل أيضًا متحد مع الجسد ومشترك في الصلاة أم لا؟ فإنه في حالة العمال المهرة والبنائين في العالم، فإنهم يكونون مقيدين بجسدهم وعقلهم ليلاً ونهارًا في حرفتهم. فأنظر الآن جيدًا إلى نفسك: إنك متغرب بالنسبة للعالم، فهل عقلك متغرب عن العالم ولا يرتبط بأمور هذا العالم؟
          إن كل إنسان في العالم، سواء كان جنديًاأو تاجرًا حيثما يكون جسده فإنه هناك يكون عقله وهناك يكون كنزه، كما هو مكتوب “حيث يكون كنزك، هناك يكون قلبك أيضًا” (مت12:6).
ما هو كنزك؟:
          19ـ والآن ما هو الكنز الذي يميل إليه قلبك ويسعى إليه. هل هو يميل كلّيةً وتمامًا إلى الله أم لا؟ فإن لم يكن مائلاً إلى الله فأخبرني ما هو الذي يمنعك من ذلك، فبالتأكيد هناك الأروح الشريرة، أي الشيطان وجنوده الذين يجذبون العقل ويربطون النفس بالأغلال، لأن الشيطان ماكر جدًا وله حيل وخدع كثيرة من كل نوع، وهو يستولى على مراعي النفس وأفكارها ولا يدعها تصلي الصلاة الصحيحة وتقترب من الله. الطبيعة البشرية عندها القابلية لتكوين شركة مع الشياطين وأرواح الشر، كما أن عندها قابلية أيضًا لتكوين الشركة مع الملائكة والروح القدس، فمن الممكن أن تكون هيكلاً للشيطان أو هيكلاً للروح القدس.
          والآن افحصوا عقولكم يا اخوة، مع من أنتم في شركة؟ هل مع الملائكة أم مع الشياطين؟ وأنتم هيكل لمن: هل أنتم مسكن لله أم للشيطان؟ وما هو الكنز الذي يملأ قلبك: هل النعمة أم الشيطان. وكمثل بيت قد امتلأ بالروائح الكريهة والقذارة، ينبغي أن يتم تنظيفه تمامًا ويُنسق ويمتلئ بكل رائحة طيبة وبكل الكنوز، لكي يأتي الروح القدس بدلاً من الشيطان ويجد راحة في قلوب المسيحيين.
          20 ـ وفي الحقيقة فإن الإنسان حينما يسمع كلمة الله لا يتحول في نفس اللحظة إلى جانب الصلاح. فلو أن مجرد الاستماع يجعله بين الصالحين لما كان هناك صراع أو أوقات حروب أو جهاد إذ أنه بمجرد سماعه فقط يتمتع براحة كاملة وبحالة سلام وكمال. ولكن حقيقة الأمر تختلف عن كل ذلك فإن الذين يظنون أن الأمور تسير هكذا إنما ينتزعون من الإنسان حرية اختياره وأيضًا ينكرون بذلك وجود قوة معادية تحارب ضد الإنسان. أما ما نقوله نحن فهو، إن الإنسان الذي يسمع الكلمة ويقبلها فإنها تقوده إلى التوبة، ثم بعد ذلك تنسحب النعمة قليلاً بتدبير عناية الله لأجل نمو الإنسان ومنفعته، فيدخل في التدريب ويتعلّم نظم الحرب، ويدخل في عراك وحرب ضد الشيطان وبعد كفاح طويل وعراك ينال الانتصار ويصير مسيحيًا. فلو كان مجرد الاستماع يجعل الإنسان من القديسين والصالحين لكان رجال اللهو وكل الزناة قد دخلوا إلى الملكوت والحياة الأبدية. ولكنهم لن يُعطى لهم هذا بدون توبة وجهاد لأن الطريق مستقيم وضيق (مت 14:7) وفي هذا الطريق الكرب ينبغي أن نسير ونحتمل الشدائد بصبر وهكذا ندخل إلى الحياة.
الاختيار بين الصلاح والشر ـ مكافأة اختيار الصلاح:
          21 ـ فلو أن النجاح الروحي ممكن بدون أي جهد، لما كانت المسيحية ” حجر صدمة وصخرة عثرة” (رو33:9). ولما كان هناك إيمان وعدم إيمان. وبذلك فإنك تجعل من الإنسان مخلوق على الضرورة والإجبار، غير قادر على الاتجاه إلى الخير أو إلى الشر. والقانون يُعطى فقط لمن يستطيع أن يتجه لأي من الاتجاهين ـ يُعطى لمن له الحرية أن يدخل المعركة ضد القوة المعادية. ولا يمكن أن يوضع قانون لطبيعة تسير بالإجبار. إن الشمس والسماء والأرض لا تحتاج أن تُسن لها قوانين، فإن مثل هذه المخلوقات طبيعتها محكومة جبريًا، ولهذا السبب فإنها لا تنال مكافأة ولا عقاب.. إن المكافأة والمجد إنما هي مُعدة لمن يتجه إلى الصلاح، أما جهنم والعقاب فهي مُعدة لهذه الطبيعة المتغيّرة، التي في استطاعتها أن تهرب من الشر، وتلقى بكل كيانها إلى الجانب اليمين أى جانب الصلاح والخير. فإذا قلت إن الإنسان طبيعته غير متغيّرة فهذا يخالف حقيقة الواقع، ثم إنك تجعل الإنسان غير مستحق لأي مجد أو مدح من الله. فإن الذي هو صالح ورحوم بطبيعته، لا يستحق أي مدح على ذلك مع أن هذا (الصلاح والرحمة) أمر محبوب ومرغوب. إن من لا يصير في حالة الصلاح باختياره، لا يستحق المدح ، مهما كان الصلاح مرغوبًا فيه. إن المدح إنما يستحقه ذلك الإنسان الذي يقرر هو شخصيًا ويتعهد مع الله بتعب واحتمال أن يكون الصلاح هو اتجاهه الشخصي واختياره الحر.
قوة العقل تعادل قوة الشرير ـ الانتصار بقوة النعمة :
          22ـ فإذا كان معسكر الفرس في مواجهة معسكر الرومان فينبغي أن يخرج شاب مُجنح من كل معسكر منهما، لهما قوة متساوية ليصارعا في المعركة. فبالمثل فإن العقل البشري والقوة والمعادية هما متساويان في القوة في حربهما ضد بعضهما. فالشيطان يحث ويغري الإنسان لكي يتبعه، والإنسان له قوة معادلة ليرفض إيحاءاته ولا يطيعه بأي حال، وكل من الشر والخير يعمل عمله بالحث وليس الإجبار. ومعونة النعمة الإلهية تُعطى لمن يختار الصلاح بحريته، وبدخوله في المعركة فإنه ينال الأسلحة السماوية التي يستطيع بها أن يغلب الشر ويستأصله. أما أولئك الذين يقولون إن الخطية هي عملاق جبار والنفس هي كطفل صغير مخطئون فلو كان الأمر هكذا، حتى أن الخطية تكون قوة عملاقة، والنفس البشرية في قوة طفل صغير، فيكون الله حينئذ ظالمًا، بإعطائه للإنسان قانونًا أن يحارب ضد الشيطان.
أساس الطريق الإلهي :
          23 ـ إن أساس طريق الله هو هذا: الصبر الكثير، والرجاء، والاتضاع، ومسكنة الروح التي أوصانا بها الرب، هي مثل علامات ولافتات في الطريق الملوكي لإرشاد المسافرين إلى المدينة السماوية. لأنه يقول ” طوبى للمساكين بالروح، طوبى للودعاء، طوبى لصانعي السلام” (مت3:5). وهذه هي المسيحية. أما الذي لا يسير في هذا الطريق فإنه يضلّ إلى حيث لا طريق. ويكون قد بنى على غير أساس.
والمجد لتحننات الآب والابن والروح القدس إلى الأبد . آميين
العظة الثامنة والعشرون
حالة الإنسان بدون المسيح
وصف مصيبة النفس التي ـ بسبب الخطية ـ لا يسكن فيها الرب، والحزن والتأسف على حالة هذه النفس، وتشمل العظة أيضاً حديثاً يختص بيوحنا المعمدان، إنه لم يقم بين من المولودين من النساء من هو أعظم منه.
مصيبة النفس التي لا يسكن فيها المسيح :
          1 ـ كما أن الله لما غضب على اليهود مرة، سلّم أورشليم إلى أعدائها ” وتسلط عليهم مبغضوهم” (مز41:106) ولم يعد فيها بعد ذلك لا عيد ولا تقدمة، هكذا أيضاً النفس البشرية التي غضب الله عليها بسبب عصيانها لوصيته، فسلّمها لأعدائها، أي للشياطين والشهوات، لأنه حينما أغواها هؤلاء الأعداء، أفسدوها تماماً وأهلكوها ولم يعد فيها أي عيد وفرح، ولم يرتفع فيها بخور أو تقدمة إلى الله. وعلاماتها وآثارها ضاعت ونسيت في الشوارع بينما الوحوش المرعبة وأرواح الشر الخبيثة وسكنت فيها.
          كما أن البيت إذا لم يكن له صاحب يسكن فيه فإنه يكون مملوء ظلاماً وعاراً ويُساء استخدامه ويمتلئ بالأدناس والقذارة، هكذا النفس التي لا يكون الرب ساكناً فيها مع ملائكته، يقيم أعياداً وأفراحاً فيها، فإنها تمتلئ بظلمة الخطية وعار الشهوات وكل أنواع الخزي.
          2 ـ وكم هو مرعب ذلك الطريق الذي لا يسير فيه أحد، ولا يُسمع فيه صوت إنسان إذ أنه يصير مسكناً للوحوش ويا ويل النفس التي لا يسير فيها الرب، ولا يطرد بصوته وحوش الشر الروحانية منها! والويل للبيت الذي لا يسكن فيه السيد! والويل للأرض التي ليس لها فلاح يُفلّحها! والويل للسفينة التي ليس لها قائد، لأن الأمواج والزوابع تحملها وتتلفها.
          ويا للأسف والويل على النفس التي لا يكون فيها المسيح هو الربان الحقيقي، فإنها توجد في بحر مرارة الظلمة المرعب وتلاطمها أمواج الشهوات وتصدمها وتضربها عواصف أرواح الشر وتنتهي بالهلاك.
          الويل للنفس التي ليس لها المسيح ليفلّحها بعنايته لكي تأتى بثمار الروح الصالحة. لأن النفس إذ تبقى مقفرة قاحلة، وإذ تمتلئ بالأشواك والحسك تكون نهايتها حريق النار. ويا للأسف على النفس حينما لا يكون لها المسيح سيداً ساكناً فيها، إذا أنها تكون مهجورة ومملوءة برائحة الشهوات الكريهة وتكون مسكناً للإثم.
          3 ـ وكما أن الفلاح حينما يذهب لفلاحة الأرض، ينبغي أن يأخذ معه الأدوات والملابس المناسبة للفلاحة، هكذا المسيح الملك ـ وهو الزارع السماوى الحقيقي ـ حينما جاء إلى البشرية التي كانت مقفرة بسبب الخطية، فإنه لبس الجسد وحمل الصليب أداة له، وهكذا فلّح النفس المقفرة وعمل فيها ونزع منها شوك وحسك أرواح الشر واقتلع زوان الخطية وأحرق بالنار كل أعشاب خطاياها. فإنه فلّحها بخشبة الصليب وزرع فيها فردوس الروح الفائق الجمال الذي يحمل كل ثمر حلو مقبول لدى الله صاحب النفس ومالكها.
          4 ـ وكما حدث في مصر في فترة الثلاثة أيام المظلمة، أن الابن لم يكن يرى أبيه، ولا الأخ أخاه ولا الصديق صديقه، بسبب أن الظلمة غطتهم، هكذا أيضاً حينما تعدّى آدم الوصية وسقط من حالة مجده الأول وصار تحت سلطان روح العالم، غطى حجاب الظلمة نفسه. ومنذ ذلك الوقت وإلى أن جاء آدم الأخير (1كو46:15) الذي هو الرب فإن الإنسان لم يكن يرى أباه السماوي الحقيقي ولا أمه الصالحة الرحيمة، التي هي نعمة الروح، ولا أخاه الحلو المحبوب الذي هو الرب يسوع، ولا أصدقاءه وأقرباءه أي الملائكة القديسين الذين كان يفرح معهم سابقاً ويهلّل ويعيّد.
انفتاح العيون الداخلية :
          ولكن ليس فقط إلى يوم أن جاء آدم الأخير بل وحتى إلى هذا اليوم فإن أولئك الذين لم تشرق عليهم ” شمس البر” (ملاخى2:4)، أي المسيح، والذين لم تنفتح عيون نفسهم وتستنير بالنور الحقيقي، لا يزالون تحت نفس ظلمة الخطية وتحت نفس تأثير الشهوات وهم تحت العقاب بعينه، إذ ليس لهم إلى الآن عيون لينظروا بها الآب.
              5 ـ ينبغي على كل واحد أن يعرف هذا الأمر ويتحقق منه، إنه توجد عيون داخلية أعمق من هذه العيون الطبيعية ويوجد سمع أعمق من هذا السمع. وكما أن هذه العيون الجسدية تنظر وجه الصديق أو المحبوب وتتعرّف عليه فإن عيون النفس ـ المستحقة المؤمنة بسبب نوالها الاستنارة الروحية بنور الله ـ تنظر الصديق الحقيقي الذي هو العريس المحبوب جداً والحلو جداً أي الرب، وتتعرف عليه، إذ تكون النفس مملوءة ومشمولة بإشراق الروح الممجّد. وهكذا إذ ترى بالعقل ذلك الجمال المُشتهى والذي لا يمكن التعبير عنه فإن النفس تُجرح بشهوة الحب الإلهى وتتجه إلى كل فضائل الروح وتسير فيها وهكذا تمتلك حباً ـ لا يُحدّ ولا يسقط ـ للرب الذي تشتاق إليه.
صوت يوحنا المعمدان ـ وكرازة الرسل:
          وماذا يمكن أن يكون أكثر غبطة من الصوت الخالد ليوحنا عندما يشير إلى الرب أمام عيوننا قائلاً: ” هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو29:1).
          6 ـ حقاً ” من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11) فإنه هو تكميل الأنبياء وخاتمتهم جميعاً. كل الأنبياء تنبأوا عن الرب وأشاروا من بعيد إلى مجيئه، أما يوحنا فتنبأ عن المخلّص وأظهره أمام عيون الجميع صارخاً بصوتٍ عالٍ وقائلاً: ” هوذا حمل الله” (يو29:1). فما أحلى وأجمل صوت ذلك الذي يُظهر المخلّص مباشرة ويعلنه مبشراً به! إنه لا يوجد أعظم من يوحنا في مواليد الناس. ” ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه” (مت11:11) أي المولودين من الله من فوق أي الرسل، الذين نالوا باكورة الروح المعزي. ولأنهم حُسبوا أهلاً لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة، فهم يجلسون معه في عرشه. وهم قد جُعلوا محررين ومنقذين للناس. فتجدهم يشقون بحر القوات الشريرة ويخرجون نفوس المؤمنين، وتجدهم فلاحين في كرم النفوس. وتجدهم أصدقاء للعريس، يخطبون النفوس للمسيح، كما يقول الرسول: ” إنى خطبتكم لزوج واحد” (2كو2:11) وتجدهم يوصلون الحياة للناس. وبالاختصار تجدهم بطرقٍ كثيرة وأنواع مختلفة يخدمون الروح. هذا هو الصغير الذي هو أعظم من يوحنا المعمدان.
          7 ـ وكما أن الفلاح يقود زوج البقر مربوطاً بنير لكي يحرث الأرض، هكذا الرب يسوع الفلاح الصالح الحقيقي يقود الرسل معاً اثنين اثنين وقد أرسلهم لكي يُفلّح ويحرث بهم أرض أولئك الذين يسمعون ويؤمنون حقيقةً. ولكن ينبغي أن نقول أيضاً إن ملكوت الله وكرازة الرسل ليست في الكلمة التي تُسمع فقط، مثل إنسان يعرف الكلمات ويستطيع أن يتكلم ويُسمّعها للآخرين، بل إن الملكوت هو قوة وعمل الروح. وهذا ما حدث للأسف لبني إسرائيل الذين كانوا يدرسون الكتب المقدسة وكان الرب هو موضوع دراستهم ولكن لعدم نوالهم الحق نفسه، نُقل الميراث منهم إلى آخرين. هكذا أولئك الذين يشرحون كلمات الروح للغير، بينما هم أنفسهم لا يملكون الكلمة بقوة الروح، فإن الميراث يُنقل منهم إلى آخرين. والمجد للآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين
العظة التاسعة والعشرون
تدبيرات نعمة الله
إن الله يعمل بتدبيرات نعمته في جنس البشر بطريقتين ، قاصداً أن يحصل في النهاية على ثمرات نعمته.
          1 ـ إن حكمة الله، لا نهاية لها وتفوق الفهم ولذلك فإنها تعمل بتدبيرات النعمة نحو جنس البشر بما يفوق الفهم ويفوق الفحص وذلك بطرق متنوعة لأجل امتحان إرادة الإنسان الحرة، حتى بذلك يظهر أولئك الأشخاص الذين يحبون الله بكل قلبهم والذين يحتملون بصبر كل نوع من الأخطار والأتعاب من أجل الله .
البعض ينالون النعمة ويتقدمون حالاً :
          فالبعض تأتيهم نِعم ومواهب الروح القدس مقدماً وهم يتقدمون حالاً في الإيمان والصلاة، بدون جهد أو عرق أو تعب وهم موجودون في وسط العالم. ويعطيهم الله النعمة هكذا ليس باطلاً ولا في غير وقتها ولا بمجرد المصادفة، ولكنه يعطيها بحكمة تفوق الوصف وتفوق الفهم وذلك لكي يمتحن الاختيار وحرية الإرادة لأولئك الذين قد نالوا نعمة الله بهذه السرعة، وهل شعروا وقدّروا الفائدة وأحسوا بصلاح الله وحلاوته التي أُظهرت حسب قياس النعمة الموهوبة لهم بدون أي مجهودات من جانبهم والتي حُسبوا أهلاً أن ينالوها؟ وفي مقابل هذه النعمة ينبغي أن يُظهروا غيرةً واجتهاداً ويركضون في الميدان ويجاهدون ويحملون ثمر الإرادة والعزم والحب وأن يردوا للرب مقابل المواهب الروحية التي نالوها بأن يعطوا ذواتهم ويسلّموها تماماً لمحبة الرب، وبأن يتمّموا مشيئته وحدها وبأن يتخلوا تماماً عن كل هوى جسدي.
البعض الآخر تتأخر عليهم النعمة :
          2 ـ وهناك آخرون، الذين رغم انهم تركوا هذا العالم وتخلّوا عنه بحسب الإنجيل، ويصرفون وقتهم في صلاة مستمرة وصوم وسهر وبقية الفضائل، فإن الله لا يعطيهم النعمة في الحال ولا الراحة ولا فرح الروح بل يتأنى ويؤخر موهبته لهم. وهذا يفعله الله، ليس عبثاً ولا بدون قصد ولا مصادفة، بل بحكمة تفوق الوصف، لأجل امتحان إرادتهم، لكي يرى إن كانوا قد حسبوا الله أميناً ” وحسبوا الذي وعد صادقاً” (عب11:11)، أن يعطى الذين يسألون ويفتح باب الحياة لأولئك الذين يقرعون، ولكي يرى إن كانوا بعد إيمانهم بكلمته بالحق، هل يصبرون ويستمرون إلى النهاية في ملء ثقة الإيمان والاجتهاد، يسألون ويطلبون ولا تخور قلوبهم أو يتراجعون، وبعدم إيمان وبدون رجاء يحتقرون الهدف ولا يثبتون إلى النهاية لأن الله قد أّخر ميعاد موهبته، وأيضاً لأجل امتحان إرادتهم وقصدهم.
          3 ـ فإن الذي لا ينال النعمة سريعاً بسبب تأنى الله فإنه يشتعل شوقاً أكثر ويزداد رغبة في الخيرات السماوية. ويزداد كل يوم اشتياقاً واجتهاداً، ويزداد ركضاً وسعياً ويزداد في كل فضيلة ويظهر جوعاً وعطشاً إلى ما هو صالح ولا يتعوّق بسبب الإيحاءات التي تتحرك في نفسه، ولا يتحوّل إلى الاحتقار واليأس وعدم الصبر، ومن الجهة الأخرى فإنه لا يسلّم نفسه إلى الكسل تحت ستار التظاهر بالصبر قائلاً مثلاً: ” في يوم أو آخر سأحصل على نعمة الله” ومن هنا تغويه الخطية وتقوده إلى التغافل والإهمال.
          ولكن مادام الرب في تأخيره للموهبة إنما يتأنى بمحبة ممتحناً إيمانه ومحبته، فينبغي على الإنسان نفسه أن يكون أكثر حرصاً واجتهاداً ولا يكلّ أو يفشل بل يطلب عطية الله إذ أنه قد وثق في ذاته بأن الله صادق ولا يمكن أن يكذب، فهو الذي وعد أن يعطى نعمته لأؤلئك الذين يطلبون بإيمان بكل صبر إلى النهاية.
أمانة الله وفحص النفس :
          4 ـ لأن الله أمين وصادق في تعامله مع النفوس المؤمنة الأمينة، أي مع أولئك ” الذين ختموا أن الله صادق” (يو33:3) حسب الكلمة الصادقة. لذلك فبحسب هذه البصيرة الإيمانية في داخلهم، يفحصون نفوسهم ليروا إن كانوا ناقصين من جهتهم في أي ناحية من النواحى: في الجهد، في السعي، في الغيرة والاجتهاد، أم في الإيمان أم المحبة أو بقية اتجاهات الفضيلة، وبفحصهم لنفوسهم بكل تدقيق فإنهم يغصبون أنفسهم بأقصى طاقة عندهم لكي يرضوا الرب، إذ سبق أن آمنوا ووثقوا تماماً أن الله إذ هو صادق وأمين لن يحرمهم من موهبة الروح إن ظلوا إلى النهاية يخدمون الرب ويعبدونه بكل اجتهاد وينتظرونه، وأنهم سينالون النعمة السماوية الممنوحة لهم، وهم لا يزالون في الجسد وينالون الحياة الأبدية.
كل حبهم نحو الرب :
          5 ـ وهكذا فإنهم يوجّهون كل حبهم نحو الرب رافضين كل شيء آخر وناظرين إليه وحده برغبة كبيرة وجوع وعطش كثير. وينتظرون دائماً قوة النعمة المُنعشة والمعزية. وهم لا يطلبون بإرادتهم تعزية وانعاشاً من أي شيء في هذا العالم ولا يرتبطون به، بل يرفضون دائماً الإغراءات المادية وينتظرون المعونة والحماية والتأييد من الله وحده، وفي هذه الحالة يكون الرب نفسه حاضراً بطريقة خفيّة مع هذه النفوس التي تأخذ على عاتقها هذا النوع من الاجتهاد وعزم القلب والاحتمال، ويساعدهم ويحفظهم، ويثبتهم في كل ثمر الفضيلة. كل هذا يحدث رغم أنهم يجدون أنفسهم معرّضين للصراع ورغم أنهم لم يتزينوا بعد بيقين الحق ولم تظهر لنفوسهم حالة الحصول على نعمة الروح وانعاش الموهبة السماوية ولم يختبروها اختباراً كاملاً بكل ملئها، وهذا يحدث حسب حكمة الله التي تفوق التعبير وأحكامه التي تعلو الفحص، التي بها يمتحن النفوس المؤمنة بطرق متنوعة بقصد أن يُحضرهم إلى محبة كاملة بملء حريتهم واختيارهم.
ليس عند الله محاباة:
          فإنه توجد حدود ومقاييس ومراحل للاختيار الحرّ ولقصد المحبة ولاتجاه العقل لطاعة كل وصاياه المقدسة بأقصى ما هو مستطاع، وحينما تملأ النفوس مكيال محبتها وطاعتها فإنها تُحسب أهلاً للملكوت والحياة الأبدية.
          6 ـ لأن الله عادل وعادلة هي أحكامه، وليس عنده محاباة، ويُحاسب كل واحد بحسب النِعم المختلفة التي قد منحها للبشرـ سواء كانت خاصة بالجسد أو بالروح، أو كانت خاصة بالمعرفة أو الفهم أو التمييز، وهو يطلب ثمار الفضيلة على حسب ما أعطى كل واحد، وهو سيعطى كل واحد حسب ما يستحقه بحسب أعماله في يوم الدينونة. إنه سيأتى كما يخبرنا الكتاب ” وسيجازى كل واحد حسب أعماله” (رو6:2) والأقوياء يُعذبون عذاباً شديداً لأن ” الرحمة تغفر للمتواضعين” (الحكمة6:6). ويقول الرب: ” أما ذلك العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرب كثيراً، ولكن الذي لا يعلم ويفعل ما يستحق ضربات يُضرب قليلاً، فكل من أُعطى كثيراً يُطلب منه كثير ومن يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر” (لو 47:12و48). ولكن المعرفة والفهم هي أنواع مختلفة، سواء كانت بحسب النعمة وموهبة الروح السماوية أو بحسب الذكاء والتمييز الطبيعي، وبحسب التعلّم من الكتب الإلهية. وكل إنسان يكون مسئولاً عن ثمار الفضيلة بحسب نسبة ما مُنح له من الله سواء ما مُنح له طبيعياً أو ما أُعطى له بنعمة الله.
          لذلك فكل إنسان هو بلا عذر أمام الله في يوم الدينونة، لأن كل شخص سيُعطى جواباً عن إرادته وقصده ـ بحسب ما قد عرفه ـ لكي يثمر ثمار الإيمان والمحبة وكل فضيلة أخرى في علاقته بالله سواء كانت معرفته عن طريق سماع كلمة الله أو عن طريق آخر.
          7 ـ إن النفس ألأمينة المُحبة للحق تتطلع إلى البركات الأبدية المحفوظة للأبرار، وإلى المعونة التي لا يُنطق بها، أي معونة النعمة الإلهية التي تحلّ علينا. ولذلك تعتبر نفسها وكل جهدها وآلامها وتعبها أنها ليست شيئاً بالمقارنة بمواعيد الروح التي تفوق الوصف.
          ومثل هذا الإنسان هو المسكين بالروح الذي أعلن الرب أنه مغبوط ومُطوب، هذا هو الذي يجوع ويعطش إلى البرّ (مت6،3:5) هذا هو المنسحق القلب.
          وأولئك الذين يأخذون على عاتقهم هذا القصد، والعزم والاجتهاد والتعب والاشتياق إلى الفضيلة ويثبتون في هذا إلى النهاية، فإنه يُوهب لهم أن يحصلوا على الحياة والملكوت الأبدي بالحق. لذلك فلا يتشامخ إذن أحد من الأخوة، على أخيه، أو يرتئي عن نفسه رَأياً منتفخاً، بتأثير خداع الخطية لكي يفكر قائلاً مثلاً: ” إنى قد حصلت على موهبة روحية ” لأنه لا يليق بالمسيحيين أن يفكروا هكذا فأنت لا تعرف ماذا سيكون حاله في الغد وأنت تجهل ماذا ستكون نهايته وماذا تكون نهايتك، بل ليحترس كل واحد لنفسه ويمتحن ضميره في كل حين ويختبر حركات قلبه من جهة اجتهاده وسعيه من الداخل بكل قلبه إلى الله ويتطّلع نحو الهدف الكامل هدف الحرية والتحرر من الشهوات والحصول على سلام الروح، وليكمل سعيه بدون توقف وبلا تكاسل بحيث لا يتكل أبداً على أي عطية روحية ولا على أي برّ حصل عليه. والمجد والكرامة والسجود للآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين
العظة الثلاثون
الولادة من الروح القدس
إن النفس التي تريد الدخول إلى ملكوت الله ، ينبغي أن تُولد من الروح القدس. وكيفية تحقيق ذلك.
فاعلية كلمة الله :
          1 ـ أولئك الذين يسمعون الكلمة يجب عليهم أن يعطوا برهاناً على عمل الكلمة وفعلها في نفوسهم. فكلمة الله ليست فارغة بل لها عملها وفعلها الخاص في النفس. لهذا السبب تُسمى الكلمة أحياناً “عمل أو صنع” وذلك نظراً “للعمل” الذي توجده في السامعين. فليت الرب ينعم بعمل الحق في السامعين لكيما توجد الكلمة مثمرة فيهم. فكما أن الظل يسير أمام الجسد، ومع ذلك فالظل يُظهر الجسد، بينما الجسد نفسه هو الحقيقة وليس الظل، هكذا الكلمة هي مثل ظل حق المسيح. ولكن الكلمة تسير قدام الحق (فالكلمة تُظهر حقيقة المسيح).
الولادة الجسدية والولادة من الروح :
          إن الآباء الذين على الأرض يلدون أولاداً من طبيعتهم، من جسدهم ونفسهم وبعد ولادتهم يربونهم بعناية واجتهاد لأنهم أولادهم، إلى أن يصيروا رجالاً كاملين، وخلفاءً ووراثين لهم. فإن الهدف من كل عناية الوالدين منذ البداية هو أن يكون لهم أولاداً وورثة، فإذا لم يلدوا أولاداً يكون عندهم حزن وغمّ عظيم، أما إذا صار لهم أولاد فإنه يصير لهم فرح عظيم. وأيضاً فإن أقرباءهم وجيرانهم يفرحون كذلك معهم.
          2 ـ وبنفس الطريقة فإن ربنا يسوع المسيح إذ اهتم بخلاص البشر استخدم منذ البداية كل تدبير عنايته بواسطة الآباء، والبطاركة والناموس والأنبياء، وفي النهاية جاء هو بنفسه واستهان بعار الصليب واحتمل الموت. وكان كل جهده وتعبه هذا وعنايته إنما من أجل أن يلد من ذاته، ومن طبيعته أولاداً بالروح، إذ سُرّ بأنهم يجب أن يولدوا من الروح من فوق، أي من لاهوته. وكما أن أولئك الآباء الذين لا يلدون أولاداً يحزنون، كذلك فإن الرب الذي أحب جنس البشر لأنهم على صورته، أراد أن يلدهم من زرع لاهوته الخاص، ولذلك فإن أي واحد منهم يريد أن يأتي إلى هذه الولادة لكي يُولد من بطن روح اللاهوت، فإن حزن المسيح يكون عظيماً بعد كل الآلام التي عاناها لأجلهم واحتملها كثيراً لكي يخلصهم.
          3 ـ لأن الرب يريد أن ينال كل الناس امتياز هذه الولادة. فهو مات لأجل الكل ودعا الكل إلى الحياة. ولكن الحياة هي الولادة من فوق من الله وبدون هذه الولادة لا تستطيع النفس أن تحيا. كما يقول الرب ” إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله” (يو3:3).
          وهكذا، فمن الناحية الأخرى، فإن كل الذين يؤمنون بالرب ويأتون ويقبلون امتياز هذه الولادة، فإنهم يكونون سبب فرح وسرور عظيم في السماء لوالديهم الذين ولدوهم، وكل الملائكة والقوات المقدسة أيضاً تفرح بالنفس التي تُولد من الروح وتصير هي نفسها روحاً.
          فإن هذا الجسد هو مثال ومشابه للنفس، والنفس هي صورة الروح، وكما أن الجسد بدون النفس ميت، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً بالمرة، كذلك فإن بدون النفس السماوية ـ أي بدون الروح الإلهي تكون النفس ميتة عن الملكوت ولا قدرة لها على أن تعمل شيئاً من أمور الله بدون الروح.
رسم صورة المسيح في النفس بالتفرّس فيه دائماً :
          4 ـ كما أن الرسام يتفرّس في وجه الملك أولاً ثم بعد ذلك يرسمه، وحينما يكون وجه الملك متجهاً نحو الرسام الواقف أمامه لكي يرسمه فحينئذٍ يرسم الصورة بسهوله وتكون حسنة جداً، ولكن إذا حوّل الملك وجهه بعيداً لا يستطيع الرسام أن يرسم، لأن الوجه ليس في مواجهته ، كذلك يفعل المسيح ـ الفنان الصالح ـ في أولئك الذين يؤمنون به ويتطلعون إليه ويُثبّتون نظرهم فيه دائماً . فإنه سرعان ما يرسم إنساناً سماوياً على صورته. فمن روحه ومن جوهر النور نفسه ـ النور غير الموصوف ـ يرسم صورة سماوية، وينعم على النفس بعريسها الصالح الذي يفيض بالنعمة والجمال، فإن كان الإنسان لا ينظر إليه ويتفرس فيه دائماً، ويغفل كل شيء آخر، فإن الرب لا يرسم صورته بواسطة نوره الخاص. لذلك ينبغي أن ننظر إليه ونتفرس فيه، ونؤمن به ونحبه، ونرذل كل شيء غيره، ونأتي أمامه لكيما يرسم صورته السماوية، ويرسلها إلى داخل نفوسنا، وهكذا إذ نلبس المسيح، فإننا ننال الحياة الأبدية ونحصل على يقين تام ـ هنا ومنذ الآن ـ وندخل إلى الراحة.
          5 ـ وكما أن العملة الذهبية إن لم تُطبع عليها صورة الملك لا يتم التعامل بها في السوق، ولا تُخزن في الخزانة الملكية، بل تُطرح خارجاً، كذلك النفس إن لم تحصل على صورة الروح السماوي في النور الذي لا يُنطق به، أي لن ينطبع عليها المسيح نفسه، لا تكون لائقة للخزائن السماوية، بل يطرحها جانباً تجار الملكوت المهرة، الذين هم الرسل. فإن ذلك الذي دُعي ولم يكن لابساً لباس العرس طُرد خارجاً كغريب إلى الظلمة الخارجية، لكونه لم يكن لابساً الصورة السماوية. هذه هي علامة الرب وختمه المطبوع على النفوس ـ أي روح النور الذي لا يُنطق به، وكما أن الإنسان الميت هو بلا نفع ولا فائدة لأهل المكان، لذلك فإنهم يحملونه خارج المدينة ويدفنونه، هكذا النفس التي لا تحمل الصورة السماوية، صورة النور الإلهي التي هي حياة النفس، فإن هذه النفس تُطرد خارجاً، لأن النفس الميتة هي بلا فائدة لمدينة القديسين، لأنها لا تحمل الروح الإلهي المنير. فكما أنه في هذا العالم، تكون النفس هي حياة الجسد هكذا ففي العالم الأبدي السماوي فإن الروح الإلهي هو حياة النفس. وبدون روح الحياة فإن النفس تكون ميتة ولا نفع فيها لسكان العالم السماوي.
طلب الروح القدس حياة النفس :
          6 ـ لذلك من يريد أن يؤمن بالرب ويأتي إليه ينبغي أن يطلب ويتوسل لأجل نوال الروح الإلهي هنا على الأرض، فإن ذلك الروح هو حياة النفس ولهذا السبب جاء الرب إلى العالم، لكي ما يعطى الحياة للنفس هنا على الأرض أي يعطيها روحه. لذلك يقول ” مادام لكم النور آمنوا بالنور، يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل” (يو 36:12، 4:9). لذلك فأي إنسان لا يطلب الحياة بينما هو على الأرض ولا ينال حياة لنفسه التي هي نور الروح الإلهي، فإنه حينما يخرج من الجسد يُنقل بعيداً إلى مناطق الظلمة التي على اليسار ولا يدخل ملكوت السموات، إذ تكون نهايته في الجحيم مع إبليس وملائكته (مت41:25).
          وكما أن الذهب والفضة إذا أُلقيا في النار يصيران أكثر نقاوة وصفاء ولا يلحقهما ضرر، (مثلما يحدث للخشب أو القش)، بل هما أي الذهب والفضة المحميان بالنار يلتهمان كل ما يقترب منهما، إذ يصيران هما أيضاً ناراً ـ هكذا النفس فإنها بطول إقامتها في نار الروح وفي النور الإلهي لا يصيبها أذى من أحد الأرواح الشريرة بل إن اقترب أحدها منها يحترق بنار الروح السماوية.
              وكما أن الطير إذا طار عالياً لا يقلق ولا يخاف من الصيادين أو الوحوش المفترسة لأنه في العلو يأمن منهم جميعاً، كذلك النفس تنال أجنحة الروح وتطير إلى الأعالي السماوية فإنها تكون فوق كل شيء، وتهزأ بجميع أعدائها الذين هم تحتها.
          7ـ وفي اليوم الذي شق فيه موسى البحر، عبر إسرائيل حسب الجسد، من تحته، وأما هؤلاء (المسيحيون أبناء العهد الجديد) فلكونهم أبناء الله فإنهم يسيرون فوق بحر المرارة، بحر القوات الشريرة. إذ إن جسدهم ونفسهم قد صارت هي بيت الله.
آدم والإنسان الجريح والمائت:
          وفي ذلك اليوم الذي سقط فيه آدم جاء الله ماشياً في الجنة وبكى حينما رأى آدم وكأنه قال ” بعد هذه الخيرات التي أعطيتك، ما هذه الشرور التي ارتكبت، وبعد كل المجد أي عار أنت تلبسه الآن، كم أنت مظلم الآن وقد صار منظرك قبيحاً، وأي فساد أنت فيه. وبعد هذا النور أي ظلام قد غطاك!” …
          وحينما سقط آدم ومات (بانفصاله عن) الله، حزن عليه خالقه، والملائكة وكل القوات والسموات والأرض وكل المخلوقات ناحت على موته وسقوطه، لأنهم رأوا ذلك الذي أُعطى لهم ليكون ملكاً عليهم، قد صار عبداً لقوة معادية شريرة. ولذلك اكتسى آدم بالظلمة في نفسه، ظلمة مرة وشريرة لأنه صار خاضعاً لرئيس الظلمة. هذا هو الذي يشير إليه ذاك الذي جرحه اللصوص، “وتركوه بين حي وميت بينما كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا” (لو30:10).
          8 ـ ولعازر أيضاً، الذي أقامه الرب، الذي أنتن حتى لم يقدر أحد أن يقترب من القبر، كان رمزاً إلى آدم، الذي صارت نفسه في عفونة، وامتلأت سواداً وظلاماً.
          أما أنت، فحينما تسمع عن آدم، وعن الإنسان الذي جرحه اللصوص وعن لعازر، فلا تدع عقلك يذهب بعيداً إلى الجبال، بل تعال إلى باطنك إلى داخل نفسك، لأنك أنت نفسك تحمل نفس الجروح، وفيك نفس العفونة، ونفس الظلام. فنحن جميعاً أبناء آدم ومن نفس الجنس المُظلم، وجميعاً مشتركون في نفس النتانة. فالداء الذي عانى منه آدم، نعانى منه نحن جميعاً الذين من زرع آدم. لأن الداء الذي حلّ بنا هو الذي يقول عنه إشعياء ” لا يوجد إلاّ جراح وقروح وضربات ملتهبة لا تُشفي، ولا يمكن أن تُعصب، أو تُداوى أو تلين بالزيت” (إش6:1س).
          لذلك فالجرح الذي جُرحنا به لم يكن له علاج، والرب وحده هو الذي استطاع أن يشفيه. لهذا السبب جاء الرب بنفسه، لأنه لم يستطع أحد من الأقدمين، ولا الناموس نفسه ولا الأنبياء، أن يقوموا بشفاء هذا الجرح. بل الرب وحده بمجيئه إلينا شفي جرح النفس، ذلك الجرح العديم الشفاء.
قبول المسيح ليدخل ويستريح فينا ونستريح فيه :
          9 ـ فلنقبل إذاً إلهنا وربنا ـ الشافي الحقيقي ـ الذي يستطيع وحده أن يأتي ويشفي نفوسنا، بعد أن تعب وتألم كثيراً جداً لأجلنا. فهو يقرع دائماً أبواب قلوبنا، لكي نفتح له، لكي يدخل إلى داخلنا ويستريح في نفوسنا، ولكي نغسل وندهن قدميه، ولكي يجعل هو إقامته فينا. فالرب ـ في تلك الفقرة من الإنجيل (لو44:7) يوبخ الرجل الذي لم يغسل قدميه. وفي موضع آخر يقول ” ها أنا واقف على الباب وأقرع ، إن فتح لي أحد فإني أدخل إليه” (رؤ20:3) فلأجل هذه الغاية احتمل هو آلاماً كثيرة، مقدماً جسده للموت، ليفتدينا من العبودية، لكيما يأتي إلى نفوسنا ويجعل إقامته فيها. فلهذا السبب يقول الرب للذين عن يساره، في يوم الدينونة، والذين يُرسلون إلى جهنم مع الشيطان: ” كنت غريباً فلم تأووني، جوعاناً فلم تطعموني عطشاناً فلم تسقوني” (مت43،42:25). فإن طعامه وشرابه وكساءه ومأواه وراحته، هي في نفوسنا، لذلك فإنه دائماً يقرع طالباً الدخول إلينا. فلنقبله إذن وندخله إلى داخل نفوسنا، لأنه هو طعامنا وشرابنا وحياتنا الأبدية، وكل نفس لا تقبله الآن في داخلها وتعطيه راحة، أو بالحرى لا تجد راحة فيه، فليس لها ميراث في ملكوت السموات مع القديسين، ولا تستطيع الدخول إلى المدينة السماوية.
فلتدخلنا أنت يارب يسوع المسيح إلى ملكوتك، ممجدين أسمك مع الآب والروح القدس إلى الأبد. آمين
لقراءة باقي عظات القديس مكاريوس :   أضغط هنا
August 5, 2011 / kyrillosnagy

عظات القديس مكاريوس الكبير , من العظة السابعة عشر إلى العظة العشرين

العظة السابعة عشر
مسحة الروح القدس
“مسحة المسيحيين الروحانية ومجدهم، وأنه بدون المسيح يستحيل الخلاص وتستحيل الشركة في الحياة الأبدية”
مسحة الروح :
1ـ المسيحيون الكاملون الذين حسبوا أهلا للوصول إلي مقاييس الكمال والالتصاق جدا بالملك (المسيح)، هؤلاء يكرسون أنفسهم دائما لصليب المسيح. وكما كانت المسحة في أيام الأنبياء هي أثمن من جميع الأشياء ـ إذ أن المسحة جعلتهم ملوكا وأنبياء، هكذا الأشخاص الروحيون الآن، الذين يمسحهم بالمسحة السماوية فإنهم يصيرون مسحاء بحسب النعمة، فيكونون هم أيضًا ملوكًا وأنبياء للأسرار السماوية.
هؤلاء هم أبناء وأرباب وآلهة، مأسورون ومستعبدون لنعمة الله، ومستغرقون في العمق، مصلوبون ومكرسون. فإن كانت مسحة الزيت، التي استخرجت من نبات مادي ـ من شجرة منظورة لها كل هذه القوة، حتى أن أولئك الذين مسحوا بها، نالوا كرامة فوق كل اعتبار ـ فإنه هكذا كانت القاعدة الثابتة التي بها يعينون ملكًا، فداود مثلا بعد أن مُسح، وقع في الحال في اضطهاد وآلام، ثم بعد سبع سنوات صار ملكًا ـ فكم بالحري جدًا كل الذين يُمسحون في العقل والإنسان الباطن بدهن البهجة (عب9:1) الذي يقدس ويبهج، الدهن السماوي الروحاني ، ينالون علامة ذلك الملكوت الذي لا يفني، والقوة الأبدية، عربون الروح (2كو5:5)، ي الروح القدس المعزي. وهو يسمي المعزي لأنه يعزي أولئك الذين في الشدائد.
الدخول منذ الآن ومعاينة النور :
2 ـ فهؤلاء إذ قد مُسحوا من شجرة الحياة ـ ي يسوع المسيح الغرس السماوي، فإنهم ينالون امتياز المجيء إلي درجات الكمال، درجات الملكوت والتبني، ويكونون مشاركين حقيقيين في أسرار الملك السماوي وخفاياه، إذ يدخلون بحرية إلي القدير، يدخلون في قصره حيث يكون الملائكة وأرواح القديسين، وهم يدخلون منذ الآن بينما هم لا يزالون في هذا العالم. ورغم أنهم لم ينالوا الميراث الكامل المُعَد لهم في ذلك الدهر، فإنهم متيقنون ـ عن طريق العربون الذي قد نالوه الآن ـ كأنهم قد كُلَّلوُا ومَلَكُوا، وإذ هم عتيدون أن يملكوا مع المسيح، فإنهم لا يستغربون وفرة وحرية فيض الروح. لماذا؟. لأنهم حصلوا ـ وهم لا يزالون في الجسد ـ علي لذة حلاوته وعلي عمل قوته الفعالة.
3 ـ فحينما يكون إنسان ما صديقا للإمبراطور، ويعمل في قصره ويتعرّف علي أسراره وخفاياه، وينظر أرجوانه، فإذا صار ذلك الإنسان هو نفسه إمبراطورًا فيما بعد ، وتوج فإنه لا يندهش أو يُصدم (بما في القصر) حيث أنه سبق أن تَدّرب طويلاً في أسرار القصر وخفاياه. فلا يستطيع شخص ساذج أو جاهل أو غريب عن خفايا القصر أن يدخل القصر ويملك، بل يستطيع ذلك فقط أولئك الذين لهم خبرة وتدرب، وكذلك المسيحيون الذين سيملكون في الدهر الآتي، فإنهم لا يستغربون، إذ أنهم سبق أن تعرّفوا علي أسرار النعمة وخفاياها. فحينما تعدي الإنسان الوصية ألقي الشيطان علي النفس حجابًا مظلمًا. ثم تأتي النعمة فتزيل الحجاب تمامًا، حتي أن النفس إذ تصير نقية، وتستعيد طبيعتها الأصلية، وتصير صافية بلا عيب، فإنها تنظر دائما بصفاءـ بعينها النقية ـ مجد النور الحقيقي، وشمس البر الحقيقية ساطعة بأشعتها داخل القلب نفسه.
4ـ وكما أنه في نهاية العالم تزول السماء (الجلد) ويعيش الأبرار حينئذ في الملكوت والنور والمجد ولا يعاينونشيئا آخر سوي المسيح وهو جالس في المجد دائمًا عن يمين الآب، هؤلاء الناس يختطفون منذ الآن إلي ذلك الدهر الآتي ويؤسرون، وهناك يعاينون كل أنواع الجمال والبهاء والعجائب.
فنحن رغم أننا علي الأرض فإن ” مدينتنا هي في السموات” (في 20:3) إذ فيما يخص العقل والإنسان الباطن، نصرف وقتنا ونقوم بأنشطتنا في ذلك العالم. وكماأن العين الظاهرة ـ عندما تكون صافية ـ تري الشمس دائما بوضوح، هكذا العقل المُطَهر تمامًا فإنه دائمًا ينظر مجد نور المسيح ويكون مع الرب ليلاً ونهارًا، كما أن جسد الرب المتحد باللاهوت هو دائمًا مع الروح القدس.
قوة عمل النعمة وتأثير الخطية:
ولكن الناس لا يصلون إلي هذه المقاييس في لحظة، بل بالتعب والآلام والجهاد الكثير. لأن البعض منهم تعمل النعمة معهم وتسكن فيهم، ومع ذلك فالشر أيضا يعمل فيهم في الداخل فكل من النور والظلمة له عمل وتأثير علي القلب الواحد بعينه.
5 ـ ولكنك ستسألني قائلاً: ” ي شركة للنور مع الظلمة” (2كو 14:6) وكيف يتأثر النور الإلهي أو يَظلَمْ ؟ وكيف يمكن أن يتلوث ما هو طاهر ونقي؟ كما هو مكتوب ” النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه” (يو5:1) ولكننا لا يجب أن نفكر في هذه الأمور من وجه واحد وبدون تدقيق. فالبعض من الناس يستقرون في نعمة الله ويعتمدون عليها لدرجة عظيمة، حتى أنهم يصيرون أقوي من الخطية التي فيهم وينعمون بنعمة الصلاة وراحة كثيرة في الله، ولكنهم في لحظة أخري يكونون تحت تأثير الأفكار الشريرة وينخدعون بالخطية بالرغم من كونهم لا يزالون في نعمة الله.
ولكن الناس ذوي العقول الخفيفة ـ الذين لم يدركوا حقيقة الأمر ـ حينما تعمل فيهم النعمة، إلي حد ما، فإنهم يتخيلون أنه لم يبقَ هناك شيء اسمه الخطية. أما الذين لهم تمييز وفطنة فلا يجرؤون أن ينكروا أننا حتى مع حصولنا علي نعمة الله فإننا معرضون لتأثير الأفكار الشريرة والمنجسة.
6ـ لقد وجدنا أمثلة كثيرة بين الأخوة الذين حصلوا علي فرح عظيم ونعمة هذا مقدارها حتى أنهم لمدة خمس أو ست سنوات متتابعة جفت فيهم الشهوة ولكنهم بعد ذلك حينما ظنوا أنهم صاروا أحرارًا تمامًا منها، فإن الشر الذي كان مختفيا تحرك عليهم ثانية واشتعلت فيهم الشهوة، حتى أنهم تعجبوا وقالوا ” من أين جاء علينا وقام ضدنا هذا الشر بعد كل هذا الوقت الطويل؟”.
فلا يجرؤ إنسان ذو عقل سليم أن يقول “حيث أن النعمة حاضرة في فأنا حر من الخطية علي الإطلاق” والحقيقة إن كلاً من النعمة والخطية يكون لها ـ في ذلك الوقت ـ عمل وتأثير علي القلب.
والذين ليس لهم خبرة في هذه الأمور، حينما تعمل فيهم النعمة بعض العمل، يتصورون أنهم قد وصلوا إلي الظفر الكامل وصاروا مسيحيين كاملين.
ولكن من جهتي أنا أقول أن حقيقة الأمر هي هكذا: حينما تكون الشمس في السماء مشرقة في جو صاف ثم تأتي السحب وتحيط بها وتغطيها، وتجعل الجو معتما، فإن الشمس مع ذلك تكون بعيدة جدا ولا يضيع شيء من نورها ولا من جوهر طبيعتها، هكذا هو الأمر مع أولئك الذين لم يتطهروا ويتنقوا تنقية كاملة. أنهم يكونون في نعمة الله، ولكنهم ممسكين تحت السطح بالخطية ولذلك فإن حركاتهم الطبيعية، وأفكارهم الحقيقة، متجهة بقوة إلي الله وبالرغم من ذلك فإنها ليست مرتبطة ارتباطًا كليًا بالصلاح.
7ـ ومن الجهة الأخرى فهناك البعض الآخر هم مُمْسكين في العمق بقوة الخير والصلاح ـ قوة النعمة ومع ذلك لا يزالون في عبودية وخضوع للأفكار الشريرة وجانب الشر. لذلك فالأمر يحتاج إلي إفراز كثير لكي يعرف الإنسان بالاختبار أن حقيقة الأمر هي هكذا. وأني أذكر لكم أنه حتي الرسل رغم نوالهم المعزي في داخلهم لم يكونوا خالين تماما من الخوف فإلي جانب امتلائهم من الفرح والبهجة كان فيهم أيضا خوف ورعدة ناشئة من النعمة نفسها وليست ناشئة من جانب الشر، وكانت النعمة نفسها تحفظهم. وتحرسهم لكي لا ينحرفوا ي انحراف.
فإذا رمي إنسان حجرا صغيرا علي حائط فإنه لا يضر الحائط ولا يحركه من مكانه وإذا أطلق سهم علي رجل يلبس درعا فإنه لا يضر درع الحديد ولا جسم لابس الدرع لأنه ينعكس ويرتد إلي خلف. هكذا حتي إذا اقترب من الرسل جزء صغير من الشر، فإنه لم يكن ليجرحهم أو يضرهم لأنهم كانوا بقوة المسيح الكاملة وإذ كانوا كاملين ، كانت لهم الحرية الكاملة لعمل البر بكل أنواعه.
8 ـ إن البعض يقولون أن النفس بعد نوالها النعمة تصير بلاخوف ولكن الله يطلب إرادة النفس ـ حتي في الكاملين ـ لتصير في خدمة الروح، لكي يعملا كلاهما في توافق واتفاق.
فالرسول يقول ” لا تطفئوا الروح” (1تس19:5) فالبعض منهم كانوا غير راغبين أن يثقلوا علي غيرهم، والبعض كانوا يسيرون علي حِدَتهم، والبعض الآخر كانوا يأخذون من العائشين في العالم ويوزعون علي الفقراء. وهذا كان أفضل.
لأن البعض تكون فيهم النعمة فيهتمون بنفوسهم فقط، بينما يسعي آخرون لمنفعة نفوس اخوتهم أيضًا وهؤلاء أفضل من الآخرين. والبعض من الذين لهم النعمة يسلمون أجسادهم للتعييرات والآلام من أجل اسم الله وهؤلاء أيضًا أفضل من أولئك. والبعض في سعيهم إلي الفضيلة يميلون إلي التشامخ وإلي نوال الكرامة والمديح من الناس، ويقولون إنهم مسيحيون وشركاء للروح القدس. وآخرون يجتهدون في إخفاء أنفسهم حتي من مقابلة الناس وهؤلاء أفضل من أولئك الآخرين. وهكذا ترون أنه حتي في الكمال تكون الإرادة الصالحة نحو الله المتوافقة بتكامل مع الإرادة الطبيعية هي التي تعلو وتتفاضل كثيرًا جدًا.
الحديث الروحي بدون تذوق واختيار :
9 ـ فإذا كان إنسان فقير، يري نفسه غنيًا في حلم الليل، وحينما يستيقظ من النوم يجد نفسه فقيرًا عريانًا مرة أخري. كذلك الذين يتحدثون الحديث الروحاني ويظهرون كأنهم يتحدثون بكفاءة تامة، ولكنهم إن لم يكونوا حاصلين علي الشيء الذي يتحدثون عنه، متحققا في قلوبهم بالتذوق والقوة والاختبار الشخصي فإنه لا يكون لهم سوي مظهر باطل وخيال وهمي.
أو مثل امرأة مزينة بالحرير ومتحلية بالجواهر وتعرض نفسها في مكان الفساد والعار، هكذا يكون قلب هؤلاء الناس مأوي للأرواح النجسة فإنهم يسرعون إلي التكلم والحديث عن البر بينما هم لم يتمتعوا حتي بنظرة لهذه الحقائق.
10 ـ السمكة لا تستطيع أن تعيش خارج الماء، ولا يستطيع أحد أن يمشي بدون قدمين، أو يري النور بدون عينين أو يتكلم بدون لسان أو يسمع بدون أذنين. هكذا بدون الرب يسوع وعمل قوته الإلهية، لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار الله وحكمته، أو أن يحصل علي الغني الحقيقي ويصير مسيحيًا. فإن الحكماء، المحاربين، الشجعان، وفلاسفة الله هم أولئك الذين ينقادون ويتغذون وينضبطون في الإنسان الباطن بالقوة الإلهية. إن فلاسفة اليونانيين يتعلمون صناعة الكلام بينما الآخرون هم “عاميون في الكلام” (2كو6:11)، ويبتهجون ويفرحون متهللين بنعمة الله لأنهم رجال تقوي فلنحكم أيهما أفضل. فالرسول يقول ” ملكوت الله ليس بكلام بل بالفعل والقوة” (1كو20:4).
11ـ فإنه من السهل جدًا علي ي إنسان أن يقول: “هذا الخبز مصنوع من القمح”. ولكن كان ينبغي أن يخبرنا عن كيفية إعداده وعجنه بالتفصيل. هكذا فإن التحدث عن التحرر من الأهواء وعن الكمال هو أمر سهل ولكن خبرة الوصول إلي الكمال ليست أمرًا هينا.
فالإنجيل مثلا يقول في اختصار ” لا تغضب ، لا تشتهي” وأيضًا “من لطمك علي خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك ، فاترك له الرداء أيضًا” (مت39:5، 40).
ولكن الرسول إذ يتتبع كيفية تتميم عمل التطهير فإنه بصبر ومثابرة قليلاً قليلاً يعلمنا بالتفصيل مغذيًا إيانا باللبن كالأطفال ثم يأتي بنا إلي النمو وإلي النضج الكامل. فالإنجيل قال: إن الثوب مصنوع من صوف الحملان (مت15:7)، ولكن الرسول أعلن بالتفصيل كيفية صنعه.
12ـ هكذا أولئك الذين يتحدثون بالأحاديث الروحية، بدون أن يتذوقوا ما يتحدثون عنه فإنهم يشبهون إنسانًا مسافرًا في صحراء مقفرة تحت أشعة الشمس المحرقة، وبسبب عطشه فإنه يتخيل صورة ينبوع ماء جار ويري نفسه وهو يشرب منه، بينما تكون شفتاه ولسانه كلها جافة مشتعلة من شدة العطش الذي يتملكه، أو كمثل إنسان يتحدث عن العسل ويقول أنه حلو، مع أنه لم يذقه قط، ولذلك فإنه لا يعرف قوة حلاوته. هكذا هي حالة أولئك الذين يتحدثون عن الكمال والفرح، والتحرر من الأهواء دون أن يكون فيهم العمل الفعاّل أو المعرفة الشخصية لهذه الأمور، وليست الأشياء كلها كما يصفونها هم. وإذا حسب إنسان من هذا النوع، أهلا لأن يكتشف الحقيقة، فإنه يقول في نفسه إني لم أجد الحقيقة كما كنت أظن، فإني كنت أتحدث في اتجاه، والروح يعمل في اتجاه آخر.
13 ـ لأن المسيحية هي في الحقيقة طعام وشراب، فكلما أكل الإنسان منها ازداد قلبه ولعا بحلاوتها، ولا يتوقف أو يكتفي بل يطلب المزيد، ويستمر يأكل بلا شبع أو امتلاء. فإذا أعطي شراب حلو لإنسان عطشان، فإنه بعد أن يتذوقه، يزداد ظمئًا إليه، ويشتاق إليه بحرارة أكثر من الأول. والحقيقة أن مذاقة الروح تشبه ذلك، ولكن بغير حدود، حتي أنه لا يوجد شيء يمكن أن يمثل به، وهذه ليست مجرد كلمات. فهذا هو فعل الروح القدس وعمله الذي يعمله في الخفاء في القلب.
القداسة هي نقاوة القلب  :
          إن البعض يتصورون أنهم صاروا قديسين بسبب امتناعهم عن الزواج وعن بعض أمور أخري منظورة، ولكن الأمر ليس كذلك. فإن الخطية لا تزال تعيش وترفع رأسها في العقل وفي القلب. فإن القديس هو ذلك الذي يتنقي ويتقدس في الإنسان الباطن. وحيثما يرفع الحق رأسه، فهناك يبدأ الشر هجومه محاولا أن يخفي الحق ويحجبه.
14 ـ وحينما كان اليهود يمتلكون الكهنوت، فإن بعضًا من تلك الأمة كانوا يُضطهدون ويتألمون بسبب ثباتهم في الحق، مثل أليعازر والمكابيين. والآن بعد الصليب وانشقاق الحجاب، فارق الروح اليهود، وأما الآن فإن الحق كُشف هنا وهو يعمل هنا (في المؤمنين بالمسيح)، وهكذا فإن البعض من هذه الأمة (المسحيين) يُضطهدون بدورهم. إن الاضطهاد والشدائد تقع علي المؤمنين، لكي يستطيع محبي الحق أن يشهدوا له لأنه كيف يظهر الحق إن لم يكن له أعداء، الذين هم الكذبة والمقاومون للحق…؟
وحتي بين الأخوة، يوجد البعض ممن يحتملون آلام وشدائد كثيرة، ومع ذلك يحتاجون إلي احتراس كثير لكي لا يسقطوا.
كان أحد الأخوة مرة في صلاة مع آخر، وأُسرَ من القوة الإلهية واختطف وري أورشليم العليا ومناظرها المضيئة، والنور اللانهائي، وسمع صوتًا يقول هذا هو مكان راحة الأبرار، وبعد وقت قصير، انتفخ في نفسه وظن أن الرؤيا التي رآها هي مختصة به وتنسب إليه، وبعد ذلك سقط إلي أعماق الخطية، وآلاف أمور شريرة.
15ـ فإن كان الذي دخل إلي الداخل والمتقدم كثيرًا سقط هكذا، فكيف يستطيع الشخص العادي أن يقول ” أني بصومي وتغربي، وتوزيع كل أموالي قد صرت قديسًا؟” .
إن مجرد الامتناع عن الشرور ليس هو الكمال، بل إن دخلت إلي قلبك الخرب وذبحت الحية القتاّلة التي تكمن تحت العقل، تحت سطح الأفكار، وتختبئ داخل ما نسميه مخادع النفس ومخازنها الخفية. إن القلب هوة عميقة، فقط إن كنت تقتل هذه الحية وتخرج خارجا كل ما كان فيك من النجاسة فحينئذ تتحول إلي النقاوة. فإن كل الفلاسفة والناموس والأنبياء بل مجيء المخلّص، كل ذلك كان من أجل الطهارة. فكل الناس يهودًا كانوا أم أممًا يحبون الطهارة، رغم أنهم لا يستطيعون أن يكونوا أطهارًا. فينبغي أن نستمر في البحث عن الكيفية والوسائل التي نحصل بها علي نقاوة القلب.
طريق النقاوة :
          وبالتأكيد لا يوجد طريق آخر سوي بواسطة ذلك الذي صلب لأجلنا. فهو الطريق والحياة والحق، والباب والجوهرة، والخبز الحي السماوي. وبدون هذا الحق تستحيل معرفة الحق، ي يستحيل الخلاص.
فكما أنه من جهة الأمور المنظورة، قد تخليت عن كل شيء ووزعت أموالك، هكذا أيضا من جهة الحكمة العالمية، فإن كان لك علم وفصاحة كلام، فإنك ينبغي أن ترذلها وتعتبرها كلا شئ، حتى تستطيع أن تتهذب وتبني ” بجهالة الكرازة” (1كو21:1)، هذه الكرازة التي هي الحكمة الحقيقية التي لا تعتمد علي عظمة وغرور الكلام، بل لها قوة تعمل بفاعلية بواسطة الصليب المقدس. فالمجد للثالوث الواحد في الجوهر إلي الأبد. آمين
العظة الثامنة عشر
غنى وكنز الروح القدس
“عن كنز المسيحيين، الذي هو المسيح والروح القدس الذي يدربهم بطرق متنوعة ، ليأتي بهم إلى الكمال”
كنز الروح :
1ـ إذا كان إنسان غنى في هذا العالم وعنده كنز مخفي فإنه من ذلك الكنز والغنى الذي له يمكنه أن يشترى أى شيء يشتهيه. وكل الأشياء النادرة التي يشتهيها ـ في هذا العالم، فإنه بسهولة يجمعها ويكدسها، معتمدا على كنزه لأنه بواسطة هذا الكنز، يسهل عليه اقتناء كل الممتلكات التي يشتهى امتلاكها. وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوي أى حصلوا على كنز الروح، الذي هو الرب نفسه، مضيئا في قلوبهم، فإنهم يتمّمون كل بر الفضائل وكل غنى الصلاح الذي أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذي فيهم، وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البر معتمدين على مجموع الغنى الروحي الكثير المتجمع في داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذي فيهم. يقول الرسول ” لنا هذا الكنز في أوان خزفية” (2كو7:4). أى الكنز الذي أعطى لهم في هذه الحياة ليمتلكوه في داخل نفوسهم،  ” الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداءً” (1كو30:1).
2 ـ فالذي وجد وامتلك في داخله كنز الروح السماوي هذا فإنه يتمم به كل بر الوصية ويكمل جميع الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدون تغصب.
لذلك فلنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكيما نستطيع أن نسلك في وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل بر الروح بنقاوة وكمال بواسطة الكنز السماوي، الذي هو المسيح.
فالذي يكون فقيرًا وعريانًا ومحتاجًا ومعدمًا في هذا العالم، لا يستطيع أن يقتنى شيئا، لأن فقره يمنعه من ذلك، ولكن الذي يملك الكنز ـ كما سبق أن قلت ـ فإنه بسهولة يقتنى كل ما تصبو نفسه إليه، بدون جهد أو ألم. هكذا النفس العريانة والمقفرة من شركة الروح، الواقعة تحت فقر الخطية المرعب لا تستطيع ـ حتى إذا رغبت ـ أن تثمر أى ثمر من ثمار روح البر بالحق، قبل أن تدخل في شركة الروح.
3ـ فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أهلاً أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي. لكيما يستطيع بتهيؤ وبدون صعوبة، أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم ـتلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك في أن يعملها مهما غصب نفسه. لأنه إذ يكون فقيرًا وعريانًا من شركة الروح، فكيف يمكنه أن يقتنى الكنوز السماوية بدون أن يحصل على كنز وغنى الروح؟. أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح، وبالإيمان والثقة، وبصبر كثير، تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة، كما قلت سابقًا، وتعمل كل وصايا الرب، التي أوصى بها الروح، هذه كلها تعملها في داخلها، وبنفسها، بنقاوة وكمال وبلا لوم.
غنى الروح ومنفعة الآخرين :
4ـ ولنستخدم توضيحًا آخر: إنسان غنى يريد أن يصنع وليمة فاخرة فإنه يصرف من ثروته والكنز الذي يملكه، ولأنه غنى جدا فإنه لا يخاف من عدم كفاية أمواله لتجهيز كل لوازم الوليمة. وهكذا فإنه يكرم الضيوف الذي دعاهم. ببذخ وأبهة، واضعًا أمامهم أصنافًا كثيرة من المأكولات معدّة بأحدث طرق التجهيز. وأما الفقير الذي ليس عنده مثل هذا الغنى فإنه إذا رغب في عمل وليمة لأصدقاء قليلين فإنه يضطر أن يستعير كل شىء، من الأوانى والأطباق والمفارش وكل شىء آخر، وبعد ذلك حينما تنتهى الوليمة ويخرج المدعوون فإنه يعيد كل الأشياء التي استعارها إلى أصحابها سواء أطباق فضة أو مفارش أو أى أشياء أخرى، وهكذا حينما يُرجع كل شئ يظل هو نفسه فقيرًا وعريانًا إذ ليس له غنى خاص يعزى به نفسه.
5ـ وبنفس الطريقة فإن أولئك الذين يكونون أغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوي حقا وشركة الروح في داخل نفوسهم، فإنهم حينما يكلمون أحدا بكلمة الحق أو حينما يتحدثون بالأحاديث الروحية ويريدون أن يعزوا النفوس فإنهم يتكلمون ويخرجون من غناهم ومن كنزهم الخاص الذي يمتلكونه في داخل نفوسهم، ومن هذا الكنز يعزّون ويفرّحون نفوس الذين يسمعون أحاديثهم، ولا يخافون أن ينضب معينهم، لأنهم يملكون في داخلهم كنز الصلاح السماوي الذي يأخذون منه ليعزوا ويفرحوا ضيوفهم الروحيين.
أما الفقير الذي لا يملك غنى المسيح وليس عنده الغنى الروحى في داخل نفسه الذي هو ينبوع كل صلاح سواء في الأقوال أو الأعمال أو الأفكار الإلهية والأسرار التي لا ينطق بها. فحتى إذا أراد هذا الفقير أن يتكلم بكلمة الحق ويعزى بعض سامعيه بدون أن ينال في نفسه كلمة الله بالقوة والحق، فإنه يكرّر من الذاكرة ويقتبس فقط كلمات من أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس أو مما سمعه من الرجال الروحيين فيخبر ويعلم بها الآخرين ـ وهكذا يظهر كأنه يعزى ويفرح الآخرين، والآخرون يبتهجون بما يخبرهم ولكن بعد أن ينتهى من الكلام تعود كل كلمة إلى مصدرها الأصلى الذي أخذت منه ويبقى هذا الإنسان ويعود كما كان عريانًا وفقيرًا لأنه ليس له كنز الروح خاصًا به ليأخذ منه ويعزى ويفرح الآخرين إذ أنه هو نفسه لم يتعز أولاً ولا ابتهج بالروح.
6ـ لهذا السبب ينبغى لنا أولا أن نطلب من الله باجتهاد قلب وبإيمان، حتى يهبنا أن نجد في قلوبنا هذا الغنى، أى كنز المسيح الحقيقي بقوة الروح القدس وفاعليته. ولهذا فعندما نجد الرب أولا في نفوسنا لمنفعتنا أى للخلاص والحياة الأبدية، فحينئذ يمكننا أن ننفع الآخرين أيضا إذ يصير هذا ممكنًا، لأننا نأخذ من المسيح الذي هو الكنز الموجود في داخلنا ونخرج منه كل الصلاح الذي للكلمات الروحية ونكشف أمامهم أسرار السماء. لأن هذه هي مسرة صلاح الآب أن يسكن في كل من يؤمن به ويحبه ” من يحبنى يحبه أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتى” ويقول أيضا ” إليه نأتى، أنا والآب، ونصنع عنده منزلاً” (يو21:14، 23).
هذا ما شاءه إحسان الآب غير المتناهى، وهذا ما سرّت به محبة المسيح الفائقة المعرفة، وهذا ما وعد به صلاح الروح الذي لا ينطق به. فالمجد للحنان غير المنطوق به الذي للثالوث الأقدس
أنواع فاعلية النعمة في القلب:
7ـ لأن أولئك الذين أعطى لهم أن يصيروا أبناء الله، وأن يولدوا من فوق من الروح، والذين لهم المسيح منيرًا في داخلهم، ومنعشًا لهم، هؤلاء يقودهم الروح بطرق متنوعة كثيرة. وتعمل النعمة سرًا في قلوبهم وتعطيهم راحة روحية .
فلنستعمل صور التنعمات والمسرات الملموسة التي في هذا العالم لنوضح بها ـ إلى حد ما ـ أعمال النعمة في القلب. ففي بعض الأوقات تعزيهم النعمة وتفرحهم كما في وليمة ملوكية فيفرحون بفرح وسرور لا ينطق به وفي وقت آخر يكونون مثل عروس تتنعم بالشركة مع عريسها في راحة إلهية. وفي وقت آخر يصيرون كملائكة بدون أجساد، لكثرة سموهم وخفتهم وعدم تثقلهم حتى بالجسد. وفي وقت آخر يكونون كأنهم سكارى إذ يكونون منتعشين وثملين بالروح وبالأسرار الإلهية الروحانية.
8ـ وفي وقت آخر يكونون كأنهم في بكاء ونحيب لأجل جنس البشر وإذ يتوسلون لأجل ذرية آدم كلها فإنهم يولولون ويبكون، إذ تشتعل فيهم محبة الروح نحو جنس البشر. وفي وقت آخر يشعلهم الروح بفرح ومحبة كثيرة حتى أنه لو أمكنهم لأدخلوا كل إنسان إلى أحشائهم، بدون تفريق بين الردىء والجيد.
وأحيانا يصيرون تحت كل الناس في تواضع الروح حتى أنهم يحسبون أنفسهم آخر الكل وأقل الكل.
وأحيانًا يجعلهم الروح في فرح لا يُنطق به. لدرجة أنهم يُجهدون من الفرح. وفي وقت آخر يكونون مثل إنسان جبار قد لبس الدرع الملكى الكامل ونزل إلى المعركة ضد أعدائه، فيحاربهم بقوة ويهزمهم، فإنه مثل هذا الجبار كذلك يأخذ الإنسان الروحانى أسلحة الروح السماوية وينزل لمقاتلة الأعداء فيحاربهم، ويدوسهم تحت قدميه.
9ـ وفي وقت آخر تستريح النفس في هدوء عظيم وسكون وسلام، دون أن تشعر بأى شئ آخر سوى اللذة الروحانية والراحة والسعادة التي لا توصف.
وفي وقت آخر، تعلمها النعمة بنوع لا ينطق به من الفهم والحكمة، ومعرفة الروح الذي يفوق الفحص وتعلمها أشياء لا يمكن النطق بها باللسان والكلام، هكذا فإن معاملات النعمة متنوعة جدًا في النفوس، وهى تقود النفس التي تنعشها وتحييها، بطرق كثيرة بحسب إرادة الله وتدربها بطرائق مختلفة لكى تعيدها إلى الآب السماوي كاملة ونقية وبلا عيب.
10ـ ولكن أفعال الروح هذه التي تحدثت عنها تختص بالدرجات العظيمة القريبة من الكمال، لأن تنعمات النعمة المختلفة هذه، رغم أنه يُعبّر عنها بطرق مختلفة ولكنها تفعل بلا انقطاع في أولئك الأشخاص، فاعلية تليها فاعلية أخرى. لأنه حينما تصل النفس إلى كمال الروح ، وتتطهر بالتمام من الشهوة، وتتحد مع الروح المعزى وتختلط به بشركة لا توصف، فإنها تحسب أهلا أن تصير هي نفسها روحًا، في اختلاطها مع الروح، حينئذ تصير كلها نورًا، وكلها عينًا، وكلها روحًا، وكلها فرحًا، وكلها راحة، وكلها بهجة، وكلها محبة، وكلها حنان، وكلها صلاح، وكلها رأفات محبة.
وكما أن الحجر الذي في قاع البحر تحيط به المياه من كل ناحية، كذلك كل هؤلاء أيضًا إذ يكونون مغمورين بالروح من كل ناحية فإنهم يصيرون مشابهين للمسيح، حاصلين في أنفسهم على فضائل قوة الروح بلا تغيير لكونهم بلا عيب وأنقياء وبلا لوم من الداخل والخارج.
11ـ وإذ قد ردهم الروح وأعادهم إلى الله هكذا فكيف يمكنهم أن يخرجوا ثمر الخطية؟ بل في كل الأوقات وفي كل الظروف تشع منهم ثمار الروح ظاهرة فيهم.
لنطلب نعمة الروح بالإيمان والمحبة والرجاء :
          فلنتوسل إذًا إلى الله بإيمان وبالمحبة والرجاء الكثير، لكى يمنحنا النعمة السماوية، نعمة الروح، لكى ما يحكمنا ويضبطنا ذلك الروح نفسه أيضًا، ويقودنا إلى كل إرادة الله وينعشنا ويحيينا بكل أنواع إنعاشه وإحيائه لكى بواسطة عمل الروح هذا وفاعلية النعمة، والنمو الروحاني نتقدم، لنحسب أهلا لإدراك كمال ملء المسيح كما يقول الرسول ” لتمتلئوا بكل ملء المسيح” (أف19:3) وأيضا يقول ” إلى أن ننتهي جميعنا إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف13:4).
ولقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألونه بالحق أن يعطيهم أسرار شركة الروح الذي لا يُنطق به.
لذلك فلنكرس نفوسنا بكليتها للرب ونسرع للحصول على الخيرات التي تكلمنا عنها. وإذ نكرس نفوسنا وأجسادنا ونتسمر على صليب المسيح فلنكن لائقين ومستعدين للملكوت السماوي، ممجدين الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين
العظة التاسعة عشر
وصايا المسيح والامتلاء من الروح القدس
” المسيحيون الذين يريدون التقدم والنمو ، ينبغي أن يغصبوا أنفسهم إلى كل ما هو صالح ليتحرروا من الخطية الساكنة فيهم وليمتلئوا من الروح القدس”
الإيمان بثبات والمواظبة على الصلاة :
1ـ إن أراد أحد أن يأتي إلى الرب، وأن يوجد أهلا للحياة الأبدية، وأن يصير مسكنا للمسيح وأن يمتلئ بالروح القدس لكيما يستطيع أن يثمر ثمار الروح، ويتمم وصايا المسيح بنقاوة وبلا عيب، يجب عليه أن يبتدئ أولا بالإيمان بالرب بثبات، وأن يسلّم نفسه كلية إلى كلمات وصاياه، ويتخلى عن العالم تخليًا تامًا، لكي لا ينشغل عقله بالمرة بشيء عالمي.
ويجب عليه أيضا أن يواظب دائما على الصلاة، وينتظر دائمًا بإيمان وتوقع افتقاد الرب وعونه، جاعلاً نظر عقله مثبت دائما نحوه. ثم ينبغي أن يغصب نفسه إلى كل عمل صالح وإلى وصايا الرب كلها، وذلك بسبب الخطية الساكنة فيه. فمثلاً، ليغصب نفسه إلى تواضع القلب مع جميع الناس، ويحسب نفسه أقل منهم وأردأ منهم، فلا يطلب كرامة أو مدحًا أو مجدًا من أى واحد من الناس، كما هو مكتوب في الإنجيل (يو44:12)، بل يضع الرب، ووصاياه، أمام عينه كل حين، راغبًا في أن يرضى الرب وحده بوداعة القلب، كما يقول الرب ” تعلموا منى لأني وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت29:11).
وصايا المسيح والصلاة بإيمان وثقة :
2ـ وبنفس الطريقة فليعود نفسه على أن يكون رحيمًا، شفوقًا رقيق القلب، صالحًا، بأقصى طاقة عنده. كما يقول الرب ” فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم” (لو36:6)، ويقول أيضا ” إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياى” (يو15:14) وأيضا ” ملكوت السموات يغصب والغاصبون يختطفونه” (مت12:11). وأيضا يقول ” اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق” (لو24:13).
وفوق كل شيء فليحفظ في ذاكرته ـ بدون نسيان مطلقا ـ تواضع الرب يسوع وسلوكه، ووداعته وسيرته، كمثاله الدائم أمام عينيه. وليواظب على الصلاة بمثابرة متوسلاً إلى الرب بإيمان وثقة لكي يأتى ويسكن فيه ويصير كاملا، ويقويه في حفظ جميع وصاياه، وليصير الرب ذاته هو موضع سكنى نفسه وهكذا فإن الأشياء التي يفعلها الآن بالتغصب وبقلب معارض، يأتى يوم حين يفعلها برضى وإرادة منه، معودًا نفسه دائمًا على ما هو صالح، ومتفكرا دائما في الرب، وينتظر الرب بمحبة كثيرة في الروح القدس .
ملء الروح وعمل الوصايا بدون صعوبة :
وحينما يرى الرب تشوّقه، واجتهاده الصالح، وكيف أنه يغصب نفسه لتذكر الرب وكيف يلزم قلبه بما هو صالح حتى لو كان بخلاف رغبته، ويلزمه بالتواضع والوداعة والمحبة بأقصى طاقة عنده، فإن الرب يتحنن عليه وينقذه من أعدائه، ومن الخطية الساكنة فيه، ويملأه بالروح القدس.
وهكذا فبعد ذلك يفعل كل وصايا الرب بالحق بدون تغصب أو صعوبة أو تعب، أو بالحري فإن الرب نفسه هو الذي يفعل وصاياه فيه، وحينئذ يخرج ثمار الروح بنقاوة.
يغصب نفسه إلى ما هو صالح (وصايا المسيح) :
          3ـ فالذي يأتي إلى الرب يلزمه أولاً أن يغصب نفسه إلى ما هو صالح حتى لو كان ضد ميل قلبه، منتظرًا دائمًا رحمة الرب بإيمان لا يتزعزع.
          ويغصب نفسه إلى المحبة حينما تنقصه المحبة، ويغصب نفسه إلى الوداعة حينما لا تكون عنده وداعة، ويغصب نفسه إلى الشفقة إلى أن يكون له قلب حنون ـ وأن يغصب نفسه على تحمل الازدراء وأن يحتمله بصبر، وحينما يُحتقر أو يُعير، فلا يغضب، كما هو مكتوب    ” ولا تنتقموا لأنفسكم ايها الأحباء” (رو19:12) ـ وليغصب نفسه إلى الصلاة حينما لا تكون له الصلاة الروحانية، وهكذا إذ يراه الله مجاهدًا وغاصبًا بالرغم من معارضة قلبه، فإنه يهب له صلاة الروح الحقيقية وينعم عليه بالمحبة الحقيقية، والوداعة وأحشاء الرأفات والشفقة الحقيقية، وباختصار فإنه يملأه بثمار الروح.
          4ـ ولكن إن كان إنسان يغصب نفسه إلى الصلاة فقط لكي ما يحصل على نعمة الصلاة، ولكنه لا يغصب نفسه إلى الوداعة والتواضع والمحبة وبقية وصايا الرب ولا يهتم أو يتعب ويجتهد لكي يتمم هذه الوصايا ـ بقدر ما هو مستطاع لحرية الإرادة وعزم القلب ـ فقد تعطى له أحيانا نعمة الصلاة جزئيًا، مع تعزية وفرح من الروح بحسب ما سأل وطلب ولكنه يظل كما هو في صفاته وسلوكه. فيكون بلا وداعة، لأنه لم يطلبها باهتمام، ولم يعد نفسه ليقبلها فيصير وديعًا ويكون بلا تواضع لأنه لم يطلب التواضع، ولم يغصب نفسه إليه. ويكون بلا محبة من نحو الناس لأنه لم يهتم ويجتهد لكي يحصل عليها بالتوسل والصلاة وليس له إيمان وثقة في الله في تكميل ما عليه من الأعمال، لأنه لم يعرف نفسه، ولم يكتشف أن هذا هو ما يعوزه، ولم يبذل أى اهتمام أو جهد ليحصل على احتياجه، طالبًا من الرب أن يحصل على إيمان ثابت وثقة حقيقية فيه.
5 ـ فإنه كما أن كل واحد يلزم ويغصب نفسه إلى الصلاة بالرغم من نفور القلب، هكذا ينبغي لمن يغصب نفسه أيضًا إلى الثقة بالله، وإلى التواضع، وإلى المحبة، وإلى الوداعة، وإلى الإخلاص والبساطة، وإلى “كل صبر وطول أناة بفرح” (كو11:1)، وأن يعتبر نفسه كلا شيء ويحسب نفسه أقل وآخر الكل، وهكذا يتجنب الدخول في المحادثات التي لا تنفع، بل يتأمل دائما في أمور الله ويتكلم بها، بفمه وقلبه، وأيضا لا يكون غضوبا أو ذا صخب وصراخ كما هو مكتوب ” ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح وتجديف مع كل خبث” (أف31:4)، ويسير في طرق الرب كلها، في عمل الفضيلة وفي حياة صالحة نبيلة، في كل سيرة الصلاح وكل تواضع الوداعة، فلا يتشامخ ولا يتكبر ولا يتكلم في حق أى إنسان.
6ـ فينبغي أن يغصب الإنسان نفسه إلى كل الأشياء إن كان يريد أن يرضى المسيح ويسر قلبه، حتى أن الرب عندما يرى غيرته وعزم قلبه في غصب نفسه هكذا إلى كل الصلاح والبساطة والرحمة والتواضع والمحبة والصلاة وكيف أنه يسوق نفسه إليها جميعا بالقوة، فإن الرب يعطيه ذاته ـ أى أن الرب نفسه بالحق يعمل فيه كل هذه الأشياء بنقاوة وبدون تعب أو تغصب، هذه الأشياء التي لم يكن يستطيع قبلا أن يعملها حتى بالتغصب وذلك بسبب الخطية التي كانت ساكنة فيه، وتصير كل أعمال الفضيلة هذه طبيعة فيه. لأن الرب حينما يأتي ويسكن فيه وهو يسكن في الرب. فإن الرب نفسه يتمم فيه وصاياه بدون تعب مالئًا إياه بثمار الروح.
وأما أن غصب إنسان نفسه إلى الصلاة فقط لكي ينال موهبتها من الله ولكنه لا يغصب نفسه بنفس الطريقة ويلزم ويعود نفسه على كل هذه الأمور الأخرى، فإنه لا يستطيع أن يتمم هذه الأشياء بالحق، وبنقاوة وبلا عيب. فينبغي أن يعد نفسه بهذه الطريقة إلى ما هو صالح بأقصى طاقته، فإن النعمة الإلهية تأتيه أحيانا وقت السؤال والصلاة والتضرعات. لأن الله صالح ورحيم والذين يسألون يعطيهم ما يسألون، وأما من كان خاليا من الأشياء التي قد تكلمنا عنها ولم يعود أو يكيف نفسه عليها مقدمًا، فإنه حتى إذا نال النعمة، فسيفقدها ويسقط بكبرياء أو على الأقل فهو لا يتقدم وينمو ويزداد في النعمة التي وهبت له، لأنه لم يسلم نفسه إلى وصايا الرب بإرادته. لأن مكان سكنى الروح القدس وراحته هو التواضع والمحبة والوداعة وكل وصايا الرب الأخرى.
طاعة الوصية والمداومة على الصلاة :
              7 ـ لذلك فكل من يريد أن يرضى الله بالحق وأن ينال منه نعمة الروح القدس السماوية، وأن ينمو ويكمل في الروح القدس ينبغي له أن يغصب نفسه إلى كل وصايا الله ويخضع لها قلبه مهما كان رافضًا، كما هو مكتوب ” لأجل هذا بازاء كل وصاياك تقومت وكل طريق شر أبغضت” (مز128:119)، فكما يغصب الإنسان نفسه ويلزمها بالمثابرة في الصلاة إلى أن ينجح في ذلك هكذا بنفس الطريقة، إن أراد فقط، فإنه يستطيع أن يغصب ويلزم نفسه بكل ممارسات الفضيلة ويعود نفسه عادة حسنة، وهكذا إذ يداوم على الصلاة والسؤال من الرب وبحصوله على ما يطلب ونواله مذاقة الله وإذ يصير شريكا في الروح القدس فإنه يجعل الموهبة التي منحت له تنمو وتزدهر، إذ يستريح مستقرًا في تواضعه، وفي المحبة والوداعة.
8 ـ والروح نفسه يمنحه هذه الأشياء، ويعلّمه الصلاة الحقيقية، والمحبة الحقيقية، والوداعة الحقيقية، التي كان قبلاً يغصب نفسه إليها، وكان يطلبها ويهتم بها ويتأمل فيها، والآن أعطيت له، ولأنه نما هكذا وتكمل في الله، فإنه يحسب أهلاً أن يصير وارثًا للملكوت. فالمتواضع لا يسقط أبدًا. وإلى أين يسقط إذا كان هو تحت الكل؟ أما القلب المتشامخ فهو انحطاط عظيم، والقلب المتواضع هو ارتفاع عظيم وكرامة ومجد.
طلب الروح والصلاة بالروح وثمار الروح :
لذلك فلنغصب نفوسنا ونلزمها بالتواضع حتى ولو كان قلبنا غير راغب في ذلك، ونغصبها إلى الوداعة، وإلى المحبة، مصلين ومتوسلين إلى الله بالإيمان، والرجاء، والمحبة، وبلا انقطاع، وبانتظار وثبات، أن يرسل روحه إلى قلوبنا، حتى نصلى ” ونسجد لله بالروح والحق” (يو24:4).
9ـ ولكيما يصلى الروح نفسه فينا، لكيما يعلمنا الروح بنفسه تلك الصلاة الحقيقية ـ التي لم نحصل عليها حتى الآن رغم أننا نغصب أنفسنا إليها، ويعلمنا التواضع الحقيقي الذي لا نستطيع الآن أن نصل إليه، حتى بالتغصب، ولكي يعلمنا أن نثمر بالحق أحشاء رأفات (كو12:3)، وشفقة، وكل وصايا الرب بدون تعب أو تغصب، كما يعرف الروح نفسه كيفية ذلك حين يملأنا بثماره.
وهكذا إذ نتمّم وصايا الرب بواسطة روحه، الذي هو وحده يعرف مشيئة الرب، وإذ يكمّلنا الروح في ذاته وهو نفسه يكمل فينا حينما نتطهر من كل دنس ولطخة الخطية، فإنه يحضر نفوسنا طاهرة وبلا عيب، كعرائس جميلات إلى المسيح، ونستريح في الله في ملكوته، ويستريح الله فينا إلى دهر الدهور.
فالمجد لتعطفاته، ورحمته ومحبته لأنه أعطى لجنس البشر مثل هذه الكرامة والمجد، وأنعم عليهم أن يصيروا أبناء للآب السماوي ودعاهم أخوة له خاصة. له المجد إلى الأبد آمين.
العظة العشرون
لباس الروح
“المسيح، الطبيب الحقيقي للإنسان الداخلي، وهو يستطيع وحده أن يخلّص النفس، ويزيّنها بثوب النعمة “
          1 ـ إن كان أحد عريانًا لقلة الملابس الإلهية السماوية التي هي قوة الروح القدس كقول الرسول ” إن كان أحد ليس له روح المسيح فهو ليس من خاصته” (رو9:8). فليبك ويتوسل إلى الرب حتى ينال الثوب الروحاني الذي من السماء ويأخذ غطاءً لنفسه العارية من القوة الإلهية لأن الإنسان غير المكسو بكساء الروح هو مكسو بالعيب العظيم: عيب الأهواء الدنيئة.
لأنه كما في الأشياء المنظورة إن كان أحد عريانا يحل به خزي وفضيحة عظيمة بل إن الأصدقاء ينصرفون عن أصدقائهم العرايا والأقارب عن أهاليهم. بل أن من البنين من رأوا أباهم عريانًا وصرفوا عنه وجوههم لكيلا يعاينوا جسد أبيهم العريان، وإنما رجعوا على أعقابهم وستروه. ولذلك ارتفعت عنه عيونهم. كذلك ينصرف الله عن النفوس غير المكسوة بلباس الروح في ملء ثقة الإيمان لكونها لم تلبس الرب يسوع (رو14:13). بالقوة والحق.
خطورة العرى الروحي  :
          2ـ ثم أن الإنسان الأول لما رأى نفسه عريانًا خجل. فما أعظم فضيحة العرى. فإذا كان من جهة الجسد يعتبر العرى فضيحة كبرى، فكم بالحري النفس العارية من القوة الإلهية التي لا تكتسي ولا تلبس اللباس الأبدي الروحاني غير الموصوف وهو الرب يسوع نفسه بالحق ـ وهي مغطاة بالخجل والأهواء الرديئة، وكذلك كل من كان غير مكتسى بذلك المجد الإلهي يجب عليه أن يستحى ويقر بفضيحته كما استحى آدم من عرى جسده. ومع أنه ستر نفسه بورق التين فلم يزل خجله مصاحبًا له لعلمه بفقره وعريه جدًا. فعلى هذه النفس أن تطلب من المسيح الذي يعطى المجد لكى يكسوها بالمجد في النور الذي لا يوصف، بدون أن تعمل لنفسها غطاء من الأفكار الباطلة أو تنخدع بزعمها أنها بارة من نفسها وأنها تملك لباس الخلاص.
المسيح هو بر الله لنا :
          3 ـ فإنه أن استند أحد على بره ولم يتطلع إلى بر الله، هذا البر الذي هو الرب يسوع ” الذي صار لنا برًا وفداءً” (اكو30:1). كما يقول الرسول، فإن تعبه يصبح باطلا لا ثمرة له، لأن كل زعمه ببره يظهر في اليوم الأخير كلا شيء بل يكون مثل خرقة نجسة كما قال أشعياء النبى ” كخرقة الحائض كل برنا” (انظر إش6:64).
فلنطلب إذن من الله ونتوسل إليه أن يلبسنا لباس الخلاص وهو الرب يسوع المسيح، النور الفائق الوصف الذي إذا لبسته النفوس لا تخلعه قط، بل تتمجد أجسادهم أيضا في القيامة بمجد ذلك النور الذي تلبسه النفوس الأمينة الفاضلة منذ الآن حسب قول الرسول ” إن ذلك الذي أقام المسيح من بين الأموات سيحيى أجسادهم المائتة أيضا بروحه الساكن فيكم” (رو11:8). فالمجد لمراحمه المتعطفة ولرأفته التي تفوق كل وصف وكل تعبير.
4ـ وأيضا كما أن المرأة التي كانت معتلّة بنزف الدم لما صارت مؤمنة بالحق، ولمست طرف ثوب ربنا شفيت حالاً وانقطع نزيف دمها النجس، كذلك كل نفس فيها جرح الخطية الذي لا شفاء له، وينبوع الأفكار الخبيثة النجسة، إن هي أتت فقط إلى المسيح وصلت إليه بإيمان صحيح فإنها تعود إلى الصحة وتخلص من ينبوع الأهواء الفاسدة الذي لم يكن له علاج. وذلك الينبوع الذي يخرج أفكارًا نجسة لا ينقطع ويجف إلا بقوة المسيح فقط، وليس لأحد غيره قدره على شفاء هذا الجرح. لأن العدو كان محتالا للغاية في معصية آدم حتى أنه جرح الإنسان الباطن وأظلمه أى العقل المرشد الذي ينظر الله. فمالت عيناه بعد ذلك إلى الخطية والأهواء وكانت مغلقة عن رؤية خيرات السماء.
المسيح وحده هو الذي يخلص ويشفي النفس مجانًا:
          5 ـ فهذه كانت شدة جرح آدم حتى أنه لم يستطع أن يشفه منه غير الرب وحده. فهذا مستطاع عنده وحده. ولهذا فقد جاء ” ورفع خطية العالم” (يو29:1)، أى جفف الينبوع النجس. ينبوع أفكار النفس. لأنه كما أن تلك المرأة التي كانت مريضة بنزف الدم كانت قد صرفت كل ما كان لديها على الذين وعدوها بالشفاء ولم يشفها أحد، إلى أن أتت إلى الرب بإيمان صادق ولمست طرف ثوبه فشعرت حينئذ بالشفاء في الحال، ووقف نزف الدم. كذلك هو حال النفس التي جرحت منذ البدء بجرح أهواء الخطية الذي لا شفاء له، فلم يقدر أن يعالجه أحد من الأبرار. كلا ولا الآباء ولا البطاركة.
6ـ ولقد أتى موسى ولكنه لم يقدر أن يعطى شفاءً كاملاً. والكهنة والعطايا والعشور والسبوت والأهلة والغسلات والذبائح والمحرقات وسائر تفرعات البر كانت تحفظ جميعها بالدقة تحت الناموس. ومع ذلك لم يمكن بها شفاء النفس وتطهيرها من الينبوع النجس أى ينبوع أفكار الخطية. وكل بر النفس لم ينفع لشفاء الإنسان إلى أن أتى المخلص نفسه الطبيب الحقيقي الذي يشفي مجانا فبذل نفسه فداء لجنس البشر. فهو وحده صنع فداء النفس العظيم وخلاصها وشفاءها، وهو ذاته الذي حرّرها من العبودية وأخرجها من الظلمة ممجدًا إياها بنوره الخاص. فهو حقا جفف ينبوع الأفكار النجسة الذي كان فيها لأن الكتاب المقدس يقول ” هو ذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم” (يو29:1).
الدواء الوحيد :
          7 ـ لأن أدوية النفس التي كانت من الأرض، يعنى أفعالها البارة لم تقدر أن تعالجها وتشفيها من هذه الضربة العظيمة غير المنظورة بل يتم الشفاء بالطبيعة السماوية الإلهية التي لموهبة الروح القدس. فإنه بواسطة هذا الدواء فقط يمكن للإنسان أن يجد الشفاء ويحصل على الحياة إذ يتطهر في قلبه بالروح القدس. ولكن كما أن تلك المرأة، بالرغم من أنها لم تكن قد شُفيت بعد وكان مرضها فيها، إلاّ أنها جاءت بقدميها إلى الرب، وعند مجيئها نالت الشفاء. وكما أن الأعمى أيضًا الذي لم يقدر أن يمشى ليأتي إلى الرب، بسبب عماه، صرخ إليه صرخة شديدة وصل بها إلى الرب لأنه قال ” ارحمني يا ابن داود” (مز 47:10) وبإيمانه نال الشفاء إذ أن الرب أتاه بنفسه وجعله يبصر بوضوح. كذلك النفس ولو أنها جرحت بجروح الأهواء الفاسدة وعميت بظلمة الخطية فمع ذلك لا تزال فيها الإرادة أن تصرخ إلى يسوع وتناديه ليأتي ويصنع لها فداءً أبديًا .
ضرورة المجيء إلى المسيح بثقة الإيمان :
          8ـ لأنه كما أن الأعمى لو لم يصرخ إلى الرب، والمرأة التي كان بها النزف الدموي لو لم تأتِ إليه لما وجدا الشفاء، كذلك الآن إن لم يأت الإنسان إلى الرب بإرادته وبكل نية قلبه ويطلب منه بثقة الإيمان التامة فلا يشفي أبدًا. فلماذا شفي هذان الاثنان للوقت بإيمانهما، ونحن لم يعد إلينا بصرنا بالحقيقة ولم نشف من أمراضنا الخفيّة؟. إن الرب يهتم ويعتني بالنفس غير المائتة أكثر من الجسد، لأنها إن انفتحت عينيها، كما يقول ” افتح عيني” (مز 18:119) فلا تعمى أبدًا فيما بعد. وإن شفيت فلا تعود تنجرح أبدًا. فإنه إن كان الرب عند مجيئه على الأرض اعتنى بالأجساد الفاسدة، فكم بالحري يعتني بالنفس غير المائتة المصنوعة على شبهه؟ ولكن بسبب قلة إيماننا وانقسام قلوبنا وعدم محبتنا له من كل القلب، وعدم إيماننا به حقيقة ، لذلك لم نجد بعد الشفاء الروحي والخلاص.
فلنؤمن به إذن ولنأت إليه بالحقيقة لكى يتم فينا حالاً عمل الشفاء الحقيقي لأنه وعد بأنه يعطى للذين يسألونه روحه القدوس ويفتح للذين يقرعون وبأن الذين يطلبونه يجدونه. فالذي وعد لا يمكن أن يكذب له المجد والقدرة إلى الأبد آمين.
لقراءة باقي عظات القديس مكاريوس :   أضغط هنا
August 5, 2011 / kyrillosnagy

عظات القديس مكاريوس الكبير , العظات من الثالثة عشر إلى السادسة عشر

العظة الثالثة عشر
أولاد الله
” الثمرة التي ينتظرها الله من المسيحيين”
ثمر العهد الجديد :
1ـ كل الأشياء المنظورة قد خلقها الله، وأعطاها للبشر لأجل فرحهم وتنعمهم، وقد أعطاهم أيضًا ناموسًا للبر. ولكن منذ أن جاء المسيح إلى العالم، فإن الله يطلب ثمرة أخرى. وبرًا آخر، ونقاوة قلب وضميرًا صالحًا، وكلمات محبة وشفقة، وأفكارًا مقدسة صالحة ، وكل تدبير سيرة القديسين. فالرب يقول ” إن لم يزد بركم عن الكتبة والفريسيين فلن تدخلوا ملكوت السموات” (مت20:5) “مكتوب في الناموس، لا تزن، أما أنا فأقول لكم: لا تشتهى، ولا تغضب” فمن يريد أن يكون صديقًا لله، وأخًا وابنًا للمسيح ينبغي أن يفعل شيئًا يفوق بقية الناس، أى أن يكرس قلبه وعقله (لله)، ويرفع إليه أفكاره. وبهذه الطريقة فإن الله يعطى لقلبه ـ في الخفاء ـ حياة وعونًا، بل أن الله يستودع ذاته عينها لهذا الإنسان. فحينما يقدم الإنسان أموره الخفية لله، أى عقله وأفكاره، بحيث لا يشغل نفسه في أى اتجاه آخر، ولا يتحول بعيدًا عنه، بل يغصب نفسه لينحصر في الرب، فإن الرب حينئذ يحسبه أهلاً للأسرار السماوية بأعظم قداسة ونقاوة، ويعطيه الطعام السماوي والشراب الروحاني.
الخدم والأولاد :
2 ـ وكما يحدث أن إنسانًا عنده خيرات عظيمة، وله أولاد كما أن عنده خدم، فهو يعطى للخدم نوعًا من الطعام يختلف عن الطعام الذي يعطيه لأولاده المولودين منه، لأن الأولاد هم ورثة أبيهم، ويأكلون معه، لأنهم يشبهون آبائهم. هكذا المسيح أيضًا، رب البيت الحقيقي، الذي خلق كل الأشياء بنفسه، فإنه ينعم على الأشرار وغير الشاكرين. وأما الأولاد، الذين ولدهم من ذاته، والذين منحهم نعمته، والذين يتصور هو فيهم، هؤلاء يزودهم ـ أفضل من الآخرين ـ بتنعم وغذاء مخصوص طعامًا وشرابًا.
وإذ يذهبون مع يسوع والدهم في كل مكان، فإنهم يعطيهم ذاته، كما يقول الرب ” من يأكل جسدي ، ويشرب دمى يثبت في وأنا فيه” وأيضا “لا يرى الموت” (يو56:6 ، 51:8) .
فأولئك الذين يمتلكون الميراث الحقيقي، قد ولدوا كبنين للآب السماوي، ويقيمون في بيت أبيهم، كما يقول الرب ” العبد لا يبقى في البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد” (يو35:8) .
3 ـ فإذا أردنا إذا أن نُولد من الآب السماوي، فينبغي أن نفعل شيئًا يفوق ما يفعله سائر البشر، بالاجتهاد والجد والغيرة والمحبة، والسيرة الصالحة، وأن نكون في الإيمان ومخافة الرب، كأناس يشتهون الحصول على خيرات عظيمة بهذا المقدار، وأن نرث الله نفسه. كما يقول الكتاب ” الرب هو نصيب ميراثي وكأسى” (مز5:16). وهكذا إذ ينظر الرب قصدنا الصالح وصبرنا وثباتنا، فإنه يسكب رحمته علينا ويطهرنا من دنس الخطية، ومن تلك النار الأبدية التي في داخلنا ويجعلنا مناسبين وملائمين للملكوت. والمجد لحنانه الرقيق، وللمسرة الصالحة التي ظهرت من الآب والابن والروح القدس. آمين.
العظة الرابعة عشر
حلول المسيح في الإنسان
أرض اللاهوت
“أولئك الذين يسلمون أفكارهم وعقلهم لله، يفعلون ذلك على رجاء أن تستنير عيون قلوبهم، وأن يعطيهم الله أسراره في أعظم قداسة ونقاوة. ويمنحهم من نعمته. ما يجب أن نفعله نحن الذين نرغب في الحصول على الخيرات السماوية. مقارنة الرسل والأنبياء بأشعة الشمس التي تدخل من النافذة. تعلّم العظة أيضًا عن ما هي “أرض الشيطان” وما هي “أرض الملائكة”. وأن كلتيهما لا تُلمسان ولا تُنظران إلاّ لعيون القلب الروحانيين”.
التعب والزرع على رجاء :
1ـ كل الأعمال المنظورة التي تعمل في العالم، إنما تُعمل على رجاء الاشتراك والانتفاع بنتائج هذه الأعمال، ولولا الثقة والتيقن من التمتع بثمار التعب فلا تكون هناك فائدة تكسب . فالزارع يبذر البذار على رجاء الثمار، وهذا الرجاء يسنده ويشدده في احتمال مشقات كثيرة. كما يقول الرسول ” إن الحراث يحرث على رجاء” (1كو 10:9) والذي يأخذ زوجة، إنما يفعل ذلك على رجاء أن يكون له ورثة، والتاجر يسلم نفسه للبحر ولخطر الموت بهدف الربح. هكذا أيضًا فيما يخص ملكوت السموات، فإن الإنسان يسلم نفسه للرب برجاء أن تستنير عيون قلبه (أف18:1) منصرفًا عن أمور هذه الحياة، ويحفظ نفسه حرًا، ليكون انشغاله بالصلوات والتضرعات ناظرًا إلى الرب ومنتظرًا إياه حين يأتى ويكشف نفسه له ، وأيضًا حين يطهره من الخطية الساكنة فيه .
رجاء حلول الرب بملء اختبار الروح :
2ـ وهو مع ذلك لا يضع ثقته في أتعابه، وطريقة حياته، إلى أن يحصل على الأشياء التي يترجاها، أى إلى أن يأتي الرب ويحل فيه بملء اختبار الروح وفاعليته. وحينما يتذوق صلاح الرب ويبتهج بثمار الروح، وحينما يُرفع عنه ستار الظلمة، ويضيء عليه نور المسيح ويعمل فيه بفرح لا ينطق به، فحينئذ يشبع ويرضى تماما إذ يكون حاصلا على الرب معه في محبة عظيمة، كما يفرح التاجر ـ كما ذكرنا في المثل ـ حينما يحصل على الربح ولكن لا يزال عنده خوف من اللصوص ـ أرواح الشر ـ لئلا يتكاسل ويضيع تعبه، قبل أن يدخل ملكوت السموات في أورشليم العليا .
3ـ لذلك فلنتوسل إلى الله أن ينزع منا الإنسان العتيق ويجرّدنا منه، ويلبسنا المسيح السماوي، هنا ومن هذه اللحظة الحاضرة، حتى إذ نكون في فرح وبهجة، وإذ نكون منقادين بروحه، فإننا سنكون في هدوء وسلام عظيم. وإن الرب الذي يريد أن يملأنا ويشبعنا بتذوق الملكوت، يقول ” بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو5:15).
الرسل أنوار للعالم :
وقد عرف الرب كيف ينير كثيرين بواسطة الرسل. فالرسل كانوا هم أنفسهم خلائق مثل غيرهم، ولكنهم ربّوا وغذوا العبيد رفقائهم. وبسيرتهم الصالحة وتعاليمهم أحيوا وأقاموا عقول الناس التي كانت مائتة وفاسدة. فمن الممكن أن يقوم أحد المخلوقات بتغذية وإحياء مخلوق آخر. فالسحب، والمطر والشمس، بحسب أمر الله، تُحيى بذار القمح والشعير، رغم أنها مجرد خلائق فقط، ومثل النور الذي يأتي من خلال النافذة، في حين أن الشمس ترسل أشعتها على العالم كله، هكذا كان الأنبياء هم أنوار بيتهم الخاص ـ أى على إسرائيل ـ وليس أكثر، وأما الرسل فهم شموس يسطعون بأشعتهم في كل أركان وأرجاء العالم.
” أرض الشياطين ” و ” أرض اللاهوت ”:
4ـ هناك “أرض” تسكنها الوحوش، وهناك “أرض” أخرى في الهواء تتحرك فيها الطيور وتعيش. فإذا أرادت الطيور أن تقف أو تسير على الأرض فإن الصيادين يصطادونها. والأسماك أيضًا لها “أرض” وهى مياه البحر. والمكان الذي يولد فيه أى كائن، سواء على الأرض أو في الهواء، ففيه يعيش، وفيه يقتات ويجد لذته وراحته. وبنفس الطريقة فهناك “أرض” وبيت للشياطين، حيث تعيش قوات الظلمة وأرواح الشر، وهناك تتحرك وتجد راحتها، كما توجد “أرض” نورانية هى أرض اللاهوت، حيث معسكرات الملائكة والأرواح المقدسة تصعد وتهبط وتجد راحتها. فتلك الأرض المظلمة لا يمكن أن تُرى بعيون هذا الجسد ولا أن تُلمس، وكذلك الأرض النورانية أرض اللاهوت، لا تُلمس ولا تُرى بالعيون الجسدية. أما بالنسبة للروحانيين فإن “الأرض” الشيطانية، و”أرض” اللاهوت كلاهما تنكشفان لعيون قلوبهم.
          5 ـ فإن كانت أسطورة أولئك الذين من خارج، تقول: إنه توجد جبال نارية، لأن النار متقدة فيها، وإنه توجد فيها حيوانات مثل الأغنام. وأن الذين يصطادونها يصنعون لهم عجلات حديدية، ويطرحون خطاطيفهم ويلقونها في النار، لأن تلك الحيوانات تقتات على النار، والنار هى شرابها وهى لذتها وبها تنمو وتحيا. فالنار بالنسبة لها هى كل شيء. فإن أتيت بها إلى هواء آخر فإنها تموت. وحينما يتسخ صوفها فإنها لا تُغسل في الماء، بل في النار، فتُنظف وتُبيّضّ أكثر. هكذا المسيحيون عندهم النار السماوية كطعام لهم. وهى لذتهم تنعمهم. وهى تنظف قلوبهم وتغسلها وتقدسها. وهى تُنميهم. وهى هواؤهم وحياتهم. فإن خرجوا يهلكهم الروح الشرير، كما أن الحيوانات في الأسطورة ـ تموت حينما تترك النار، وكما يموت السمك حينما يخرج من الماء، وكما أن الوحوش ـ ذوات الأربع ـ تغرق إذا طُرحت في البحر، وكما أن الطيور إذا سقطت على الأرض يصطادها الصيادون، كذلك النفس التي لا تقيم في تلك “الأرض”، فإنها تختنق وتهلك، وإذا لم تكن تلك النار الإلهية هي طعامها وشرابها ولباسها، وهى تطهير لقلبها، وهى تقديس للنفس، فإن الأرواح الشريرة تأخذها وتدمرها. أما بالنسبة لنا، فلنفحص بغيرة وإخلاص، هل نحن قد تم زرعنا في تلك “الأرض” غير المنظورة وطُعمنا في الكرمة السماوية أم لا ؟. والمجد لمراحمه. آمين.
العظة الخامسة عشر
القداسة والنقاوة
“هذه العظة تعلّم بالتفصيل، كيف ينبغي على النفس أن تسعى بالقداسة والطهارة والنقاوة نحو عريسها يسوع المسيح مخلّص العالم. وتحتوى أيضا على بعض مناقشات مملوءة بفوائد عظيمة مثل: هل تقوم جميع الأعضاء في القيامة كاملة؟ وعن الشر، وعن الإرادة الحرة وعن كرامة الطبيعة البشرية “
خطبة المسيح للنفس :
          1ـ إذا كان إنسان غنيًا جدًا وهو ملك عظيم، ويضع قلبه على امرأة فقيرة لا تملك شيئا سوى نفسها. ويصير محبا لها ويرغب أن يأخذها لتعيش معه عروسا له فحينئذ، إن هي أظهرت كل سخاء وخير ومحبة زوجها، مخصصةً أيضًا حبها له، فإن تلك المرأة الفقيرة المسكينة التي لم تكن تملك شيئا تصير سيدة مالكة لكل ما يخص زوجها.
ومن الناحية الأخرى، فإنها إذا تصرفت ضد ما هو واجب وضد الالتزام والمسئولية، وسلكت بما لا يليق في بيت زوجها، فإنها حينئذ تُطرد خارجًا في خزي ومهانة وعار، واضعة يديها على رأسها كما يقول العهد القديم بالرمز عن الزوجة التي لا تسلك بلياقة في الغنى العظيم الذي سقطت منه وأي مجد قد ضاع منها، وكيف تجردت من كرامتها بسبب حماقتها.
واجب النفس التي يخطبها المسيح العريس السماوي :
2 ـ وبنفس الطريقة فإن النفس التي يخطبها المسيح العريس السماوي لنفسه لأجل شركته السرية الإلهية، والتي قد تذوقت الغنى السماوي، يجب عليها بكل اجتهاد وإخلاص، أن ترضى المسيح حبيبها وتتمم كل ما هو واجب ولائق، خدمة الروح التي أُستؤمنت عليها، وأن تُرضى الله في كل شئ، ولا تحزن الروح في أى شيء وتحفظ التواضع والمحبة بحسب ما هو واجب نحوه هو الذي فيه يكمن الكمال، وتسلك حسنا في بيت الملك السماوي بكل سخاء وخير وشكر قلب لأجل النعمة التي أعطيت لها.
فمثل هذه النفس تصير سيدة ومتولّية على كل خيرات الرب وحتى جسد مجد لاهوته يصير لها. ولكن إن سقطت، وسلكت ضد الواجب في خدمتها له ولم تفعل الأشياء التي ترضيه، ولم تتبع إرادته ولا تعاونت مع نعمة الروح الحاضر معها، فإنها حينئذ تحرم من كرامتها وتصير في خزي ومهانة، وتنفي من الحياة، كأنها غير نافعة وغير مناسبة لشركة الملك السماوي. حينئذ يكون غم وبكاء ورثاء على هذه النفس من كل الأرواح القديسة غير المنظورة: فالملائكة والقوات، والرسل والأنبياء والشهداء يبكون عليها.
          3 ـ فإنه كما قال الرب ” يكون فرح في السماء” (لو7:15)، كذلك يكون أسف وبكاء في السماء على نفس واحدة تسقط من الحياة الأبدية. وكما أنه حينما يموت إنسان غنى، على الأرض، فإنه يُشيَّع بالموسيقى، والألحان الحزينة والولولة (العويل) من أخوته وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، هكذا فإن جميع القديسين ينتحبون بألحان حزينة ومراثى على تلك النفس.
وهذا هو نفس ما يقوله الكتاب المقدس في موضع آخر بلغة رمزية “ولول يا سرو لأن الأرز سقط” (زكريا 2:11) .
فكما أن إسرائيل، حينما كان يظن فيه أن يرضى الرب ـ مع أنه لم يرض الرب أبدا كما ينبغي ـ كان لهم عمود سحاب يظللهم، وعمود نار يضيء عليهم، وقد رأوا البحر ينقسم أمامهم، والماء الصفي يخرج من الصخرة، ولكن حينما تحوّل قلبهم وقصدهم عن الله، أهلكتهم الحيّات وسُلّموا لأيدي أعدائهم فاقتيدوا إلى أسر مؤلم وعذبوا بعبودية مرة. وهذا ما يعلنه الروح سرّيًا بحزقيال النبى أيضًا، قائلاً عن مثل هذه النفس كأنها أورشليم ” وجدتك عريانة في البرية فغسلتك من ماء نجاستك، وألبستك ثوبا، ووضعت عليك أساور في يدك وطوقا في عنقك وأقراطا في أذنيك. فخرج لك اسم بين جميع الأمم وأكلت السميذ والعسل والزيت، وبعد كل هذا نسيت خيراتي، وذهبت وراء عاشقيك وزنيت بخزي وعار” (أنظر حزقيال7:16ـ17).
لنتمم خلاصنا بخوف ورعدة :
          4 ـ هكذا بالمثل فإن الروح يحذر النفس التي تعرف الله من خلال النعمة، بعد أن تتطهر من خطاياها السالفة وتتزين بزينة الروح القدس، وتصير شريكة في الطعام الإلهي السماوي، ولا تسلك كما يجب بتمييز وتحفظ، ولا تحافظ كما يجب على التوقير والحب للمسيح العريس السماوي، وهكذا تُرفض وتُطرد من الحياة التي كانت شريكة فيها قبلاً.
فإن الشيطان يمكن أن يقوم وينتهز فرصة حتى ضد أولئك الذين وصلوا إلى قامات مثل هذه، وحتى ضد أولئك الذين قد عرفوا الله في نعمة وقوة، فإن الخطية لا تزال ترفع رأسها وتسعى أن تسقطهم. لذلك ينبغي أن نجتهد، ونسهر على نفوسنا بتبصر وحكمة، وأن ” نتمم خلاصنا بخوف ورعدة” كما هو مكتوب (في12:2)، فمهما كنتم أنتم الذين صرتم شركاء في روح المسيح، فانظروا أن لا تسلكوا بازدراء أو عدم اهتمام في أى شئ، صغيرًا كان أم كان كبيرًا ولا تزدروا بنعمة الروح، حتى لا تُبعدوا من الحياة التي قد صرتم شركاء فيها.
          5 ـ وسأكرر هذا بمثل آخر. فإذا جاء خادم إلى قصر الملك ليستخدم الأوانى الموجودة هناك، فهو يأخذ من الخيرات الخاصة بالملك ـ فهو لم يحضر معه شيئًا ـ ويخدم الملك بأوانى الملك الخاصة. هذا الخادم يحتاج هنا إلى حكمة كثيرة وبصيرة وتمييز، حتى لا يرتكب خطأ في الخدمة، كأن يحضر إلى المائدة الملوكية نوع من الأطباق غير الذي كان يجب أن يحضره، بل ينبغي أن يرتب الأوانى على المائدة بنظام من الأول إلى الآخر بالترتيب السليم فإذا كان بسبب الجهل وعدم التمييز، لا يخدم الملك بالنظام السليم وبترتيب، فإنه يفقد مكانه ومعيشته في القصر. وبنفس الطريقة فإن النفس التي تخدم الله بالنعمة والروح يلزمها تبصر كثير ومعرفة لكى لا ترتكب خطأ في أوانى الله، أى في خدمة الروح ـ بعدم حفظ إرادتها الخاصة في توافق مع النعمة. فإنه من الممكن في مجال خدمة الروح التي تتم سرًا بواسطة الإنسان الباطن، أن تقوم النفس بخدمة الرب في أوان من عندها، أى بروحها هي، ولكن الله لا يمكن أن يُخدم بغير أوانى الله أى بغير النعمة حتى ترضيه وتعمل مشيئته في كل شئ.
الحاجة إلى الحكمة والتمييز :
          6 ـ وحينما ينال الإنسان النعمة، فإنه يكون حينئذ في حاجة شديدة إلى الفهم والحكمة والتمييز ـ وهذه العطايا هي نفسها تُعطى من الله للنفس التي تطلبها منه ـ لكى يُعبد الله عبادة مقبولة بالروح الذي ناله الإنسان، ولا تهاجمه الخطية بغتة فيخطئ، ولا يُغوى بالجهالة والطياشة والإهمال ويسلك ضد ما تطلبه مشيئة الرب، لأن نتيجة هذه الأشياء العقاب والموت، والبكاء لمثل هذه النفس. فالرسول القديس يقول ” لئلا بعد ما كرزت للآخرين أصير أنا نفسى مرفوضًا” (1كو27:9) وها أنتم تنظرون أى حذر وخوف كان عنده، مع أنه كان رسول الله، لذلك فلنتوسل إلى الله، نحن الذين حصلنا على نعمة الله، لكى نعبد عبادة الروح حسب مشيئته بأكثر مما هو معتاد، ولا يكون لنا شركة مع أفكار الاحتقار والعصيان، حتى إذا ما عشنا بطريقة مرضية للرب وعبدناه عبادة روحية حسب مشيئته فإننا إذ نحيا هكذا نرث الحياة الأبدية.
أعضاء الجسم وأعضاء النفس :
          7 ـ هناك البعض عندهم عاهات في أجسامهم، فقد يحدث أن إنسانًا تكون بعض أعضائه صحيحة، كعيناه مثلاً، أو غيرها من الأعضاء، ولكن بقية أعضائه عاجزة، هكذا أيضا في العالم الروحي فقد يكون إنسان سليمًا وصحيحًا في ثلاثة أعضاء من روحه ولكن لا يكون كاملاً. فأنتم ترون كم للروح من مراحل ودرجات، وكيف أن الخطية يتم تصفيتها والتنقية منها على مراحل متتالية وليس دفعة واحدة، وأن عناية الله كلها وتدبيره للخليقة، وإشراق الشمس، وكل ما خلقه هذه جميعها إنما هي لأجل الملكوت الذي سيرثه المختارون لأجل تكوين ملكوت السلام والوئام.
نقاوة القلب وعدم إدانة الغير :
          8 ـ لذلك يجب على المسيحيين أن يجتهدوا على الدوام، ولا يدينوا أحدا بالمرة ـ ولا يدينوا حتى الزانية في الشارع ولا الأثمة المشهورين بخطاياهم والمتمردين ـ بل وأن ينظروا إلى كل البشر ببساطة النية ونقاوة العين، حين يصير الأمر هكذا كقانون ثابت في الطبيعة أن لا يحتقر أحدًا، ولا يدين أحدًا، ولا يمقت أحدًا حتى ولا يجعل تمييزًا بين أشخاص الناس. فإن رأيت إنسانا بعين واحدة، فلا تنقسم في داخل قلبك، بل انظر إليه وراعيه كما لو كان صحيحًا تمامًا. والإنسان الأقطع (ذو يد واحدة) انظر إليه كما لو كان بيدين، والأعرج تنظر إليه كالذي يسير معتدلاً، والمشلول كالصحيح.
هذه هي نقاوة القلب، أنك حينما ترى خطاة أو مرضى، أن تشفق عليهم وترثى لحالهم، وتكون حنونًا ومحبًا من نحوهم[1] ويحدث أحيانا أن قديسي الرب يجلسون في المراصد، وينظرون ضلال العالم وخداعه. فبحسب الإنسان الباطن هم يتخاطبون مع الله، ويصلون من أجل العالم ولكن بحسب الإنسان الخارجي فإنهم يظهرون للناس كأنهم يتأملون ما يحدث في العالم.
          9 ـ إن أهل العالم هم تحت تأثير روح الشر الواحد، وهو يجعلهم يهتمون بالأمور الأرضية، أما المسيحيون فلهم هدف آخر، وفكر واهتمام آخر، فهم من عالم آخر ومدينة أخرى. إن روح الله له شركة مع نفوسهم، وهم يدوسون العدو تحت أقدامهم. فإنه مكتوب ” آخر عدو يبطل هو الموت” (1كو26:15). فالأتقياء هم سادة لكل الأشياء، أما أولئك المتراخون في الإيمان والخطاة فهم عبيد لكل الأشياء، والنار تحرقهم، والحجر والسيف يقتلانهم وأخيرًا تتسلط عليهم الشياطين.
قيامة الأجساد :
10 ـ سؤال: هل تقوم كل أعضاء (الجسم)، في القيامة؟
جواب: إن كل شيء سهل على الله، وهو قد وعد بالقيامة، رغم أن هذا يبدو مستحيلاً بالنسبة إلى الضعف البشرى والفكر البشرى، لأنه كما أن الله أخذ من التراب ومن الأرض وكوّن الجسد بطبيعة أخرى مختلفة وغير مشابهة بالمرة للأرض، وجعل فيه أنواع أعضاء وعناصر كثيرة، مثل الشعر، والجلد، والعظام، والأوتار، أو كما أن الإبرة إذا طرحت في النار، يتغير لونها وتصير نارًا، رغم أن طبيعة الحديد (المصنوعة منه الإبرة) لا تنتزع بل تظل قائمة، كذلك أيضا في القيامة، فإن جميع الأعضاء تقوم، وحتى شعرة واحدة لا تهلك، كما هو مكتوب (لو18:21) وكل الأعضاء تصير مثل النور، وكلها تكون مغمورة في النور والنار، وتتغير تغييرًا حقيقيًا، ولكنها لا تتحلل وتصير نارًا خالصة كما يقول البعض، فلا يتبقى من قوامها الطبيعي شيء بالمرة على حسب ذلك الرأي، لا بل إن بطرس يظل هو بطرس، وبولس يظل هو بولس، وفيلبس هو فيلبس. وكل واحد يظل في طبيعته الخاصة وشخصيته ولكنه يكون مملوءً بالروح.
وأما إن قلت إن الطبيعة تتحلل وتفنى، فعندئذ لا يكون هناك وجود لبطرس أو بولس، أو أى شخص، ولا الذين ذهبوا إلى جهنم يحسون بعذابهم، ولا الذين دخلوا إلى الملكوت يشعرون بالغبطة والسعادة.
          11ـ فإن قلنا إن هناك بستان زُرع فيه كل أنوع أشجار الفواكه، وكان فيه الكمثرى والتفاح والعنب، أشجارًا بثمارها وأوراقها، وهذا البستان تغيّر وكل الأشجار وأوراقها تحولت إلى طبيعة أخرى وصارت مثل النور، هكذا أيضًا فإن البشر يتغيرون في القيامة، وتتقدس أعضاؤهم وتصير مثل النور (نورانية).
الصبر واحتمال الاضطهاد :
          12ـ فيجب إذن على رجال الله أن يَعدّوا أنفسهم للحرب والقتال فكما أن الشاب الشجاع يحتمل الضربات التي تأتى عليه في مباراة المصارعة ويردها ثانية، كذلك يجب على المسيحيين أن يتحملوا الشدائد التي من الخارج، والحروب التي من الداخل، لكيما ينتصروا بواسطة الصبر رغم أنهم يُضربون، فهذا هو المسيحي. لأنه حيثما يكون الروح القدس، فهناك يتبعه الاضطهاد والحرب كظل له.
فأنت ترى الأنبياء، كيف اضطهدهم أقرباؤهم من الأول إلى الآخر، بينما كان الروح القدس يعمل فيهم. وانظر كيف أن الرب، الذي هو الطريق والحق، كان مُضطهدًا ليس من أمة أخرى، بل من خاصته. وخاصته ـ أى شعب إسرائيل ـ هم الذين اضطهدوه وصلبوه. كذلك كان الأمر مع الرسل. ومنذ أن جاء الصليب نُزع الروح المعزى من محلة إسرائيل، وانتقل إلى المسيحيين وحلّ عليهم. ولم يُضطهد اليهود بعد ذلك، وصار المسيحيون وحدهم هم الشهداء.
لهذا السبب فلا ينبغي أن يستغرب المسيحيون ذلك. فلابد للحق أن يُضطَهد.
الخطية وقلب الإنسان :
          13 ـ سؤال: يقول البعض إن الشر يدخل من الخارج وإن الإنسان يستطيع أن يمنعه من الدخول إذا أراد ويطرده عنه.
جواب: كما أن الحية تحدثت إلى حواء وبسبب إذعانها دخلت إلى داخلها، هكذا أيضًا إلى هذا اليوم فإن الخطية التي هي خارج الإنسان تدخل إلى داخله برضى وإذعان منه. فالخطية لها السلطان والحرية أن تدخل إلى القلب. لأن أفكارنا ليست خارجية بالنسبة لنا بل هي تأتى وتنبع من القلب في الداخل. فالرسول يقول: ” فأريد أن يصلى الرجال في كل مكان رافعين أيادى طاهرة بدون غضب ولا مجادلات[2] رديئة”. لأن هناك ” أفكار تخرج من القلب” كما يقول الإنجيل (مت19:15).
فأدخل للصلاة وافحص قلبك وعقلك، وقرر في نفسك أن ترفع صلاتك نقيّة لله، وانظر جيدا ألاّ يكون هناك شيء يعوق صلاتك، وأن تكون صلاتك طاهرة، وانظر هل عقلك منشغل تمامًا بالرب، كما ينشغل الزارع بزراعته، والعريس بعروسه، والتاجر بتجارته، أم أنك بينما تحنى ركبتيك للصلاة يقوم آخرون بتشتيت أفكارك وسحبها بعيدًا.
إمكانية الخطية بعد المعمودية :
          14ـ ولكنك قد تقول أن الرب قد جاء ودان الخطية بالصليب (رو 3:8) وأن الخطية لم تعد بعد ذلك موجودة في الداخل. ولكن إذا فرضنا أن أحد الجنود وضع عربته في داخل بيت أحد الناس، أفلا يكون له الحرية أن يدخل ذلك البيت ويخرج منه كما يريد. هكذا فإن الخطية لها حرية أن تجادل في داخل القلب. إنه مكتوب أن الشيطان ” دخل إلى قلب يهوذا” (يو27:13) وأما إذا قلت أن الخطية قد أدينت بمجئ المسيح، وأن الشر ليس له الحرية ـ بعد المعمودية ـ أن ينازع في داخل القلب، أفلا تعرف أنه منذ مجىء الرب إلى هذا اليوم، وكل الذين قد اعتمدوا، تحاربهم أفكار شريرة في بعض الأوقات؟. وألم يتحول البعض منهم إلى المجد الباطل، وإلى الزنى، أو إلى الشراهة؟. وهل كل الناس الذين هم في داخل حدود الكنيسة، لهم قلوب نقية وبلا عيب. وألا نجد أن هناك خطايا كثيرة ترتكب بعد المعمودية، وأن كثيرين يعيشون في الخطية، إذن فحتى بعد المعمودية، فإن السارق “الشيطان” له حرية أن يدخل ويفعل ما يشاء.
محبة الله من كل القلب :
          15ـ أنه مكتوب ” تحب الرب إلهك من كل قلبك” (تث5:16) وأنت تقول “إنى أحب الله، وعندى الروح القدس فهل عندك تذّكر مستمر للرب، ومحبة مشتعلة، وشوق حار إلى الرب؟. وهل أنت ملتصق ومرتبط بالرب بهذه الطريقة نهارًا وليلاً؟. فإن كان عندك محبة مثل هذه، فإنك تكون نقيًا، ولكن إن لم تكن لك، فحينئذ ينبغي أن تفحص باستمرار: إذا أتت في طريقك الأشغال الأرضية أو الأفكار الدنيئة الشريرة، هل يكون لديك ميل إليها، وهل تنجذب نفسك إلى المحبة والاشتياق لله باستمرار. إن أفكار العالم تُحدر العقل إلى الأمور الأرضية الفاسدة ولا تدعه يحب الله أو يتذكر الرب. وقد يحدث من الناحية الأخرى أن إنسانا أميًّا يذهب إلى الصلاة، ويحنى ركبتيه ويدخل عقله إلى الراحة وعلى قدر ما يحفر ويتعمق، فإن سور الخطية ينهدم أمامه ويدخل إلى الرؤيا والاستعلان والحكمة، حيث لا يقدر العظماء والحكماء والفصحاء أن يدخلوا إلى هناك ليفهموا ويعرفوا حالة عقله السامية، إذ أنه يكون مستغرقًا ومشغولاً بالأسرار الإلهية، والذي ليس له خبرة في تمييز القلوب لا يعرف كيف يقيّمها ويقدّرها، بسبب نقص الخبرة. والمسيحيون ينفرون من الأمجاد الأرضية ويحسبونها نفاية (في 8:3) بالمقارنة بعظمة وسمو تلك الأشياء، تلك العظمة التي تعمل بتأثيرها وفاعليتها فيهم.
النعمة والسقوط :
16 ـ سؤال: هل من الممكن أن يسقط الإنسان الذي له موهبة النعمة؟.
جواب: إن أهمل، فإنه يسقط، فالأعداء لا يتراخون أبدًا ولا يتوقفون عن الحرب، فكم بالأكثر جدًا ينبغي عليك أنت ألاّ تكف عن طلب الله. لأن الخسارة التي تحصل لك نتيجة الإهمال هي خسارة عظيمة جدًا، حتى لو ظننت في نفسك، أنك متدرب ولك خبرة في سر النعمة ذاته.
17 ـ سؤال : هل تبقى النعمة في الإنسان بعد سقوطه ؟ .
جواب: إن مشيئة الله هي أن يرد الإنسان ثانية إلى الحياة ويحركه ليعود إلى البكاء والتوبة. فإن كانت النعمة تظل باقية، فإنما غرضها من ذلك أن تجعلك عاملاً جادًا بعزم شديد في توبتك عن تلك الأشياء التي سبق أن أخطأت فيها.
الكاملون ومحاربات الشيطان :
          18ـ سؤال: هل الكاملون معرّضون لأن تحل بهم صعوبات أو حروب، أم أنهم أحرار تماما من كل هم وقلق؟.
جواب: إن العدو لا يكف أبدا عن المحاربة. إن الشيطان عديم الرحمة في كراهيته للبشر، لذلك فهو لا يتوقف أبدا عن المحاربة ضد كل إنسان.. ولكن الظاهر أنه لا يهاجم الجميع بنفس الدرجة، فإن حكام الولايات والنبلاء في البلاط الملكي يدفعون الجزية للإمبراطور، والإنسان الذي في هذا المركز له ثقة في ثروته من الذهب والفضة، حتى أنه يدفع الضريبة من فائض دخله، ولا يشعر بأي خسارة. والإنسان الذي يعطى صدقة لا يشعر بأنه يخسر. وكذلك فإن الشيطان يعتبر هذا الأمر (أى عدم مهاجمته للبعض) أنه فضلّة وزيادة وأنه ليس بالأمر الخطير[3].
ولكن قد يكون هناك إنسان فقير، معدم حتى من القوت اليومي. وهو يُضرب ويُعذب لأنه لا يستطيع أن يدفع الضريبة، وقد يصرف وقته في احتمال الجلدات والانتهاكات المتكررة ويسوقونه أمامهم بالقوة، ولكنه لا يموت، بينما هناك إنسان آخر يصدر الأمر بقطع رأسه ويهلك في لحظة واحدة ـ وهكذا الأمر بين المسيحيين فالبعض منهم يحاربون بشدة ويُضيّق عليهم بالخطية، ومع ذلك يصيرون أكثر ثباتا وحكمة وتمرنا على الحروب. ويحتقرون قوة العدو، ولا يكونون في خطر من هذه الناحية، لأنهم يكونون محفوظين من السقوط ومتيقنين من خلاصهم، لأنهم قد تمرنوا كثيرا في الحرب ضد الخطية والشر واكتسبوا خبرة عظيمة، ولأنهم حاصلون على حضور الله معهم، فإنه يقودهم ويكونون في راحة.
19ـ إلاّ أن البعض الآخر، الذين لم يتمرنوا بعد، فهؤلاء إن سقطوا في شدة واحدة وثارت عليهم الحرب، فإنهم يقعون في الخراب والهلاك.
انشغال القلب بالمسيح وحده :
ومثل المسافرون الذين يدخلون إلى مدينة ما، قاصدين أن يروا أحباءهم ومعارفهم، فحينما يقابلون أناسًا كثيرين في أسواق المدينة فإنهم لا يتوقفون بسببهم، وذلك لأن غايتهم هي أن يجدوا أصدقاءهم. وحينما يقرعون على باب أحبائهم من الخارج وينادون عليهم فإن أصدقاءهم الأعزاء يفتحون لهم بفرح، ولكنهم إن تلكأوا في الأسواق، وانخدعوا أو تعوّقوا بسبب أولئك الذين يقابلونهم فإن الباب يغلق ولا يفتح لهم أحد، وهكذا أولئك الذين يسعوّن إلى الأمام ليصلوا إلى ربنا المسيح المحبوب الحقيقي، فينبغي أن يغضوا النظر عن كل من هم سواه ولا ينشغلوا بهم. فإن النبلاء والحكام، الذين يدخلون القصر إلى الملك، يكونون في خوف شديد من جهة ما يجاوبون به وكيف يتكلمون لئلا بسبب خطأ في إجابتهم عن أنفسهم ينتهي الأمر بهم إلى محاكمتهم وعقابهم، وأما عامة الشعب البسطاء، الذين لم تقع عيونهم قط على أمير، فإنهم يصرفون أيامهم بلا قلق أو همّ. وهذا هو الحال مع هذا العالم الأرضي الذي تحت السماء ـ من الملك إلى أفقر الناس ـ فإذ لا يعرفون شيئا عن مجد المسيح ـ فهم يهتمون فقط بأمور هذه الحياة الأرضية ولا يوجد بينهم حتى ولا واحد يتفكر في يوم الدينونة. أما أولئك الذين يأتون بأفكارهم أمام كرسي دينونة المسيح، حيث يكون عرشه، ويصرفون حياتهم في حضرته فإنهم يكونون في خوف ورعدة باستمرار، لكى لا يصنعوا أى خطأ من جهة وصاياه المقدسة.
تملّك النعمة على القلب :
          20ـ وكما أن أغنياء الأرض حينما يحضرون ثمارًا كثيرة إلى مخازنهم، فإنهم يعملون أكثر فأكثر كل يوم ليحضروا ثمارًا أكثر، ليكون عندهم وفرة عظيمة، ولا يكون عندهم تناقص.
فلو أنهم اعتمدوا على الغنى المخزون في المخازن ولم يهتموا أن يضيفوا إليه وبدأوا يستعملون ما سبق أن خزنوا، فإنهم بعد فترة يقعون في الفقر والحاجة ولذلك فإنه يلزمهم أن يسعوا وأن يعملوا ويزيدوا دخلهم كثيرًا، لكى لا يتخلفوا. وهكذا الأمر في المسيحية، حينما نتذوق نعمة الله كما يقول ” ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب” (مز8:34). فهذا التذوق هو قوة فعّالة من الروح في ملء الثقة، بحسب خدمة الروح في داخل القلب. لأن كل الذين هم أبناء النور، ومن خدمة العهد الجديد في الروح القدس فهؤلاء لا يتعلمون شيئا من الناس، بل هم يتعلمون من الله (يو45:6، 1تس9:4) فالنعمة نفسها تكتب على قلوبهم قوانين الروح.
لذلك فلا ينبغي أن يتكلموا فقط على الكتب المكتوبة بالحبر، فإن نعمة الله تكتب قوانين الروح وأسرار السماء على “ألواح القلب” أيضًا (2كو3:3). لأن القلب يحكم ويملك على كل حركات الجسد، وحينما تملك النعمة على مراعى القلب، فإنها بذلك تملك على كل الأعضاء والأفكار لأنه هناك ـ أى في القلب ـ يوجد العقل، وكل ملكات النفس وكل آمالها، لذلك فإن النعمة تنفذ أيضا إلى كل أعضاء الجسد (عن طريق القلب).
تملّك الخطية على القلب :
          21 ـ ومن الجهة الأخرى، فإن كل أبناء الظلمة، تملك الخطية على قلوبهم، وتنفذ إلى كل أعضائهم ” لأن من القلب تخرج الأفكار الشريرة” (مت19:15) وهكذا إذ تنتشر الأفكار الشريرة تجعل الإنسان في ظلمة. وأولئك الذين يقولون أن الشر لا يتولد في الإنسان وينمو في داخله، ربما لا يهتمون من جهة الغد، وقد لا تحاربهم شهوة، لأن الشر يكف فترة من الوقت عن إزعاجهم بتحريك نوع من الشهوة في داخلهم، حتى أن الإنسان يتجاسر على أن يقسم “إن هذه الشهوة لم تعد تهاجمني”. ولكن بعد فترة وجيزة يشتعل بالشهوة، حتى أنه يوجد حانثًا في القسم الذي أقسمه. وكما أن الماء يجرى في الأنابيب، هكذا تسرى الخطية في القلب والأفكار، وكل الذين ينكرون هذا فإن الخطية نفسها تدحضهم وتهزأ بهم، حتى ولو كانت الخطية لا تفكر في الانتصار عليهم، لأن الشر يحاول أن يكون مستترًا ومتخفيا في داخل عقل الإنسان.
المحبة لله وكرامة الإنسان :
          22 ـ إن كان أحد يحب الله، فإن الله أيضا يخلط محبته بهذا الإنسان وإذا أؤتمن الإنسان مرة على محبة الله، فإن الله يزيد عليه من الإيمان السماوي ويصير الإنسان كائنا متكاملاً. فكل جزء من نفسك تقدمه لله، فإنه يخلط بنفسك شئ مثله من نفسه، حتى أن كل ما تفعله يُعمل بنقاوة، ويصير حبك نقيا وصلاتك نقية.
عظيمة هي كرامة الإنسان، فانظر عظمة السموات والأرض، والشمس والقمر، ولكن الرب لم يسر أن يستريح في هذه المخلوقات بل في الإنسان فقط. لذلك فالإنسان له قيمة أعظم من كل المخلوقات ولعلى أتجاسر وأقول ليس فقط المخلوقات المنظورة بل وأيضا أعظم من المخلوقات غير المنظورة، وأعظم حتى من ” الأرواح الخادمة” (عب 4:1). فلم يقل الكتاب عن ميخائيل وجبرائيل رؤساء الملائكة ” لنخلقهم على صورتنا كشبهنا” (تك26:1) بل قال هذا على الجوهر الروحي للإنسان، وأنا أعنى نفسه غير المائتة. لأنه مكتوب “إن ملائكة الرب تعسكر حول خائفيه” (مز6:34).
الاختلاف بين الإنسان والمخلوقات المادية
23 ـ إن المخلوقات المادية مرتبطة بطبيعتها التي خُلقت عليها.
          فالسماء خُلقت لأجل الخير وكذلك الشمس والقمر والأرض ـ ولم تكن مسرة الرب فيها، رغم أنها لا تستطيع أن تتغير عن ما خُلقت عليه، كما أنها ليست لها أى إرادة. وأما أنت أيها الإنسان، أنت مخلوق على صورة الله ومثاله، لأنه كما أن الله له السيادة في نفسه ويفعل ما يشاء ـ فإذا أراد فله السلطان أن يرسل الأبرار إلى جهنم والأشرار إلى الملكوت ولكنه لا يُسرّ بأن يفعل هذا، ولا يقبل مجرد هذا الفكر، لأن الرب عادل وبار ـ وهكذا أنت أيضا فإنك سيد نفسك، فإذا اردت أن تهلك فيمكنك أن تفعل ذلك. وإذا اخترت أن تجدف أو أن تخلط سموما لكى تقتل إنسانا ما فلن يمنعك أو يعوقك أحد. فإذا أراد الإنسان يمكنه أن يخضع لله ويسير في طريق البر ويضبط شهواته. فإن عقلنا هذا هو قوة متوازنة وقد أُعطِيت له القدرة أن يُخضع حركات وشهوات الخطية المخجلة.
ينبغي محاربة الشر الساكن فينا :
          24ـ وكما أنه في بيت عظيم، حيث توجد أوان من الذهب والفضة وأنواع ملابس مختلفة وأموال كثيرة، فإن الشبان والشابات الذين يعملون هناك يقمعون عقولهم رغم أن طبيعتهم ـ بسبب الخطية الساكنة فيهم ـ تشتهي كل هذه الأشياء. ولكن بسبب الخوف البشرى من سادتهم فإنهم يلجمون رغباتهم، فكم بالحرى جدًا حيث يوجد خوف الله ، فينبغي على الإنسان أن يحارب ويقاوم الشر الساكن فيه. فإن الله وضع عليك كل ما يمكن أن تفعله. أن طبيعة الحيوانات غير العاقلة هي طبيعة مقيدة. فطبيعة الحية طبيعة مرة وسامة وهكذا تكون كل الحيات. والذئب طبيعته مفترسة، وكل الذئاب لها نفس الطبيعة. ووداعة الحمل تجعل منه فريسة وكل الحملان لها نفس الطبيعة، والحمامة ليس فيها غدر وإيذاء، وهكذا طبيعة كل الحمام. وأما الإنسان فليس مثل هذا. فهناك إنسان ما مثل ذئب مفترس، وآخر مثل حمل، ولذلك يكون فريسة، وكلاهما يصدران من أصل الطبيعة البشرية.
الطبيعة الإنسانية المتغيرة :
25 ـ فهناك إنسان لا يكتفي بزوجته ويسلك في الزنا بينما هناك إنسان آخر لا يحتمل حتى مجرد تحرّك الشهوة في قلبه. هناك إنسان ينهب ما لقريبه، وإنسان آخر يعطى كل ما عنده حبا لله. فها أنت ترى كم أن الطبيعة الإنسانية متغيرة. فإنك تجدها تميل إلى الشر، وتجدها تميل أيضا إلى الخير. وفي الحالتين تكون في وضع بحيث توافق وترضى بهذا العمل أو ذاك حسبما تشاء. فالطبيعة الإنسانية إذن قابلة للخير والشر، قابلة إما للنعمة الإلهية أو للقوة المعادية، ولكنها ليست تحت اضطرار أن تقبل هذه أو تلك. إن آدم نفسه لما كان في حالة النقاوة كانت له السيادة على عقله، وجابه جبالاً من المصاعب لا يمكن احتمالها، ولكن منذ أن تعدى وصية الله اختلطت أفكار الشر بعقله فصارت كأنها أفكاره، مع أنه ولا واحدة من هذه الأفكار هي أفكاره أصلاً، لأن هذه الأفكار هي تحت سيادة الشرير.
الأفكار النقيّة هي الأفكار الطبيعية :
26ـ فينبغي إذن أن تطلب وتسعى للحصول على مصباح منير لكي تستطيع أن تجد الأفكار النقيّة. فتلك الأفكار هي الأفكار الطبيعية التي صنعها الله. فالناس الذين ينشأون على شاطئ البحر يتعلمون السباحة، وحينما تثور العواصف وتتلاطم الأمواج، فإنهم لا يندهشون منها، وأما أولئك الذين لم يعتادوا هذه الأشياء، فإن أتت عليهم زوبعة ولو ضئيلة فإنهم يرتعبون ويغرقون في البحر. وهكذا الأمر أيضا مع المسيحيين. فكما أن عقل الطفل في سن الثالثة لا يستطيع أن يتابع أو يفهم عقل الرجل البالغ المفكر، بسبب وجود فرق كبير في السن بينهما، هكذا المسيحيون فإنهم ينظرون إلى العالم مثل الأطفال، وعيونهم مرفوعة ومثبتة على قوة النعمة المعطاة لهم. إنهم غرباء بالنسبة لهذا العالم، ومدينتهم ومكان راحتهم ليست في هذا العالم، فالمسيحيون لهم عزاء وروح ودموع وحزن وتنهد، وحتى الدموع هي راحة وتمتع لنفوسهم. ويوجد عندهم خوف أيضا، في وسط الفرح والتهليل، ولذلك فهم مثل أناس يحملون دمهم في أيديهم، ولا يضعون ثقتهم في أنفسهم ولا يعتبرون أنفسهم أنهم شئ، بل هم محتقرون ومرذولون أكثر من كل الناس.
أي شيء لك لم تأخذه ؟
          27 ـ فإذا افترضنا أن ملكًا أودع كنزه عند إنسان فقير. فالإنسان الذي أخذ مسئولية حفظ الكنز لا يتمسك به كأنه ملكه بل يعترف دائما بفقره ولا يتجاسر أن يبذّر ويصرف من كنز غيره. ويضع دائما في عقله، ليس فقط أن الكنز ليس ملكه، بل أيضا “أن الذي أودع الكنز عندى هو ملك مقتدر قوى، وحينما يشاء فإنه يأخذه منى” كذلك ينبغي على أولئك الذين ينالون نعمة الله أن يعتبروا أنفسهم هكذا، وأن يكونوا ذوى عقل متضع، ويعترفوا بفقرهم. وكما أن الإنسان الفقير الذى، أودع الملك الكنز عنده، إذا اعتمد على الكنز الذي لغيره وتفاخر به كأنه كنزه وبدأ عقله يتشامخ، فإن الملك يأخذ منه الكنز، ويصير الإنسان الذي كان عنده الكنز فقيرًا كما كان سابقًا، هكذا الذين يحصلون على النعمة إذا استكبروا وانتفخوا، فإن الرب يأخذ نعمته منهم ، ويرجعون إلى ما كانوا عليه قبل نوال النعمة من الرب.
خداع الخطية وثمرة الجهاد ضدها :
          28 ـ وهناك كثيرون، بالرغم من أن النعمة حاضرة معهم، فإنهم ينخدعون بالخطية بدون أن يلاحظوا. فإذا افترضنا أنه كان في أحد البيوت فتاة عذراء، وكان هناك شاب أيضًا، فيحتال الشاب عليها ويتملقها حتى ترضى وتوافقه على شهواته، فتسقط وتفقد عفتها. كذلك الحيّة المرعبة، حيّة الخطية فهي تحضر دائما مع النفس، تداعبها وتغريها، فإذا وافقت النفس ورضيت، فإن النفس غير الجسدانية تدخل في ارتباط مع الشر غير الجسدانى الذي لذلك الروح (الشرير)، فالروح تدخل في ارتباط مع روح. والذي يرضى بإغواء الشرير، فإنه يزنى في قلبه، إذ يكون قد قَبِلَ ورضى بإيحاءات (الروح) الخبيث. فهذه هي إذن درجة جهادك، أن لا ترتكب هذه الخطية في أفكارك، بل تقاومها بعقلك، وتحارب وتجاهد في الداخل، ولا تذعن لفكر الشر، ولا تعطى مكانا في أفكارك للتلذذ بما هو خاطئ، فإذا وَجَدَ الرب فيك هذا الميل والاستعداد فهو بلا شك، يأخذك إليه في ملكوته في اليوم الأخير.
الرب يسمح بالتجارب لامتحان الإيمان :
          29ـ إن هناك أشياء يأمر بها الرب لكى لا يترك نفسه بلا شهادة من نعمته الإلهية ودعوته، وهناك أشياء أخرى يأذن بها الرب على سبيل السماح، لأجل امتحان الإنسان وتدريبه، لكى تظهر وتتضح حرية إرادته وتقريره وعزمه. فأولئك الذين هم في الشدائد والتجارب، إذا احتملوا وصبروا لا يسقطون من ملكوت السموات، لذلك فإن المسيحيين لا يقلقون ولا يكتئبون في ظروف الضيق. وإذا امتحنوا بالفقر أو الآلام، فلا ينبغي أن يستغربوا ذلك، بل بالحرى أن يفرحوا بالفقر ويحسبوه كالغنى، وبالصوم ويحسبوه كالوليمة، وبالهوان وعدم الشهرة ويحسبونه مجدًا. ومن الجهة الأخرى، إذا وقعوا في ظروف وأحوال مبهجة ومجيدة في هذه الحياة، قد تميل بهم إلى الراحة العالمية، أو الغنى أو المجد، أو الترف أو التنعم، فلا ينبغي أن يفرحوا بهذه الأشياء. بل أن يتجنبوها كما يتجنبون النار.
محبة الله ـ كرامة الإنسان ـ تدبير الخلاص :
          30ـ وفي العالم الذي حولنا، إذا أثارت أمة صغيرة الحرب ضد الإمبراطور، فهو لا يهتم أن يدخل المعركة بنفسه، ولكنه يرسل جنودًا مع ضباطهم وهم يقومون بالقتال. ولكن إن كانت الأمة التي تثير الحرب ضده هي أمة عظيمة جدًا، وقوية لدرجة أنها تستطيع أن تخرب مملكته فإن الإمبراطور يضطر أن يخوض المعركة بنفسه ومعه رؤساء قصره وأبطال جنوده محركًا إياهم بنفسه في المعركة. فانظر إذًا مقدار كرامتك (أيها الإنسان). فإن الله بنفسه قد تحرك بصحبة قواته ـ وإنما أعنى الملائكة والأرواح المقدسة ـ وجاء من أجلك بنفسه، ليحميك وينقذك من الموت. لذلك اهتم بنفسك جيدًا، وتأمل في نفسك ما أعظم التدبير الذي صنعه الرب لأجلك، ونستعمل توضيحا من هذه الحياة في العالم إذ أننا لا نزال نحيا في وسطها، فإذا افترضنا أن هناك ملكًا عظيمًا، يبحث ويفتش ليجد إنسانا في فقر ومعاناة، وهو لا يخجل منه، بل يعالج جروحه بأدوية شافية، ويحضره إلى قصره، ويلبسه الأرجوان والتاج الملكى ويجعله شريكا في مائدته الملكية، فهكذا أيضا المسيح الملك السمائي جاء إلى الإنسان المجروح وشفاه وجعله شريكا في المائدة الملوكية، وذلك بدون أن يغتصب إرادته، بل بواسطة الحث والإقناع يجعله في مثل هذه الكرامة العظيمة.
الرب أعد لنا الملكوت ويدعونا لنرثه :
          31 ـ إنه مكتوب في الإنجيل أن الرب أرسل عبيده، ليدعوا أولئك الذين يرغبون ويعلن لهم أن الغذاء قد أُعد، ولكن الذين دعوا بدأوا يستعفون فقال أحدهم ” قد اشتريت خمسة أزواج بقر” وقال آخر ” إنى تزوجت بامرأة” (لو16:14ـ20). فها أنت ترى أن الداعي كان مستعدًا، ولكن المدعوين رفضوا دعوته فهم وحدهم المسئولون عن رفض الدعوة.
إن كرامة المسيحيين هي عظيمة جدا فتأمل كيف أن الرب قد أعد لهم الملكوت، ودعاهم ليدخلوا فيه، وهم لا يريدون. ومن جهة الهبة التي سيرثونها، فيمكننا أن نقول إنه لو جاهد كل واحد من الناس منذ خليقة آدم إلى نهاية العالم، لو جاهد الجميع ضد الشيطان واحتملوا الشدائد فإنهم لا يفعلون شيئا بالمقارنة بالمجد الذي سيرثه كل واحد منهم، لأنه سيملك مع المسيح إلى دهور لا نهاية لها، فالمجد لذلك الذي أحب النفس هكذا. المجد له لأنه أعطى نفسه وأعطى نعمته لها واستودعهما لهذا الشخص!.. فالمجد لعظمته!.
الاختلاف بين الإنسان الباطن والظاهر :
          32 ـ بحسب كل المظاهر الخارجية، فنحن الأخوة جميعا الذين نجلس هنا الآن لنا صورة واحدة ووجه واحد وهي التي لآدم. حسنا، ولكن هل لنا في الخفاء أيضًا، في الأمور الداخلية، قصد واحد بيننا جميعًا، وقلب واحد؟ هل نحن جميعا واحد، في الصلاح والتقوى؟ أم أن البعض منا لهم شركة مع المسيح وملائكته والبعض الآخر لهم شركة مع الشيطان والأرواح الشريرة؟ ومع ذلك نحن جميعا ونحن نجلس معًا ظاهرين مثل إنسان واحد، وكل واحد منا يحمل نفس وجه آدم. فها أنت ترى الفرق الكبير بين الجوهر غير المنظور، أى الإنسان الباطن وبين الإنسان الخارجي لأننا جميعا نشبه إنسانًا واحدًا، ومع ذلك فالبعض هم مع المسيح ، وملائكته والبعض مع الشيطان والأرواح النجسة. فالقلب له عمق لا قرار له. ففيه توجد غرف استقبال، وغرف للنوم، وأبواب وأروقة ومكاتب كثيرة، وممرات، وفيه يوجد معمل البر، أو معمل الشر. فيه الموت، وفيه الحياة، فيه توجد التجارة الصالحة وما هو ضدها أيضًا.
المسيح يقيم ملكوته في القلب :
          33 ـ فإذا افترضنا أن هناك قصر عظيم جدًا، وهذا القصر أصبح مهجورًا، وامتلأ بكل رائحة رديئة وبجثث ميتة كثيرة. هكذا فإن القلب هو قصر المسيح، وهو مملوء بكل نجاسة وبجموع كثيرة من الأرواح الشريرة، فينبغي إذن إعادة تأسيسه وإعادة بنائه، وإعادة تنظيم مخازنه وغرف النوم التي فيه، لأن الملك نفسه أى المسيح يأتي إلى هناك هو والملائكة والأرواح المقدسة. ليستريح وليسكن وليتمشى هناك ويقيم فيه ملكوته. وأنى أخبرك أن القلب هو مثل سفينة مزودة بكمية وافرة من حبال الأشرعة والبكرات، وفيها قبطان يدبر الكل، ويحدّد لكل واحد مهمته، ويصلح خطأ البعض منهم، ويبين لغيرهم ما هو الطريق، فالقلب أيضا له قبطان في العقل، وهو الضمير الذي يقوم دائما بمحاكمتنا، ” والأفكار فيما بينها مشتكية أو محتجة” (رو15:2) .
الضمير وملكات القلب :
          34ـ فأنت ترى أن الضمير لن يهمل أو يترك الأفكار التي تستجيب للخطية ، بل يحكم عليها في الحال. وهو لا يكذب، بل يشهد بما ينبغي أن يقوله أمام الله في يوم الدينونة، كأنه يقوم بمحاكمتنا بصفة مستمرة. فإذا افترضنا أن هناك مركبة ولجم، فإذا الخيل وكل جهاز العربة إنما هي تحت سيطرة سائق واحد فحينما يشاء فإنه يجعل المركبة تحمله بسرعة عظيمة، ومتى شاء فإنه يستطيع أن يوقفها. وأي طريق يريد أن يميل إليها فإن المركبة تسير معه حسب ما يوجهها فالمركبة هي تحت سلطان السائق. وبنفس الطريقة فإن القلب له ملكات طبيعية كثيرة مرتبطة به، فالعقل والضمير هما الذان يوبخان القلب ويقودانه، ويوقظان الملكات الطبيعية التي تنبع في القلب. إن النفس لها أعضاء كثيرة، رغم أنها هي واحدة.
35ـ ومن الوقت الذي فيه تعدى آدم الوصية، دخلت الحية إلى الداخل وجعلت نفسها سيدة البيت وصارت كأنها نفس ثانية إلى جانب النفس. لأن الرب يقول ” من لا ينكر نفسه، ومن لا يبغض نفسه، فلا يكون لي تلميذًا” (لو26:14، 23:9) وأيضا “من يحب نفسه فسيهلكها” (مت39:10).
النقاوة والقداسة :
فالخطية لما دخلت إلى النفس صارت مثل عضو للنفس، واتحدت بالإنسان الجسدانى، ولذلك فإن أفكارًا نجسة كثيرة تنشأ في القلب. فذلك الذي يعمل رغبات نفسه، فإنه يعمل رغبات الشر لأن الشر مختلط وممتزج بالنفس. والذي يجذب نفسه إلى الخضوع والطاعة، ويغضب مع نفسه وضد الرغبات التي تتحرك فيه، فهو مثل الذي يخضع مدينة العدو ويحكمها. وهذا الإنسان يحسب أهلا للوصول إلى درجات الروح الصالحة ويكافأ بواسطة قوة الله بأن يصير إنسانًا نقيًا، ويجعله الله أعظم من نفسه (أعظم مما كان)، لأن مثل هذا الإنسان يؤله، ويصير ابنا لله، إذ يحصل على الختم السماوي على نفسه، لأن مختارى الله يمسحون بدهن القداسة ويصيرون أناسا ذوى مراتب بل وملوكًا.
36 ـ وهكذا هي طبيعة البشر. فمن عمق الخبث وعبودية الخطية قد يتحول الإنسان إلى الصلاح وقد يكون هناك إنسان مرتبط بالروح القدس وسكرانًا بالأمور السماوية ومع ذلك ففي استطاعته إذا أراد أن يتحول إلى الشر. ومثل امرأة تلبس الثياب الرثة، وتعانى الجوع وهي كلها قذرة، قد تصل بجهد كثير إلى المرتبة الملوكية، وتلبس الأرجوان والتاج، وتصير عروسا للملك. فهي تتذكر أحيانا حالتها السابقة القذرة وتخاف أن ترجع إلى حالتها القديمة، ولكنها لا تختار بإرادتها أن ترجع إلى عارها السابق، لأن ذلك يكون حماقة عظيمة، وهكذا أولئك الذين قد ذاقوا نعمة الله وصاروا شركاء الروح القدس إذا لم يحترسوا لأنفسهم (يأخذوا حذرهم) فإنهم ينطفئون ويصيرون أردأ مما كانوا عليه قبلاً حينما كانوا في العالم. وليس معنى هذا أن الله متغير أو غير قادر أن يحفظهم، أو أن الروح نفسه هو الذي “ينطفئ” (1تس19:5)، بل أن الأشخاص أنفسهم هم الذين لا يوافقون النعمة ولا يتجاوبون معها، ولهذا السبب فإنهم يخفقون ويسقطون في شرور كثيرة. لأن أولئك الذين قد ذاقوا تلك النعمة، يكون حاضرًا معهم كل من الفرح أو العزاء والخوف أو الرعدة، أى البهجة والحزن معًا. إنهم ينوحون لأجل نفوسهم ولأجل كل جنس آدم (إذ أن الجنس البشرى كله هو واحد) وأن دموع مثل هؤلاء الأشخاص هي خبزهم وبكاءهم وحزنهم هو حلاوة وإنعاش لهم.
خطورة الكبرياء الانتفاخ :
          37 ـ فإذا رأيت إنسانا متكبرا ومنتفخا بسبب ما ناله من نعمة فهذا الإنسان حتى لو صنع العجائب وأقام الموتى، ولكنه لم يعتبر نفسه أنه غير مستحق بل مزدرى، ويستمر مسكينًا بالروح ويبغض نفسه فإن الخطية تخدعه دون أن يدرى وحتى إن كان يصنع العجائب فلا يمكنك أن تصدقه، لأن علامة المسيحية هي هذه، أن يكون الشخص ممدوحًا من الله بينما هو يسعى باجتهاد لتجنب ملاحظة الناس له وحتى إذا كان عنده جميع كنوز الملك فإنه يخفيها، ويقول باستمرار “إن هذه الكنوز ليست ملكي بل إن شخصًا غيري قد وضعها بين يدي. وأما أنا فإنسان فقير، وحينما يشاء صاحبها فإنه يأخذها منى، فإذا قال أحد “أنا غنى وعندي الكثير وقد ربحت كثيرا ولا أحتاج إلى شيء أكثر” فهذا الإنسان ليس مسيحيًا، بل هو إناء للضلالة والشيطان. إن التمتع بالله إناء لا يشبع منه، فبقدر ما يذوق الإنسان منه ويأكل، فإنه يجوع أكثر. ومثل هؤلاء الأشخاص لهم حرارة ومحبة لله لا يمكن حصرها، وكلما سعوا للتقدم والنمو، كلما اعتبروا أنفسهم فقراء، كأولئك الذين هم في غاية الحاجة ولا يملكون شيئًا. وهذا ما يقولونه. “أنا لست أهلا لإشراق هذه الشمس على” وهذه هي علامة المسيحية ـ هذا التواضع ، وأما إن قال أحد “أنا قد شبعت وامتلأت” فهو خادع وكاذب.
التجلي وتمجيد الأجساد :
          38 ـ وكما أن جسد الرب كان قد تمجد حينما صعد إلى الجبل وتجلى بالمجد الإلهي وبالنور غير المحدود، فهكذا ستتمجد أجساد القديسين وتضيء مثل البرق. فالمجد الذي كان في داخل المسيح فاض على جسده وأضاء، وبنفس هذه الطريقة ما يحدث في القديسين، فإن قوة المسيح التي في داخلهم ستنسكب في ذلك اليوم على أجسادهم من الخارج. فإنهم منذ الآن يشتركون في جوهره وطبيعته في عقولهم، لأنه مكتوب ” الذي يقدس والذين يتقدسون جميعهم من واحد” (عب11:2). وأيضا ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني” (يو22:17).
وكما أن مصابيحًا كثيرة توقد من نار واحدة هكذا أجساد القديسين إذ هي أعضاء المسيح فإنها بالضرورة تصير مثل المسيح نفسه وليس شيئًا آخر.
الموت والحياة وحرية الاختيار :
          39 ـ سؤال: ما هي أفضلية المسيحيين على آدم الأول؟ فإنه كان غير مائت وغير فاسد في الجسد وفي النفس معا، بينما المسيحيون يموتون ويأتون إلى الفساد.
جواب: الموت الحقيقي هو في الداخل، في القلب، وهو مختفي، والإنسان الباطن هو الذي يهلك، ولذلك فإذا انتقل أحد ” من الموت إلى الحياة” (يو24:5) في ذلك المكان الخفي، فإنه يحيا حقيقة إلى الأبد ولا يموت أبدًا. ورغم أن أجساد مثل هؤلاء الناس تتحلل إلى فترة من الزمن، إلا أنهم يقومون ثانيةً في مجد، لأنهم مقدسون. لهذا السبب نحن نسمى موت المسيحيين رقادًا وراحةً. فلو أن الإنسان كان غير قابل للموت، وجسده محفوظ من التحلّل، فإن العالم كله حينئذ حينما يرون هذه الحقيقة الغريبة أن أجساد المسيحيين غير قابلة للفساد، فإنهم يأتون إلى فعل الخير بنوع من الإجبار وليس بحرية الاختيار.
          40ـ فلكي تظهر حرية الإرادة وتظل ثابتة، تلك الحرية التي منحها الله للإنسان منذ البدء، لهذا السبب فإن العناية نظمت هذه الأمور، وجعلت تحلل الأجساد (أى الفساد) أمرًا واقعًا حتى يكون الأمر متروكًا لاختيار الإنسان وتمييزه أن يتحول إلى الخير أو إلى الشر. لأنه حتى الإنسان المتأصل في الشر والمتعمق في الخطية، والذي يجعل نفسه أداة للشيطان ليتسلط عليه تمامًا، فحتى هذا الإنسان ليس مربوطًا بأي اضطرار، بل إن له الحرية أن يصير ” إناء مختار” (أع15:9)، إناء للحياة. وبنفس الطريقة، فمن الناحية الأخرى أولئك الذين يتشربون باللاهوت، ولو كانوا مملوئين بالروح القدس وهم تحت سيادته، فإنهم ليسوا مُقيدين بأي اضطرار، بل لهم حرية الاختيار أن يتحولوا ويفعلوا ما يشاءون في العالم الحاضر.
النمو في النعمة بالتدريج :
          41ـ سؤال:هل الشر يتناقص ويُستأصل بالتدريج، وهل يتقدم الإنسان في النعمة بالتدريج، أم أن الشر يُستأصل مرة واحدة حينما ينال الإنسان افتقادًا من النعمة؟.
جواب: كما أن الجنين في رحم أمه لا يتشكل إلى إنسان كامل مرة واحدة، بل تتكون فيه الصورة بالتدريج إلى أن يولد وحتى عند ولادته لا يكون رجلاً كامل النمو، بل يحتاج إلى سنوات لينمو، ويصير رجلاً، وأيضًا كما أن حبوب القمح أو الشعير لا تتأصل في الأرض بمجرد أن تلقى البذار فيها، بل تعبر عليها العواصف والرياح، وبعد ذلك تنبت السنابل في أوانها، والإنسان الذي يزرع شجرة كمثرى لا يأخذ من ثمارها في الحال، هكذا أيضا في الأمور الروحانية فإن فيها حكمة ودقة عظيمة، والإنسان ينمو رويدًا رويدًا إلى أن يصل ” إلى إنسان كامل، إلى القامة التامة” (اف13:4) وليس كما يقول البعض، يخلعون معطفًا ويلبسون آخر بدله.
42 ـ والذي يريد أن يصير إنسانًا متعلمًا فإنه يبدأ أولاً بتعلم الحروف وحينما يتقنها فإنه يلتحق بالمدرسة الابتدائية في أول صفوفها وحينما يصل إلى آخر صف فيها، فإنه ينتقل إلى المدرسة المتقدمة كمبتدئ فيها وبعد ذلك حينما يصير “طالبًا باحثًا” فإنه يصير مبتدئًا بين المترافعين أمام القضاء وآخر واحد فيهم، وبعد ذلك حينما يرتفع إلى القمة بينهم فإنه يصير حاكمًا أو قاضيًا، وحينما يصل إلى درجة رئيس قضاة فيحق له أن يتخذ معاونا يساعده. فإذا كان في عالم الفكر توجد مثل هذه الدرجات من الارتقاء، فكم بالأولى يكون للأسرار السماوية درجاتها وارتقاءاتها، ويزداد عدد الدرجات، ثم بعد التمرن الكثير والامتحان فإن الإنسان الذي يجوز التجارب ويحتملها يصل إلى الكمال. فالمسيحيون الذين ذاقوا النعمة حقا، وحملوا علامة الصليب في عقلهم وقلبهم. فهؤلاء ـ من الملك حتى الشحاذ ـ يعتبرون كل الأشياء التي في هذا العالم كنفاية ورائحة كريهة. وهؤلاء يستطيعون أن يعرفوا أن العالم الأرضى كله، وكنوز الملك، وكل غناه ومجده، وكل علوم الحكمة ليست إلا مظهرًا باطلاً، ليس له أساس ثابت، بل هو يعبر سريعًا، ويزدرون بسهولة بكل ما هو تحت السماء فإنهم يزدرون به بسهولة.
كرامة الإنسان العظيمة :
          43ـ والسبب في ذلك هو أن الأشياء التي فوق السموات هي غريبة جدًا وعجيبة ولا يوجد منها في كنوز الملوك، ولا في حكمة الكلام، ولا في المجد العالمي والكرامات والغنى ـ إنما الغنى الحقيقي يملكه هؤلاء الذين يمتلكون الرب خالق كل الأشياء في عمق إنسانهم الباطن، وهو النصيب الذي لا يضمحل أو ينزع أو يعبر، بل يثبت ويبقى إلى الأبد. إن المسيحيين يعرفون جيدا أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صنع على صورة الله ومثاله. انظر إلى السماء، ما أوسعها وانظر إلى الأرض وما فيها من مخلوقات ثمينة وأجسادها العظيمة، إلا أن الإنسان هو أعظم قدرًا من كل هذه الأجساد فهو وحده الذي سُرّ به الرب، حتى وإن كانت حيتان البحر، والجبال، والوحوش أعظم من الإنسان في مظهرها الخارجي (إلا أن الإنسان أعظم من جميع المخلوقات) فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصيًا إلى الأرض.
44ـ إن الله وملائكته قد جاءوا[4] لأجل خلاصك. فالملك، ابن الملك تشاور مع أبيه، ولهذا أرسل الكلمة، ولبس لباس الجسد وحجب لاهوته الخاص لكى يخلّص المثيل بالمثيل (أى يخلص الإنسان بالإنسان) وبذل حياته على الصليب. فما أعظم محبة الله للإنسان. فإن غير المائت اختار أن يصلب لأجلك فانظر إذن إلى أى درجة ” أحب الله العالم”، لأنه ” بذل ابنه الوحيد لأجلهم” (يو16:3) ” فكيف لا يهبنا معه كل شئ” (رو32:8) وفي موضع آخر يقول ” الحق أقول لكم، إنه يقيمه على جميع أمواله” (مت47:24) وفي مكان آخر يبين بوضوح أن الملائكة هم خدام للقديسين، فحينما كان إليشع في الجبل وأتى عليه الغرباء، قال له خادمه أن كثيرين قد أتوا علينا ونحن وحدنا ـ حينئذ أجابه إليشع ألا تبصر المعسكرات وجماهير الملائكة التي تحيط بنا وتحمينا (انظر 2مل15:6ـ18) وهكذا فإن الرب نفسه مع جموع الملائكة يحضرون مع عبيده، فما أعظم النفس، وما أكرمها عند الله، لأن الله نفسه وملائكته يطلبونها لأجل الشركة معهم ولأجل الملكوت!. وأما الشيطان وقواته فإنهم يسعون وراءها لكى يجذبونها إلى ناحيتهم.
45ـ وكما أنه في العالم الطبيعي لا يقوم بخدمة الملوك أشخاص غير مهذبين أجلاف إنما يقوم بخدمتهم أناس حسنو المنظر مهذبون، هكذا في القصر السماوي فإن الذين يخدمون الملك السماوي هم أولئك الذين بلا عيب، وبلا لوم والأنقياء القلب. وكما أنه بالقصر الأرضي يقوم بخدمة الملوك عذارى جميلات، ليس فيهن عيب بل هن أكثر النساء وسامة، هكذا أيضا في الأمور الروحانية فالنفوس التي تتزين بكل سيرة صالحة وقداسة هي التي تكون في صحبة الملك السمائي. وفي العالم المنظور حينما يذهب ملك ليقيم في مكان ما، فإذا حدث أن ذلك المكان كان فيه شيء غير نظيف، فإنه حالاً يُنظف ويُنظم بنظافة ونظام كامل وتسكب فيه الروائح العطرة الكثيرة، فكم بالأكثر جدًا يحتاج بيت النفس، الذي يستريح فيه الرب إلى تطهير وتنقية، ليستطيع الرب أن يدخل فيه ويستريح هناك فإنه هو بلا عيب ولا دنس. وفي مثل هذا القلب المُطَهر يستريح الله وكل الكنيسة السماوية.
الله يعطينا أمجاده الخاصة :
          46 ـ وفي عالم البشر، إن كان أب له أملاك كثيرة وعنده تيجان وأحجار كريمة فإنه يخفيها في مخازن البيت محتفظًا بها لابنه الحبيب، ولهذا الابن يعطى كل كنوزه. هكذا فإن الله قد ائتمن النفس على ما عنده، وعلى كل أمجاده الخاصة الثمينة. وفي العالم، إذا ثارت حرب، وجاء الملك بجيشه للقتال ووجد أنه أضعف في العدد أو في القوة من الجانب الآخر، فإنه يرسل في الحال رسولاً ليطلب شروط الصلح (لو32:14).
وأما إذا قامت أمة عظيمة جدا في الحرب مقابل أمة عظيمة معادلة لها وملك عظيم في مقابل ملك مثله ـ مثل ملك الفرس مثلاً ضد ملك الرومان ـ فحينئذ يضطر الملكان أن يتحركا بكل قواتهما في هذه الحرب . فانظر إذن عظمة كرامتك أن الله قد تحرك مع كل قواته أى الملائكة والأرواح ـ لمحاربة العدو لكى ما يخلصك من الموت. فالله إذن إنما جاء من أجلك.
ما فعله الله لأجل خلاصنا :
          47ـ وإذا افترضنا أن ملكًا وجد إنسانًا فقيرًا مملوءًا بالبرص في كل جسده، ولم يخجل منه بل وضع أدوية على جروحه وشفي قروحه، ثم أخذه إلى المائدة الملوكية وألبسه الأرجوان وجعله ملكًا، فهذا هو ما فعله الله مع جنس البشر. إنه غسل جروحهم وشفاهم، وأتى بهم إلى حجاله السماوية. فما أعظم كرامة المسيحيين حتى أنها لا يمكن مقارنتها بشيء آخر. ولكن إذا تكبّر المسيحي وسمح للخطية أن تسرقه فإنه يكون مثل مدينة لا سور لها فيدخل  اللصوص إليها من أى ناحية يريدون، دون أن يعوقهم شئ، فيخربونها ويحرقونها. لذلك، إذا كنت تأخذ الأمور باستهانة ولا تحترس لنفسك فإن أرواح الشر تأتى عليك وتظلم عقلك وتخرّبه وتشتت أفكارك في أمور هذا العالم الحاضر.
48ـ إن كثير من الناس هم مثقفون جدا من جهة الأشياء الخارجية ولهم معرفة وعلم ويعتنون بنظام معيشتهم وآداب الحياة، ويعتبرون أن ذلك هو الكمال، دون أن ينظروا نظرة عميقة في داخل قلوبهم، ودون أن يروا الشرور التي تحبس النفس . وبحسب المعنى الداخلي للشر فهو جذر مختفي في داخل القلب وفي الأعضاء. والسارق موجود في داخل البيت وأعنى به القوة المعادية وهي قوة متحدية غير منظورة، فإذا لم يضع الإنسان في نفسه أن يحارب الخطية، فإن الشر المختفي في الداخل ينتشر تدريجيًا، ويزداد ويتكاثر حتى يجعل الإنسان يرتكب الخطايا ظاهرًا وعلانية. إن عنصر الشر يفور إلى أعلى مثل عين الينبوع. فاهتم إذن أن توقف مجارى الخطية، وإلا فإنك ستسقط في آلاف من الأشياء الخاطئة وتصير مثل إنسان في حالة غيبوبة. فإذا افترضنا أن هناك أحد النبلاء يعيش في رخاء ووفرة ثم قام جنود الوالي وخدامه بالقبض عليه وحملوه إلى الحاكم قائلين “إنك متهم اتهامات خطيرة وأنك في خطر قطع رأسك. فبسبب هذه الأخبار المخيفة، يفقد توازن عقله ويصير مثل إنسان في حالة غيبوبة.
سبب الحيرة والاضطراب في حياة الناس :
          49ـ فافهم إذن، أن هذا هو ما تفعله أرواح الشر ضد الإنسان. إن العالم الذي تراه حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحاذ، جميعهم في حيرة واضطراب وفتنة وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشر الذي دخل داخل الإنسان عن طريق معصية آدم، وأعنى به ” شوكة الموت” (1كو56:15).
لأن الخطية التي زحفت إلى الداخل، إذ هي نوع من القوة غير المنظورة من الشيطان، وهي قوة حقيقية، قد زرعت في الإنسان كل أنواع الشر. وهي تعمل سرًا في الإنسان الباطن دون أن يلاحظها أحد، وتعمل في العقل، وتحارب ضد الأفكار؛ ولكن الناس لا يدركون أنهم يفعلون الشرور بتأثير قوة غريبة تعمل فيهم، وهم يظنون أن ما يفعلونه هو أشياء طبيعية، وأنهم إنما يفعلون هذه الأشياء باختيارهم. وأما أولئك الذين حصلوا على سلام المسيح في عقولهم وحصلوا على نوره في داخلهم، فإنهم يعرفون جيدا منبع كل هذه الحركات الشريرة.
50 ـ إن العالم مستعبد لشهوة الخطية، وهو لا يدرى، وهناك نار نجسة تشعل القلب وتنتشر إلى كل الأعضاء، وتحث الناس على فعل الشهوات، وعلى آلاف خطايا أخرى. فأولئك الذين يدعون أنفسهم أو يسمحون لأنفسهم أن تداعبها الخطية فيبتهجون بها، إنما يرتكبون الخطية داخليًا في القلب. وهكذا يجد الشر مكانًا له فيهم، إلى أن يسقطوا في النجاسة المكشوفة ـ ولاحظ أن نفس هذا الأمر هو حقيقي. كذلك فيما يخص محبة المال، والمجد الباطل والكبرياء والحسد والغضب.
وإذا دُعي إنسان إلى وليمة ووضعت أمامه أنواع أطعمة كثيرة، فإن الخطية تقترح عليه أنه ينبغي أن يأكل منها جميعًا، وهكذا فإن نفسه تسر بهذا الإيحاء وتثقل بأثقال فوق طاقتها. فإن الشهوات هي كجبال ثقيلة لا تحتمل وتوجد في وسطها أنهار من التنانين والوحوش السامة والثعابين. وكما يبتلع الحوت إنساًنا في بطنه، هكذا تبتلع الخطية النفوس. إنها لهب نار حارقة وسهام ملتهبة من الشرير. فالرسول يقول ” لكى تقدروا أن تطفئوا سهام الشرير الملتهبة” (أف16:6) لأن الخطية وجدت لها مكانا في النفس. ووضعت أساساتها حول النفس.
حالة الحكماء بالروح :
          51ـ وأما الذين صاروا حكماء بالروح، فإذا تحركت الشهوات فيهم، فإنهم لا يستسلمون لها البتة بل يغضبون على الرغبات الشريرة ويصيرون أعداء لأنفسهم ويبغضونها. لأن الشيطان يشتهي كثيرا أن يستريح في النفس ويوسع دائرته في داخلها وهو ينزعج ويتضايق حينما ترفض النفس الإذعان له.
إن بعض الأشخاص هم تحت سيادة القوة الإلهية، هؤلاء الذين إذا رأوا فتى مع امرأة فربما يفكرون قليلاً، ولكن عقلهم لا يتنجس البتة، ولا يخطئون في داخل قلوبهم، ومع ذلك فليس من الممكن أن يطمئن الإنسان ويثق في جسده في هذه الحالة. ويوجد آخرون يكون أصل الشر فيهم منطفئا ويابسًا أى قد انتهي منهم، ولكن هذه هي درجات العظماء بالنعمة حقا. وكما أن الناس في مجال تجارة اللآلئ يغوصون عراة في أعماق البحر في أعماق المياه، ليجدوا هناك اللآلئ التي تصلح لزينة التيجان الملوكية والأرجوان الملوكي، هكذا أولئك الذين يعتنقون طريق الحياة التوحدية، يخرجون عراة من العالم، وينزلون إلى أعماق بحر الشر وإلى هاوية الظلمة، ومن تلك الأعماق يخرجون حجارة كريمة مناسبة لتاج المسيح وللكنيسة السماوية، وللعالم الجديد، ولمدينة النور، ولمحفل الملائكة.
52ـ وكما أن الشبكة تجمع أنوعًا كثيرة من السمك فتطرح الأصناف الرديئة في البحر ثانية، هكذا فإن شبكة النعمة تنتشر على الكل وتطلب القبول والرضا، ولكن كثيرًا من الناس لا يوافقونها، ولذلك فإنهم يطرحون ثانية إلى هوة الظلمة العميقة.
وكما أن الذهب يوجد بعد أن ينقى من وسط رمل كثير، على شكل ذرات صغيرة، هكذا فإنه من وسط كثيرين يوجد قليلون يثبتون مع التمحص. فأولئك الذين لهم عمل الملكوت هم ظاهرون وكذلك أولئك الذين يلبسون فقط كلمة الملكوت هم ظاهرون أيضًا. والمُمَلحون بالملح السماوي يصيرون ظاهرين وكذلك الذين يمتلئون من كنوز الروح. وكذلك فالأواني التي يسر الله بها هي ظاهرة أيضًا، وهو يعطيهم نعمته الخاصة، وآخرون، بالصبر الكثير ينالون قوة التقديس بأنواع مختلفة كما يشاء الرب. فذلك الذي يتكلم، إذا لم يكن منقادًا ومُرشدًا بالنور والحكمة السماوية، فإنه لا يستطيع أن يرضى ويشبع عقول الجميع، إذ أنه توجد أغراض كثيرة مختلفة، والبعض يكون في حالة حرب والبعض في راحة.
تطهير القلب والبناء الجديد :
          53 ـ وإذا كانت هناك مدينة خربة وأراد أحد الناس أن يعيد بناءها من جديد فإن أول شيء يفعله، هو أن يهدم تماما كل الأشياء المتهدمة الساقطة وهكذا يبدأ في الحفر ويضع الأساسات وهكذا يرتفع البناء رغم أنه لا يكون قد تم بناء بيت واحد بعد. وذلك الذي يريد أن يقيم حديقة جميلة في مكان قفر كريه الرائحة فإنه يبدأ أولا في تنظيف المكان وعمل سياج حوله وإعداد قنوات المياه، ثم بعد ذلك يغرس البستان، فتنمو الأشجار وهكذا بعد وقت طويل يأتي البستان بالثمر، وهكذا قلوب البشر منذ السقوط ،قد جفت وصارت خربة ومملوءة بالأشواك. لقد قال الله للإنسان ” شوكا وحسكا تنبت لك الأرض” (تك18:3).
لذلك فالأمر يحتاج تعبًا كثيرًا وجهدًا لكى يطلب الإنسان الأساسات ويضعها، إلى أن تأتى النار إلى قلوب الناس، وتبتدئ في اقتلاع الأشواك وتنقية القلوب، وهكذا يبتدئون أن يتقدسوا فيمجدون الآب والابن والروح القدس إلى الأبد آمين.
________________________________________
[1] قارن بالعظة الثامنة فقرة6 .
[2] الكلمة المترجمة “مجادلات” في الأصل اليوناني في1تيمو8:2 هي نفس الكلمة المترجمة “أفكار” في إنجيل متى 19:15 .  
[3] القديس مقاريوس يقصد أن الشيطان يمكنه أن يحتمل أن يترك البعض بدون حرب، وهذه تكون بالنسبة للشيطان مثل الضريبة بالنسبة للغنى، أو الصدقة بالنسبة للمحسن فهي لا تشكل أى خسارة بالنسبة له.
[4] المقصود بمجىء الملائكة لخلاص الإنسان هو خدمتهم للعتيدين أن يرثوا الخلاص لأنهم “أرواح خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص”(عب14:1) (المعرب) .
العظة السادسة عشر
أنت مدعو إلى فوق رغم التجارب
“الأشخاص الروحانيون يتعرضون لتجارب وشدائد مصدرها الخطيئة الأولى”
خُلقنا في حالة البراءة ـ الشر نتج من حرية الإرادة :
1ـ كل الجواهر الروحانية، أى الملائكة والنفوس البشرية والشياطين، كل هؤلاء قد خلقهم الخالق في حالة البراءة والبساطة التامة. أما كون البعض منهم قد تحولوا إلى الشر فهذا ناتج من حرية إرادتهم. فباختيارهم حادوا عن طريق التفكير السليم. فإذا قلنا أن الله خلقهم هكذا أشرارًا، فإننا بذلك نجعل الله قاضيا ظالما بإرسال الشيطان إلى النار. إن بعض الهراطقة قد قالوا أن المادة أزلية أى ليس لها بداية، وأن المادة هي أصل كل الأشياء. وأن هذا الأصل هو القوة، وهي قوة كافية بذاتها. وهذا الكلام نجيب عليه قائلين: “أية قوة إذن هي القوة الغالبة؟. هي بالتأكيد قوة الله، إذن فالمغلوب ليس معادلا للغالب لا في القوة ولا في الزمن”. وأولئك الذين يقولون أن الشر هو جوهر حقيقي، لا يعرفون شيئًا. فبالنسبة إلى الله ليس هناك شر جوهري وذلك لأن الله حسب طبيعته الإلهية غير قابل للشهوات والأهواء ، أما نحن فإن الشر يعمل فينا بقوة كاملة ويجعل نفسه محسوسًا ويوحي بكل الشهوات الرديئة ولكن الشر ليس مختلطًا بنا، كاختلاط الخمر بالماء كما يقول البعض، ولكنه مثل الزوان مع القمح فالقمح وحده والزوان وحده، رغم أنهما موجودان في نفس الحقل، كما أنه في بيت واحد قد يوجد اللص في جزء منه، ورب البيت في جزء آخر.
اختلاط الخطية بالنفس :
2ـ إن ينبوع الماء ينبع ماءًا صافيًا رغم أنه يوجد طين أسفل الينبوع تحت الماء. فلو أن أحدًا حرك الطين، فإن الينبوع كله يتعكر. وهكذا النفس حينما تثار فإنها تتنجس وتختلط بالشر، ويصير الشيطان واحدا مع النفس، كروحين متفقين، في فعل الزنا أو في القتل. لهذا السبب ” فالذي يلتصق بزانية هو جسد واحد” (1كو16:6) ولكن في لحظة أخرى تكون النفس قائمة بذاتها، تائبة عما فعلته من خطية، وتبكى وتصلى وتتذكر الله، لأنه لو كانت النفس غارقة دائما في الشر فكيف يمكنها أن تفعل ذلك؟ إذ أن الشيطان لا يريد أبدا أن يقبل الناس إلى التوبة. لأنه خال من كل رحمة أو شفقة.
شركة الروح القدس مع النفس :
          والزوجة باتفاقها مع زوجها تصير واحدا معه ، ولكنهما في لحظة أخرى يفترقان، لأنه قد يحدث أن أحدهما يموت والآخر يعيش. وعلى مثال هذه الشركة تكون شركة الروح القدس مع النفس. فيصيران روحًا واحدًا ” لأن من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو17:6) وهذا الأمر يحدث عندما يمتلئ الإنسان بالنعمة فتحيطه من كل ناحية.
3ـ ولكن يوجد البعض من الذين حصلوا على تذوق الله، ولكنهم لا يزالون خاضعين لتأثير العدو، وهم يستغربون بسبب نقص خبرتهم، أنه بعد افتقاد الله لهم بالنعمة فإنهم لا يزالون معرضين للتشكيك في أسرار الإيمان المسيحي. وأما أولئك الذين نضجوا فلا يستغربون هذا الأمر. وكما أن الفلاحين المهرة بسبب طول الخبرة، فإنهم في زمن الرخاء لا يزال عندهم حذر وحرص، وينظرون إلى أوقات القحط والغلاء، ومن الجهة الأخرى فحينما تأتى أوقات الغلاء والقحط فإنهم لا يتضجرون وييأسون لأنهم يتوقعون تغير الحال إلى الأفضل في المستقبل، وهكذا هو الحال في الأمور الروحية حينما      ” تقع النفس في تجارب متنوعة” (يع2:1). فحينما تقع النفس في تجارب متنوعة، فهي لا تعتبره أمرًا غريبًا من ناحية، ومن الناحية الأخرى لا تيأس لأنها تعلم أن التجارب تأتى بسماح لأجل امتحانها وتهذيبها بالشر الذي يقابلها.
ومن الناحية الأخرى فحينما تكون في غنى كثير واطمئنان فإنها لا تتخلى عن اليقظة والحذر، بل تضع في اعتبارها احتمالات تغير الحال في المستقبل.
إن الشمس التي هي جسم مخلوق، تضئ في الأماكن ذات الرائحة الرديئة، حيث يوجد الوحل والقاذورات، دون أن تصاب الشمس بأى أذى أو نجاسة، فكم بالحرى جدا يحتفظ الروح القدس النقى بشركته مع النفس، حينما تكون تحت تأثير من الشرير، دون أن يصبه (أى الروح القدس) أى شيء من هذا الشر. “والنور يضئ في الظلمة والظلمة لا تدركه” (يو5:1).
الرجاء الثابت وعدم اليأس :
4ـ لذلك فحينما يكون الإنسان في عمق (الروح)، وهو غنى بالنعمة، لا يزال فيه بقية من الشر موجودة معه. ولكن يوجد له معين قريب منه ليسعفه ويعينه. لذلك فحينما يكون الإنسان في الشدائد وتثور عليه موجات عظيمة من الأهواء فلا ينبغي أن ييأس، لأن اليأس يجعل الخطية تزدهر وتجد فرصة أكثر للتملك على الإنسان. ولكن حينما يكون للإنسان رجاء مستمر ثابت في الله، فإن الخطية تتناقص وتذوى وتجف.
إن الشلل والتشوهات، والحمى أو الأمراض، هذه كلها ناتجة عن الخطية. لأن الخطية هي أصل كل الشرور، وكل الشهوات الناتجة عن أهواء النفس أو من أفكار الشر، إنما ترجع كلها إلى الخطية. فإن كان هناك نبع ماء جارى ـ وتحيط به مستنقعات وأراض رطبة موحلة، ومع ذلك فحينما يأتي عليه الحر، فإن النبع وما يحيط به من أراض ـ يجف تمامًا، هكذا الحال مع عبيد الله الذين تفيض فيهم النعمة وتزداد، فإن هذه النعمة تجفف الشهوة سواء كانت من العدو الشرير، أو من الطبيعة (طبيعتهم البشرية)، فإن رجال الله الآن، أعظم من آدم الأول.
الله في كل مكان :
5 ـ إن الله غير محدود وغير مدرك وهو يُظهر نفسه في كل مكان، في الجبال، وفي البحر، وفي الأعماق، ولكن بدون أن ينتقل من مكان إلى آخر مثل الملائكة الذين ينزلون من السماء إلى الأرض. فهو في السماء، وهو هنا على الأرض. ولكنك ستقول لي “كيف يمكن أن يكون الله في الجحيم ؟ أو كيف يمكن أن يكون في الظلمة، أو في الشيطان، أو في الأماكن الفاسدة؟ “فأجيبك أن الله غير قابل للتأثر بالشر ويحوى كل الأشياء، لأنه غير محدود، وأما الشيطان الذي هو خليقة الله، فهو مقيد. أما طبيعة الصلاح (الله) فلا تؤثر فيها النجاسة أو تلوثها كما أن الظلمة لا تستطيع أن تجعله مظلما. فإذا قلت إنه لا يحوى كل الأشياء بما فيها الجحيم والشيطان، فإنك بذلك تجعله محدودًا من جهة المكان الذي يوجد فيه العدو الشرير، وعلى هذا الأساس يقتضى البحث عن إله آخر أعلى منه. فالله إذن يلزم أن يكون في كل مكان. ولكن اللاهوت له طبيعة سامية ونقية جدًا حتى أن الظلمة، لا تستطيع أن تدركه أو تفهمه، ولا يستطيع الشرير أن يشترك في نقاوته رغم أنه موجود فيه. وبالنسبة لله لا يوجد شر جوهري حيث إن الشر لا يستطيع أن يصيبه بأي أذى.
لنحول أفكارنا إلى المسيح :
          6ـ أما بالنسبة لنا، فالشر حقيقي، لأنه يسكن في القلب ويعمل فيه إذ أنه يوحى بالأفكار الشريرة والمنجسة، ولا يدعنا نصلى نقاوة، بل يجذب عقولنا إلى العبودية لهذا العالم، وقد جعل النفوس ملبسًا له وتغلغل حتى إلى عظامنا ولمسها مع أعضائنا.
فكما أن الشيطان موجود في الهواء، وكما أن الله موجود هناك، فإن الله لا يصاب بأي أذى نتيجة وجوده مع الشيطان في الهواء. وهكذا فإن الخطية موجودة في النفس ونعمة الله موجودة فيها كذلك دون أن تصاب نعمة الله بأى أذى وكما أن الخادم الذي يكون بجوار سيده هو في خوف مستمر بسبب قربه من سيده، وهو لا يفعل شيئا بدون سيده. هكذا يجب علينا أن نحول أفكارنا إلى سيدنا المسيح ونكشفها له، وهو الذي يعرف القلب، وليكن في داخلنا رجاء وثقة أنه هو “مجدي، وهو أبى، وهو غناي”.
ينبغى أن يكون لك في قلبك حرص ومخافة. فحتى إذا لم يكن الإنسان حاصلاً على نعمة الله مغروسة وثابتة فيه بشدة حتى أنها تقوده وتوقظه وتحثه على الأشياء الصالحة ليلاً ونهارًا وبلا انقطاع وتكون مرتبطة بنفسه كما برابطة طبيعية، فعلى الأقل، ينبغى أن يكون له الحرص، والخوف والاجتهاد، وانسحاق القلب، ثابتة فيه باستمرار كأنها حقيقة طبيعية غير متغيرة.
النعمة تنشئ المحبة الإلهية وتغير القلوب :
          7ـ ومثل نحلة تصنع قرصًا من العسل داخل الخلية، هكذا النعمة تنشئ المحبة الإلهية سرًا في القلوب وتغيرها من المرارة إلى الحلاوة ومن الخشونة إلى الرقة واللطف، وكما أن الصائغ والنقاش حينما يحفرون أو ينقشون لوحة، فإنه يغطى أجزاء من الصور التي ينقشها على اللوحة، ولكنه حينما ينهي عمله، فإنه يظهرها لامعة بالنور، هكذا الرب الصائغ والفنان الحقيقي يحفر على قلوبنا وينقشها، ويجددها في صمت وسكون إلى أن يأتي يوم خروجها من الجسد، وحينئذ يظهر جمال النفس بوضوح.
وأولئك الذين يريدون أن يصنعوا أواني، ويصوروا فيها صور حيوانات فإنهم يصنعون تصميمهم أولا على الشمع (قالب)، ثم يصبون المعدن على القالب، وهكذا يكتمل العمل على حسب التصميم الموضوع أصلاً. هكذا الخطية، رغم أنها ليس لها جسد ، ولكن لها صورة وهي تتخذ أشكالا كثيرة، وبنفس الطريقة فإن الإنسان الباطن هو مثل واحد من هذه الحيوانات (التي ترسم) فإن له صورة وله شكل لأن الإنسان الباطن هو على مثال الإنسان الخارجي. وما أعظم هذا الإناء وما أثمنه إذ أنه هو الإناء الوحيد الذي سر الرب به من بين جميع المخلوقات. وأفكار النفس الصالحة هي كحجارة ثمينة ودرر، وأما الأفكار النجسة فهي مملوءة “عظام أموات وكل نجاسة ” ورائحة رديئة (مت27:23).
من هم المسيحيون بالحق ؟ :
          8ـ فالمسيحيون إذن هم من عالم آخر وهم أولاد آدم السماوي، جنس جديد، أولاد الروح القدس وأخوة المسيح المضيئين، مثل أبيهم آدم السماوي المضيء. وهم من تلك المدينة، ومن ذلك النسب، ومن تلك القوة (السماوية)، إنهم ليسوا من هذا العالم ، بل من عالم آخر، والرب نفسه يقول ” أنتم لستم من هذا العالم كما أنى أنا لست من هذا العالم” (يو16:17).
ولكن كما أن التاجر الذي كان في رحلة طويلة لأجل تنمية تجارته ويكون قد سبق قبل عودته وأرسل لأصدقائه ليهيئوا له منازل وحدائق وملابس بحسب ما يلزمه وحينما يعود إلى بلدته فإنه يحضر معه أموالاً كثيرة ويلاقيه أصحابه وأقرباؤه بفرح عظيم، كذلك في الأمور الروحانية فالذين يجعلون الغنى السماوي هو موضوع عملهم وانشغالهم فإن أصدقاءهم وأهل بلدتهم، أى أرواح الصديقين القديسين والملائكة يعرفون عملهم واهتمامهم، ويقولون بفرح وإعجاب: “إن اخوتنا الذين على الأرض قد أتوا بغنى عظيم”. فهؤلاء عند رحيلهم من العالم يكون الرب معهم ويسببون فرحا عظيما لأولئك الذين هم خاصة الرب في السماء، يستقبلونهم مجهزين لهم بيوتا وبساتين وملابس كلها لامعة وثمينة جدًا.
الحاجة للاعتدال والإفراز :
          9ـ إننا نحتاج إلى الاعتدال والتبصر في كل الأمور، حتى لا تتحول الأشياء الصالحة التي تبدو أننا قد امتلكناها، إلى ضرر لنا. فإن الذين هم رحومين بطبيعتهم، إذا لم يحفظوا أنفسهم فقد ينزلقون تدريجيًا إلى الضلال عن طريق نفس شفقتهم ورحمتهم، وأولئك الذين عندهم حكمة يمكن أن تخدعهم حكمتهم. فيجب على الإنسان أن يكون معتدلاً ومتزنًا معًا في جميع الاتجاهات: بأن يجمع الشفقة مع الشدة، والحكمة مع حرية التصرف، والقول مع العمل، وفي كل شيء يضع ثقته في الرب لا في نفسه.
لأن الفضيلة تُتَبل بتوابل متنوعة كثيرة، كما أن طعامنا الضروري يُتَبل بأنواع من البهارات ـ ليس بالعسل فقط، بل بالفلفل أحيانًا ـ وهكذا يصير صالحًا ومناسبًا للأكل .
          10ـ وأولئك الذين يقولون أن الخطية غير موجودة في الإنسان هم مثل أناس مغمورين تحت مياه كثيرة فائضة، ومع ذلك لا يقرون بأن المياه تغمرهم، بل يقولون، “إننا سمعنا صوت المياه سماعًا” ورغم أنهم يكونون مغمورين في عمق أمواج الشر، فمع ذلك يقولون أن الخطية غير موجودة في عقلهم أو أفكارهم.
الفرق بين الفكر النظري وبين الدخول للكنوز السماوية :
          يوجد فرق عظيم بين أولئك الذين لهم فكر نظري وقدره على الكلام، ولكنهم غير مُملّحين بالملح السمائي ـ الذين يتحدثون عن المائدة الملكية دون أن يكونوا قد ذاقوا منها شيئا أو تمتعوا بها وبين إنسان يرى الملك نفسه، وقد كشفت له الكنوز السماوية وقد دخل إليها، وصار وارثًا لها، وهو يأكل ويشرب من المأكولات السماوية الثمينة.
الحرص وانسحاق القلب وعناية النعمة :
          11 ـ وإن كان لأم ابن وحيد، وسيم جدًا، وعاقل وحكيم، ومزّين بكل الصفات الصالحة، وقد وضعت كل آمالها فيه فإذا مات هذا الابن ودفنته فإنها تصاب بأحزان لا نهاية لها وبكاء ونحيب حتى أنها لا تستطيع أن تتعزى. هكذا أيضا ينبغي على العقل أن يحزن ويبكى حينما تموت النفس عن الله ويكون له كآبة كثيرة وقلب منسحق، ويكون في خوف وحرص، وفي نفس الوقت يكون له جوع وعطش باستمرار إلى كل ما هو صالح، فمثل هذا الإنسان تأخذه يدى نعمة الله والرجاء الإلهي لتعتني به النعمة فلا يعود يحزن أيضًا، بل يبتهج ويفرح كمن وجد كنزًا عظيمًا، ولكنه يرتعد خوفًا أيضًا لئلا يفقد الكنز. لأن اللصوص يحضرون كثيرًا للهجوم عليه. ومثل إنسان تعرض لخسائر كثيرة من اللصوص واستطاع أن ينجو منهم بصعوبة شديدة وبعد هذا حصل على غنى وفير وخيرات كثيرة، فإنه لا يعود يخشى تأثير الخسارة عليه بسبب ثرائه الوفير، هكذا الرجال الروحانيون فإنهم يتعرضون أولا لتجارب وضيقات مخيفة، ولكنهم حين يمتلئون بالنعمة ويفيضون بالصالحات ، فإنهم لا يعودون يخافون من أولئك الذين يريدون أن يسرقوهم ، بسبب أن غناهم صار عظيمًا، ولكنهم يخافون ـ ليس خوف المبتدئ من أرواح الشر، بل لهم خوف وحرص كيف يستثمرون المواهب الروحية التي ائتمنوا عليها.
النعمة تغرس التواضع في النفس :
          12ـ والواحد من هؤلاء الروحانيين، يعتبر نفسه أحقر من جميع الخطاة، ويتأصل فيه هذا الفكر حتى يصير كجزء من طبيعته وكلما تقدم في معرفة الله، بقدر ذلك يحسب نفسه جاهلاً تمامًا، وكلما تعلم فإنه يحسب نفسه أنه يعرف أقل. إن النعمة هي التي تقوم بهذا التأثير في النفس وتجعله كجزء من الطبيعة في النفس.
ومثل الطفل الذي يحمله شاب قوى، والذي يحمله يأخذه إلى حيث يشاء، هكذا النعمة التي تعمل في أعماق النفس فإنها تحملها وترفعها إلى السموات، إلى العالم الكامل، والراحة الأبدية.
الراحة وعدم الراحة :
          ولكن النعمة فيها درجات ورتب. إذ أن رئيس العسكر الذي يحق له الدخول إلى الملك يختلف عن الضباط. وكما أن البيت الذي يمتلئ بالدخان يفرغ الدخان أيضا إلى الفضاء الخارجي هكذا الخطية المخزونة في النفس تخرج إلى الخارج وتنتج ثمارها. وكما أن أولئك الذين كلفوا بحكم إحدى الولايات أو كلفوا بإدارة الخزانة الملكية هم دائمًا في قلق وحذر لئلا يسيئوا إلى الملك، هكذا أولئك الذين استؤمنوا على العمل الروحاني هم دائمًا في حذر وحرص رغم أنهم يكونون في راحة إلا أنهم لفترة من الوقت يكونون كأنهم لم يحصلوا على الراحة بعد. لأن مملكة الظلمة التي دخلت إلى مدينة النفس والقوات الغريبة التي سيطرت على مراعيها هي في طريقها أن تطرد خارج النفس.
13ـ والمسيح الملك يرسل لينتقم للمدينة ويقيد الظالمين بالسلاسل، وتعسكر الجنود السماوية وجيش الأرواح المقدسة هناك كأنهم في السموات، وحينئذ فإن الشمس تضئ في القلب وتخترق أشعتها وتدخل إلى كل الأعضاء، وهكذا يملك سلام عميق ويصير هو القوة المسيطرة هناك.
استمرار الصراخ إلى الله :
          ولكن عزيمة الإنسان في الحرب والجهاد وقيمته الحقيقية وإرادته الصالحة من نحو الله، كل هذه تظهر حينما تتأخر النعمة ولكنه يظل شجاعا ويستمر يصرخ إلى الله. إنك حينما تسمع أن هناك أنهار بها تنانين، وأفواه أسود وقوات مظلمة تحت السماء ونار تحرق الأعضاء فإنك لا تفكر فيها، غير عالم أنك إن لم تنل عربون ” الروح القدس” (2كو22:1)، فإن هذه كلها تمسك بنفسك عند خروجها من الجسد ولا تدعوك تصعد إلى السماء.
أتى هو بشخصه ليدعوك إلى فوق :
          وبنفس الطريقة، حينما تسمع عن كرامة النفس وكيف أن جوهرها العاقل ثمين جدًا، فإنك لا تفهم أن الله لم يقل عن الملائكة، بل عن الطبيعة البشرية ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك26:1). وأن السماء والأرض تزولان ولكنك أنت قد دعيت إلى الخلود، والتبني، والأخوة للملك، ولتكون عروسًا له. في هذا العالم الذي حولنا كل ما هو للعريس يصير للعروس، وهكذا كل ما هو للرب، مهما كان فإنه يودعه إياك. لقد أتى هو بشخصه إلى معونتك، ليدعوك إلى فوق، وأنت لا تقدر ولا تفهم مقدار كرامتك. لذلك فالمرنم الملهم يبكى على سقطتك قائلا: ” إنسان في كرامة ولا يفهم، فهو مثل البهائم بلا عقل، وهو يُشبّه بها” (مز20:49). فليكن المجد للآب وللابن، وللروح القدس. إلى الأبد آمين
لقراءة باقي عظات القديس مكاريوس :   أضغط هنا
August 4, 2011 / kyrillosnagy

عظات القديس مكاريوس الكبير , العظة الثانية عشر

العظة الثانية عشر
حالة الإنسان قبل السقوط وبعده
مريم ومرثا والنصيب الصالح
“عن حالة آدم قبل تعدية وصية الله، وحالته بعد أن فقد صورته السماوية.. وتحتوى هذه العظة أيضا على بعض أسئلة نافعة جدًا “.
1ـ إن آدم بتعديه الوصية، حدثت له كارثة مزدوجة.. فهو فقد نقاوة طبيعته التي كان حاصلاً عليها، والتي كانت جميلة على صورة الله ومثاله، ومن الجهة الأخرى فقد أيضا تلك الصورة عينها التي كان سيرث بها كل الميراث السماوي بحسب الوعد..
فإذا افترضنا أن عملة ذهبية، عليها صورة الملك، قد ختمت بختم مزيف، فإن العملة الذهبية تُعَدّ زائفة، والصورة التي كانت عليها تصبح بلا قيمة. هكذا كانت الكارثة التي حلت بآدم.. وإذا تصورنا ضيعة كبيرة تدر خيرات كثيرة: في أحد أركانها كرم مزدهر، وفي مكان آخر منها حقول مثمرة، وفي غيره مواشى وقطعان غنم، وفي موضع آخر ذهب وفضة، هكذا كانت ضيعة آدم ـ ثمينة جدًا قبل العصيان، وأقصد بالضيعة، إناء آدم الخاص.. ولكنه حينما قبل مقاصد وأفكار الشر ورحب بها، هلك من أمام الله ..
2ـ ولكننا مع ذلك لا نقول إن كل شيء قد ضاع وتلاشى ومات.. بل أنه مات عن الله، ولكنه ظل حيًا بالنسبة إلى طبيعته.. فها عالم البشر كله كما نراه، يسعى في الأرض، يشتغل ويعمل.. ولكن الله ينظر إلى أفكارهم وتصوراتهم فيصرف النظر عنهم وليس له شركة معهم، لأنهم لا يفكرون فيما يرضى الله، وكما أن الأتقياء إذا مروا أمام البيوت ذات السمعة القبيحة، والأماكن التي ترتكب فيها الفحشاء والفسق، فإنهم ينفرون منها ويرفضون مجرد النظر ناحيتها ـ لأن هذه الأمور هي موت في نظرهم ـ هكذا فإن الله يغض النظر عن أولئك الذين تمردوا على كلمته وعصوا وصيته فتعبر عينيه عليهم ولكنه لا يكون في شركة معهم.. ولا يستطيع الرب أن يجد راحة في داخل أفكارهم..
النعمة والمسكنة بالروح :
سؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يكون مسكينًا بالروح وخاصة حينما يشعر في نفسه أن حياته قد تغيرت وحصل له نمو روحي، وحصل على معرفة وفهم لم يكن يملكها قبل ذلك؟.
الجواب: قبل أن يحصل الإنسان على هذه البركات وينمو في النعمة لا يكون مسكينًا بالروح.. ولكنه يظن أنه شيء، ولكن حينما يأتي إلى الفهم الروحي وينمو ويتقدم فإن النعمة نفسها تعلمه أن يكون مسكينا بالروح، وهذا معناه أن هذا الإنسان رغم كونه بارًا ومختارًا من الله، فهو لا يحسب نفسه شيئًا، بل يحفظ نفسه في اتضاع وإنكار لذاته، كأنه لم يعرف شيئا ولا يملك شيئا رغم أنه يعرف ويملك.. وهذا قانون طبيعي ثابت في عقل البشر.. ألا ترى كيف أن أبانا إبراهيم، المختار من الله وصف نفسه بأنه ” تراب ورماد” (تك18: 27)، وداود بعدما مسح ملكًا، وكان الله معه ماذا قال؟ لقد قال: ” أما أنا كدودة لا إنسان. عار عند البشر ومحتقر الشعب” (مز22: 6)..
روح واحد وطريق واحد :
لذلك أولئك الذين يريدون أن يكونوا وارثين مع هؤلاء ومواطنين معهم في المدينة السماوية، وأن يكونوا ممجدين معهم، ينبغي أن يكون لهم تواضع العقل هذا، ولا يظنوا أنفسهم شيئا بل يحتفظوا بقلب منسحق.. ورغم أن النعمة تعمل بطريقة خاصة في كل مسيحي على حدة، وتعمل أعمالا متنوعة في الأعضاء، إلاّ أن جميع الأعضاء هم من مدينة واحدة، ولهم فكر واحد وقلب واحد، ولسان واحد، ويعرفون بعضهم بعضًا.. وكما أن الجسد له أعضاء كثيرة، ولكن نفسًا واحدة تعمل في جميع الأعضاء وتحركها، كذلك أيضًا فإن الروح الواحد يعمل أعمالاً متنوعة في جميع الأعضاء ويحركها، ولكنهم جميعًا من مدينة واحدة، وطريق واحد.. فكل الأبرار سلكوا الطريق الضيق الكرب، واضطهدوا وعذبوا وشتموا، “وطافوا في جلود غنم وجلود ماعز تائهين في مغاير وشقوق الأرض”(عب11: 37،38).. والرسل أيضًا قالوا ” إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونُعرى ونُلكم وليس لنا إقامة” (1كو11:4)، والبعض منهم قُطعت رؤوسهم وبعضهم صُلبوا وآخرون عُذبوا بطرق مختلفة.. بل أن الرب نفسه ـ رب الأنبياء والرسل ـ كيف كانت سيرته في هذا العالم.. لقد سلك وكأنه قد نسى مجده الإلهي.. وصار مثالا لنا، وألبسوه إكليل الشوك باستهزاء وعار، واحتمل البصق واللطم والصلب..
5 ـ فإن كان الله قد سلك هكذا على الأرض فينبغي عليك أنت أن تتمثل به.. والرسل والأنبياء هكذا سلكوا أيضا، ونحن إذا أردنا أن نكون مبنيين على أساس الرب ورسله، فينبغى أن نتمثل بهم، فقد قال الرسول بالروح القدس: ” تمثلوا بي، كما أنا أيضا بالمسيح” (1كو 11: 1)..
ولكن إن كنت تحب كرامات البشر، وتود أن يسجد لك الناس وتطلب الراحة، فإنك تتحول تماما عن الطريق.. أنه يليق بك أن تُصلب مع المصلوب، وتتألم مع ذلك الذي تألم لكى تتمجد أيضا معه.. لأنه لابد للعروس أن تتألم مع العريس، وهكذا تصير شريكة ووارثة مع المسيح.. بدون الآلام وبغير الضيقة الكربة، لا يكون دخول إلى مدينة القديسين حيث الوجود في الراحة والمُلك مع المَلك ذاته إلى أبد الدهور..
الروح القدس وخلقة الإنسان :
سؤال: لقد قلت إن آدم فقد صورته الخاصة والصورة السماوية أيضا.. فهل كان فيه الروح القدس حينئذ لأنه كان مشتركًا في الصورة السماوية؟ ..
الجواب: طالما أن كلمة الله كان معه وكانت له الوصية، فقد كان له كل شيء.. والكلمة نفسه كان ميراثا له، وكان لباسا له، وكان هو (الكلمة) مجده الذي يغطيه ويستره (إش4: 5).. وكان هو معلمه.. فقد ألهمه أن يعطى أسماء لكل الأشياء “تدعو هذه السماء، وهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه الأرض، وهذا طير، وذلك وحش، وهذه شجرة” وكما كان آدم يتعلّم من الكلمة هكذا سَمّى الأشياء جميعها..
سؤال: ولكن هل كان لآدم اختبار الروح وشركته؟.
الجواب: الكلمة نفسه بحضوره مع آدم، كان كل شيء بالنسبة له، سواء كان معرفة أو اختبارًا، أو ميراثًا أو تعليمًا وإرشادًا.. إذ ماذا يقول يوحنا عن الكلمة؟ ” في البدء كان الكلمة” فأنت ترى أن الكلمة هو كل شيء وكائن قبل كل شيء.. فإن كان لآدم (قبل السقوط) مجد خارجي حاضر معه فلا نستغرب أو نعثر من ذلك عندما يقول الكتاب: أنهما كانا عريانين وهما لا يخجلان فلما تعديا الوصية انفتحت أعينهما ورأيا أنهما عريانان فخجلا واختبئا من الله (تك2: 25ـ3: 7،10)..
سؤال: فهل كانا قبل السقوط لابسين مجد الله عوضًا عن ثوب؟
الجواب: كما كان الروح يجرى عمله في الأنبياء ويعلّمهم وكان في داخلهم ويظهر لهم من الخارج، هكذا أيضا كان الحال مع آدم.. فالروح، حسبما يشاء، كان يحضر معه ويعلّمه، ويشير عليه “تكلم هكذا” وهكذا كان يسير ويتكلم.. لأن الكلمة كان له كل شئ، وطالما كان ثابتًا في الوصية فقد كان صديقًا لله.. ولكن لماذا نستغرب أنه بالرغم من كل هذه الأحوال التي كان فيها آدم، فقد تعدّى الوصية؟ فإن أولئك الذين يمتلئون الآن بالروح القدس، لا تزال تأتيهم أفكار من طبيعتهم، ولهم الإرادة أن يطيعوها، فكذلك آدم رغم أنه كان حاضرًا مع الله في الفردوس فقد تعدّى الوصية بإرادته وأطاع الجانب الشرير.. ولكن بعد عصيانه لا تزال عنده معرفة..
المعرفة بعد السقوط :
سؤال : أى نوع من المعرفة هذه؟
الجواب: حينما يحضر المجرم إلى ساحة القضاء وتبدأ المحاكمة ويسأله القاضي قائلا “حينما ارتكبت هذه الشرور ألم تكن تعلم أنك ستكون معرضًا لأن تجازى عنها ويحكم عليك بالموت؟ “.. فإنه لا يكون له وجه أن يقول لا.. فإنه كان يعرف، وحينما تبدأ العقوبة يتذكر كل شيء ويقر به جهرًا، والزاني أيضًا ألاّ يعرف أنه يفعل شرًا؟ والسارق ألاّ يعلم أن ما يفعله خطيئة؟ إذن فحتى من خارج الكتب المقدسة يعرف الناس بالضمير الطبيعي الذي فيهم أن الله موجود.. إنهم لا يستطيعون أن يقولوا في ذلك اليوم (يوم الدينونة) “نحن لم نكن نعرف أنك أنت الإله” فهو يقول لهم: ” ألم تعرفوا البروق والرعود التي من السماء، وإنه يوجد إله فوق كل الخليقة؟” وإلا فلماذا إذن تصرخ الشياطين ” أنت هو ابن الله لماذا أتيت قبل الوقت لتعذبنا؟” (مت11:3ـ29:8) وحتى الآن فإن الشياطين يصرخون عند قبور الشهداء قائلين “أنتم تحرقوننا، أنتم تحرقوننا” فآدم وحواء قبل السقوط لم يكونا قد عرفا شجرة معرفة الخير والشر، ولكن معصية آدم جعلت له هذه المعرفة..
10ـ أن كل واحد يبدأ أن يسأل ويستقصى عن حالة آدم التي كان فيها قبل سقوطه، وماذا حدث له؟
إن آدم نفسه نال معرفة الخير والشر.. فنحن نعرف من الكتاب المقدس، إنه كان في حالة كرامة ونقاوة، ولكنه بتعدّى الوصية طُرد من الفردوس وحل عليه غضب الله.. وهكذا بدأ يتعلم ما هي الأشياء الصالحة له وما هي الأشياء الشريرة لكى يحترس منها، حتى لا يعود يخطئ أكثر ويسقط في دينونة الموت.. والآن نحن نعرف أن كل الخليقة هي تحت حكم الله.. فهو الذي خلق السماء والأرض والحيوانات والزحافات والوحوش.. ونحن نرى كل هذه المخلوقات، ولكننا لا نعرف عددها.. وأي إنسان يستطيع أن يعرف عددها؟ إن الله وحده الذي هو في كل شيء هو يعرف حتى أجنة الحيوانات التي لم تولد بعد، أفلا يعرف بالأحرى الأشياء التي تحت الأرض والتي فوق السموات؟..
عجز العقل عن إدراك أعماق الله :
11ـ فلنترك إذًا هذه الأمور، ونطلب بالحري ـ مثل التجارـ كيف نحصل على الميراث السماوي ونمتلكه، ونحصل على النصيب والميراث الذي لا يضيع أو ينزع منا، بل يدوم معنا.. فإن كنت وأنت مجرد إنسان تفتش في أفكار الله لتفحصه وتقول “لقد اكتشفت شيئا وأدركته” فبذلك تجعل عقلك البشرى فائقا على أفكار الله.. ولكنك في هذا الأمر تخطئ خطأً عظيمًا، وبقدر ما تشتهي أن تبحث وتفتش لتدخل إلى أعماق المعرفة، بقدر ذلك تخرج من العمق وتفشل في أن تفهم شيئًا..
إن هذه التساؤلات التي تتحرك في عقلك من نحو العمل، الذي يعمله الله يوما فيوما وكيف يعمله، إنما هي أمور تفوق كل تعبير وكل إدراك، وأنك لا تستطيع أن تفعل شيئا سوى أن تقبل عطاياه بقلب شاكر وبإيمان.. هل استطعت أن تعرف شيئا عن روحك منذ وقت ولادتك حتى الآن؟.. أن كان كذلك فأعلن لي الأفكار التي تنبع في داخلك من أول الصباح إلى المساء.. أخبرني بأفكارك كلها خلال ثلاثة أيام متتالية.. إنك لا تستطيع هذا.. فإن كنت لا تستطيع أن تدرك أفكار نفسك الخاصة، فكيف تستطيع أن تفحص وتدرك أفكار الله وعقله..
12ـ أتريد أن تأكل خبزًا كثيرًا بقدر ما تجد فأذهب إذن وكُل وأترك الأرض الواسعة لحال سبيلها، اذهب إلى شاطئ النهر وأشرب قدر ما تحتاج، وأمضى في طريقك، ولا تطلب أن تعرف من أين يأتي النهر أو كيف يتدفق ويفيض؟.. اِسع بكل جهدك لتشفي قدمك أو مرض عينك، لكى تستطيع أن ترى نور الشمس ولا تفحص عن مقدار النور الذي تحتويه الشمس ولا إلى أى علو في السماء ترتفع.. واتخذ من الحيوانات ما هو نافع ومفيد لحاجتك، ولا تتجول في الجبال لتبحث عن الحمير الوحشية أو غيرها من الوحوش الساكنة هناك.. ألا ترى الطفل وهو يقترب من ثدي أمه فيرضع اللبن ويشبع ولكنه لا يفتش عن مصدر اللبن ولا من أين ينبع.. فإنه يرضع اللبن ويفرغ الثدي، وبعد مرور فترة من الوقت يمتلئ الثدي ثانية، فالطفل لا يعرف شيئا عن كيفية حدوث هذا الأمر ولا حتى الأم، مع أن اللبن يؤخذ من دمها وجميع أعضائها..
الله في كل مكان وفي داخلنا :
فإن كنت تطلب الرب في العمق فهناك تجده.. وأن طلبته في المياه فهناك تجده “صانعًا عجائب” (خر11:15) وأن فتشت عنه في الجب فهناك تجده حارسًا لدانيال البار وسط الأسود، وأن فتشت عنه في النار فهناك تجده حافظًا عبيده الفتية الثلاثة.. وإن سألت عنه على الجبل فهناك تجده مع إيليا وموسى.. فهو في كل مكان تحت الأرض وفوق السموات بل وفي داخلنا أيضًا.. نعم إنه في كل مكان.. كما أن نفسك أيضًا هي قريبة منك، في داخلك وفي خارجك، لأنك إلى حيث تشاء أن تذهب إلى بلاد بعيدة فهناك يكون عقلك، سواء ناحية الغرب أو ناحية الشرق أو نحو السماء فهناك يذهب عقلك..
النصيب الذي تختاره الآن يظهر يوم الدينونة :
13ـ فلنسع ولنهتم فوق كل شيء أن يكون لنا سمة وختم الرب مطبوعًا على قلوبنا في الداخل، لأنه في يوم الدينونة حينما يستعلن غضب الله وتجتمع كل قبائل الأرض، أى أن كل جنس البشر يجتمعون معا، فحينئذ يدعو الراعي الصالح رعيّته الخاصة، وكل الذين لهم السمة والختم في داخلهم سيعرفون راعيهم، والراعي يعرف أولئك الذين فيهم ختمه، ويجمعهم معا من كافة الأمم.. فهؤلاء الذين هم له، أى خاصته، يسمعون صوته ويتبعونه.. أن العالم ينقسم إلى قسمين، قطيع مظلم يمضى إلى النار الأبدية، وقطيع ممتلئ نورًا ويذهب إلى الراحة السماوية.. فما نختاره ونمتلكه ويكون نصيبنا من الآن في داخل نفوسنا هو بنفسه الذي سيضيء ويظهر ويستعلن ويكسو أجسادنا بالمجد في اليوم الأخير..
14ـ وكما أنه في موسم شهر نيسان (أبريل أى فصل الربيع) تُخرج الجذورالمدفونة في الأرض ثمارها، وتظهر أزهارها بجمال عظيم، وتظهر الجذور الجيدة التي تحمل الثمار والزهور، كما تظهر تلك الجذور التي تخرج شوكًا، هكذا أيضا في ذلك اليوم، يظهر على جسد كل إنسان واضحا ما كان يعيش فيه ويفعله وهو في الجسد.. الأشياء الصالحة والشريرة كلاهما يظهران في ذلك اليوم.. وعلى هذا الأساس تكون الدينونة والمجازاة ..
الطعام السماوي :
يوجد طعام آخر غير هذا الطعام المنظور.. فحينما صعد موسى على الجبل صام أربعين يوما وهو لم يكن أكثر من إنسان، ولكنه نزل من الجبل ممتلئا بالله.. وها نحن نرى في أنفسنا أننا إذا لم نسند الجسد بالأطعمة فأنه يضعف خلال فترة وجيزة، ومع ذلك حينما صام موسى أربعين يوما نزل من على الجبل وهو مملوء قوة أكثر من جميع الشعب.. وذلك لأنه كان يتغذى من الله وكان جسده يقتات بطعام آخرـ طعام سماوي..
إن كلمة الله صار طعامًا له ونال منه مجدًا أضاء في وجه موسى .. وهذا الذي حدث لموسى كان مثالاً ورمزًا.. فهذا المجد الإلهي يضئ الآن في داخل قلوب المسيحيين، ثم في القيامة ستتغطى أجسادهم بكساء مجد إلهي، وتقتات بطعام سماوي..
معنى تغطية الرأس في الصلاة:
15ـ سؤال: ما معنى أن المرأة لا تصلى إلا ورأسها مغطى؟
الجواب: في عصر الرسل كانت عادة النساء (عند الأمم) أن يتركن شعور رؤوسهن محلولة كبرقع أو كغطاء، ولهذا لما جاء الرب ورسله إلى الناس علموهم الوقار والتعقل بأن تغطى المرأة رأسها وقت الصلاة.. كما أن المرأة يقصد بها هنا أن تكون رمزًا للكنيسة.. فبينما كانت النساء في تلك الأيام يرخين شعورهن بدلا من البرقع فأن الكنيسة تكسو أولادها بملابس وأغطية إلهية مجيدة.. وفي العهد القديم (في كنيسة إسرائيل) كانت الجماعة واحدة وكان الروح يغطى الخيمة بمجد رغم أنهم هم أنفسهم لم يكونوا حسب الروح، أما الآن فأن كلمة “كنيسة” تستعمل عن النفس بمفردها كما تستعمل عن الجماعة، لأن النفس تجمع كل أفكارها وملكاتها وتصير كنيسة لله. فالنفس جُعلت وكُونت لتليق لعِشرة العريس السماوي وتكون لها شركة مع الإله السماوي، وهذا ينبغي أن يفهم عن النفس بمفردها كما على الكنيسة بجملتها. ولذلك يقول النبى عن أورشليم: “وجدتك مطروحة وعارية وألبستك مطرّزة” (حز7:16ـ10) وهكذا يتكلم كأنه يخاطب شخصًا واحدًا..
مريم ومرثا والنصيب الصالح:
          16 ـ سؤال: ما معنى قول مرثا للرب عن مريم ” إني مجتهدة في خدمة كثيرة بينما هي جالسة عند قدميك” (لو39:10، 40) ؟
الجواب: إن ما كان يجب أن تجيب به مريم مرثا، سبق الرب وأجابها به وقال إنها قد تركت كل شيء وجلست عند قدمي الرب، وصرفت النهار كله في تسبيح الله، وهكذا فإن جلوسها كان بسبب المحبة. ولكن لكى تتضح كلمة الله أكثر، أنصتوا لما أقول. إن أى إنسان يحب يسوع، ويلازمه بغيرة وبحب وليس بطريقة عابرة، بل يلتصق به ويثبت فيه بمحبة شديدة، فإن الله يسبق ويرتب لمثل هذه النفس، لتنال جزاءً لمحبتها، رغم أن الإنسان لا يكون قد عرف حينئذ ما الذي سيناله من الله، أو ما هو النصيب الذي سيهبه الله للنفس. فحينما أحبته مريم جلست عند قدميه فإن العطية التي وُهبت لها لم تكن موهبة مؤقتة، بل قد أفاض في داخلها نعمة خفية من ذات طبيعته، والكلمات التي تكلم بها، في سلام، إلى مريم كانت كلها روحًا، وقوة، ولما دخلت هذه الكلمات في قلبها، صارت نفسًا في نفسها وروحًا في روحها، وملأت القوة الإلهية قلبها، وحيثما تحل هذه القوة فهي تبقى هناك على الدوام، كميراث ونصيب لا يمكن أن يُنزع، لهذا السبب، فإن الرب الذي يعرف عطيته لها قال: ” إن مريم اختارت النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها” (لو42:10) ولكن بعد ذلك بفترة، فإن ما فعلته مرثا بغيرة واجتهاد في طريق الخدمة، أدخلها كذلك إلى نفس تلك النعمة. فنالت هي أيضًا تلك القوة الإلهية في نفسها.
الحق يُظهر ذاته للنفوس المؤمنة :
          17ـ ولماذا نتعجب من أولئك الذين أتوا إلى الرب واتصلوا به شخصيًا فنالوا قوته، إذ أن الرسل حينما كانوا يبشرون بالكلمة، كان الروح القدس يحلّ على أولئك الذين يؤمنون، وكرنيليوس نال القوة من الكلمة التي سمعها، فكم بالحري جدًا حينما يتكلم الرب إلى مريم، أو إلى زكا، أو إلى المرأة الخاطئة، التي حلت شعرها ومسحت قدمى الرب، أو إلى المرأة السامرية أو اللص، أفلا تخرج القوة من الرب ويعمل الروح القدس في نفوسهم. وحتى الآن فأولئك الذين يحبون الله ويتركون كل الأشياء لأجله، ويواظبون على الصلاة، فإن الروح يعلمهم سرًا الأمور التي لم يكونوا يعرفونها. والحق نفسه يظهر لهم، بحسب اشتياقهم ورغبتهم فيه، ويعلمهم قائلاً: ” أنا هو الحق ” (يو6:14).
          إن الرسل أنفسهم قبل الصليب، بملازمتهم للرب، رأوا آيات عظيمة ـ كيف كان البرص يتطهرون، والموتى يقومون، ولكنهم لم يكونوا يعرفون حينئذ، كيف تدخل القوة الإلهية وتخرج وتعمل عملها في القلب، وكيف يولدون ثانية بالروح، ويشتركوا مع الروح السماوي ويصيروا خليقة جديدة. ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه من تأثير وآيات. والرب قال لهم: ” لماذا تتعجبون من الآيات، إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله”.
          18 ـ إن كلماته كانت تبدو غريبة بالنسبة لهم، إلى أن قام من بين الأموات وصعد بالجسد إلى أعلا السموات من أجلنا، وبعد ذلك انسكب الروح المعزى ودخل في نفوسهم، واختلط بهم، والحق نفسه يظهر ذاته في النفوس المؤمنة، والإنسان السماوي ـ أى الرب ـ يأتي ليكون مع الإنسان الذي هو أنت. ويصير في شركة معك .
          فجميع الذين يعطون أنفسهم ليخدموا، وبغيرة يفعلون كل شيء باجتهاد وإيمان ومحبة لله، فإن نفس هذه الخدمة تدخلهم، بعد فترة من الوقت، إلى معرفة الحق ذاته. لأن الرب ينكشف لنفوسهم، ويعلمهم طرق الروح القدس.. فالمجد والسجود للآب والابن والروح القدس، إلى الأبد. آمين.
لقراءة باقي عظات القديس مكاريوس :   أضغط هنا
Follow

Get every new post delivered to your Inbox.